د. بهجت سليمان: سلسلة العظماء الخالدين.. هوْ شيْ مِنه.. رائد النّهضة القوميّة في "الهند الصّينيّة" و مؤسّس الدّولة الفيتناميّة

[سلسلة العظماء الخالدين]

ـ 5 ـ

[هوْ شيْ مِنه]

(رائد النّهضة القوميّة في "الهند الصّينيّة" و مؤسّس الدّولة الفيتناميّة)  

ولد (هوشي مِنْه) في 19 أيّار- مايو عام (1890م)، في (كيمْ ليانْ) في مقاطعة (انكي يانْ)، لأسرة فقيرة مُعدمة؛ و كان رفاقه يدعونه "العمّ هوْ الّلطيف"، و أمّا إسمه الحقيقيّ فهو (وينْ فانْ كونكْ) و يقال (نيوجنْ شنْ شونجْ)؛ و (هو شي مِنْه) يعني فب "الفيتناميّة" "الشّخص ذو الرّوح المشعّة"! تُوفّيتْ أمّه في العام (1901م) و هو في الحادية عشرة من عمره.

درس (هوشي منه) تعاليم (كونفوشيوس) و ساعدته فطنته على إتقان الّلغة الصّينيّة مبكّراً، و كان مولعاً بصيد السّمك و صناعة "الطّيارات الورقيّة".

عندما بلغ (هوشي منه) الحادية و العشرين عام (1911م) ترك (فيتنامْ) و عمل كعامل نظافة ثمّ كنادلٍ ثمّ مساعدَ طاهٍ. و يظنّ- وَفقَ بعض الرّوايات- أنّه سافر قبل ذلك إلى (الولايات المتّحدة) حيث عمل في "الحيّ الصّينيّ" في (نيويورك) ثمّ في (بوسطن)، في غسل الصّحون. و هناك أجرى الاتّصالات مع القوميين الفيتناميين، و بدأت تتكوّن لديه الأفكار السّياسيّة الثّوريّة.

و يقالُ إنّه انتقل أوّلاً إلى (فرنسا) و عاش في (مرسيليا) في جنوب فرنسا، ثمّ سافر إلى الولايات المتّحدة، ثمّ إلى (لندن) حيث أقام فيها  حتّى العام (1914م) و عمل نادلاً و غاسل صحونٍ في الفندق نفسه الذي كان يُقيم فيه (ونستون تشرشلْ)! بعدها رجع إلى (باريس) و شارك في الحركة الاشتراكيّة الفرنسيّة.

في العام (1917م) التحق بالحزب الشّيوعيّ الفيتناميّ، و كان عضواً فاعلاً في الحزب. عاد إلى فرنسا في العام (1920م) و ساهم في تأسيس الحزب الشّيوعيّ الفرنسيّ، فكان عضواً مؤسّساً فيه، حتّى أنّه أصبح ممثّلاً للحزب الشّيوعيّ الفرنسيّ في المؤتمرات الدّوليّة، و أسّس "لجنة مكافحة الاستعمار" داخل "الحزب".

في هذه الأثناء عمل بائعاً للصّحف في (باريس)، و أصدر صحيفة "لوباريا" (المنبوذ، أو المشرّد) حيث عرّتْ صحيفته سياسة الاستغلال و الاضطهاد التي تمارسها الإمبرياليّة الفرنسيّة بحقّ الشّعوب التي تستعمرها، و لقيت "الجريدة" رواجاً في (فرنسا) و في مستعمراتها في (الهند الصّينيّة)؛ كما كان في الوقت ذاته يكتب مقالات صحفيّة في صحيفة (لومانتية) النّاطقة بلسان "الحزب الشّيوعيّ الفرنسيّ"، كما ألّف كتاباً بعنوان "الاستعمار الفرنسيّ تحت المجهر" عام (1925م).

في العام (1923م) انتقل إلى (موسكو) و درس "التّاكتيكات الثّوريّة" في (موسكو)، ثمّ أرسل في العام (1925م) إلى مدينة (كوانكجو) في (الصّين)، ثمّ في عام (1930م) استقر في (هونكْ كونكْ). و هناك طاردته السّلطات الفرنسيّة بسبب أنشطته الثّوريّة و دعواته إلى إنهاء الاستعمار، ممّا اضطرّه إلى التّخفّي في الغابات؛ و لكنّ البريطانيين ألقوا القبض عليه و سجنوه، و لكنّه تمكّن من الهرب. [و يروي البعض رواية أخرى مختلفة ، تقول أنّه توجّه في العام (1923م) إلى (الصّين) مباشرة، و عاش فيها حتّى عام (1938م)، ليعود إلى (فيتنام) مع نشوب الحرب العالميّة الثّانية].

في الحرب العالميّة الثّانية، و بالتّحديد في عام (1940م) دخلت (اليابان) الحرب ضدّ (فرنسا) فاحتلّت (فيتنام) و بسطت نفوذها مكان الفرنسيين. و عندما كان (هوشي منه) قد عاد إلى (فيتنام) مع بداية الحرب العالميّة الثّانية، قام بتنظيم حركة الاستقلال الفيتناميّة، حيث جمع جيشاً شعبيّاً مكوناً من (10) آلاف مقاتلاً لمحاربة اليابانيين، أغلبهم من "الشّيوعيين"، و بعضهم من القوميين و الوطنيين الذين انضمّوا إلى "جيش التّحرير"  بقيادة (هوشي منه) الذي أعلن "الثورة" ضدّ المحتلّ الفرنسيّ- اليابانيّ، و خاض حرباً شرسة بتاكتيك "حرب العصابات"، مكبّداً الفرنسيين و اليابانيين خسائر فادحة على رغم ضعف التّسلّح، و كانت المخابرات الأمريكيّة قد تكفّلت بدعم الثّوار الفيتناميين.

خاض (هوشي منه) الحرب مستفيداً من خبرة الصّينيين في "حرب العصابات"، إذ كان قد ترجم الكتب الصّينيّة، حول هذا الموضوع، إلى اللغة الفيتناميّة.

دخل (هوشي منه) إلى (الصّين) في العام (1942م) فاعتقلته قوّات (تشانْ كاي شيكْ) [قوّات "الحزب الوطني الصّيني" الذي كان على خلاف و عداء مع "الحزب الشّيوعي الصّيني" بقيادة (ماو تسي تونغ) ، و لو أنّ الحزبين كانا على هدنة و تعاون لقتال اليابانيين أثناء حرب التّحرير في الحرب العالميّة الثّانية].. ، اعتقلته لمدّة سنة كاملة، حيث أصيب في السّجن بهُزالٍ، فيما ألّف – مع ذلك- كتابه "يوميّات السّجن"، و هو كتاب يحتوي على أكثر من مائة قصيدة من الشّعر.

في أيلول - سبتمبر من العام نفسه (1942م) أطلق سراحه، و كانت الحرب ضدّ (اليابان) و (فرنسا) في أشدّها، فعاد إلى فيتنام و واصل نضاله السّياسيّ و العسكريّ ضدّ اليابانيين الذين خسروا الحرب العالمية الثّانية في 14 من آب –أغسطس عام (1945م). و منذ أيّار- مايو من عام (1945م) بدأ الجيش اليابانيّ بالتّقهقر، و استولى الفيتناميّون على (هانوي) و جعلوها عاصمة لهم.

في 2 من أيلول – سبتمبر (1945م) أُعلن يوم توقيع اليابان على اتّفاقيّة الاستسلام، يوماً لاستقلال (الفييتنام)، و أعلن (هوشي منه) ولادة (جمهوريّة فيتنام الدّيموقراطيّة).

أغضبَ إعلان (هوشي منه) قرار الاستقلالَ، الفرنسيينالذين أعلنوا الأحكام العرفيّة، و سادت الفوضى في فيتنام. و وسط هذه الظّروف الصّعبة المعقّدة انتهز (تشان كايْ شيكْ) [المذكور أعلاه و المعروف بعدائه للشّيوعيّة] الفرصة فقام بإرسال (200) ألف مقاتل من "جيشه" إلى (فيتنام) لاحتلالها و القضاء على الشّيوعيين. و هنا لم يكن أمام (هوشي منه) لتفادي جيش (كاي شيك)، غير الانصياع لشروط (فرنسا) التي تعهّدت ساعتها بحماية (فيتنام) و استقلالها بشرط أن تبقى تابعة للحكم الفرنسيّ بشكل غير مباشر. و وافق (هوشي منه) لإدراكه أنّه قادرٌ على طرد الفرنسيين من (فيتنام)، كما طردهم سابقاً، و إن كان هنالك تحالف مؤقّت بين الطّرفين، و لكنّه "الآن" غير قادر على مجابهة "الجيش الصّينيّ" بسبب التّفوّق العدديّ الهائل.

و أمّا في الحقيقة فقد كان الوضع أكثر تعقيداً من هذه الرّواية المتسلسلة، و ذلك وَفقَ رواية أيضاً شهيرة و تكاد تكون أكثر شهرة من الرّواية السّابقة، و ذلك كما يلي:

فبعد أن وقّعت "اتّفاقيّة بوتسدام" حول المشكلة الفيتناميّة و استسلام اليابان، و حلول البريطانيين مكان اليابانيين في جنوب خط عرض (16) و احتفاظ (هوشي منه) بالمناطق الشّماليّة لخط العرض المذكور، حيث تمركز (هوشي منه) في الشّمال بتأييد من القوات الصّينيّة الشّيوعيّة (ماو تسي تونغ)       [ حيث كانت في هذه الأثناء على هدنة و تحالف مرحليّ تاكتيكيّ مع قوات "الحزب الوطني" بقيادة (كاي شيك) ]، و تمكّن (هوشي منه) مع دعم قوات (ماو تسي تونغ) من إعلان (هانوي) عاصمة له؛ فإنّه في هذه الأثناء بالضّبط قامت بريطانيا بالتّخلّي عن مواقعها في "المنطقة الوسطى" و "الجنوبيّة" (جنوب خط عرض 16)، و سلّمتها للفرنسيين الذين بدأوا بابتزاز (هوشي منه) أمام هجوم "القوّات الصّينيّة الوطنيّة" (عدوة ماو تسي تونغ) بقيادة عدو الشّيوعيين الكبير (تشان كاي شيك).  و المهمّ أن (هوشي منه) قد أصبح الآن وجهاً لوجه أمام الفرنسيين.

خاض هو شى منه معارك عنيفة لاجبار الفرنسيين على الانسحاب و كانت هذه المعارك التى امتازت بحرب العصابات بقيادة القائد العسكرى (جياب (مرهقة و مكلفة للقوات الفرنسية المستعمرة.

فى عام ( 1949م) اقيمت جبهة معادية للاستعمار الفرنسى في فييتنام قوامها (هو شى منه) و (ماو تسى تونج (و (الباتيت لا) الذى كان يقود النضال العسكرى ضد فرنسا في لاووس ازاء هذا الحلف الثلاثى اقرت (فرنسا) بهزيمتها العسكرية في (فيتنام) و اعلنت استقلال (فييتنام (و (لاووس(و (كمبوديا (و عينت (باوداى) امبراطور (ألانام) رئيساًلفييتنام من اجل مواجهة الفييتناميين بعضهم للبعض الآخر. فهناك أيضاً قوات و "حكومة فيتنامية" عميلة للفرنسيين في الجنوب و قوات و "حكومة فيتنامية" مستقلة مدعومة من (الصين (في الشمال بقيادة (هو شى منه).

استطاعت (فرنسا) أن تصور أن الحرب في (فييتنام) هى حرب داخلية "أهلية" ذات طابع دوليّ لتطلب من (الولايات المتحدة) المساعدة العسكرية و خصوصا ان الأمريكيين كانوا ينظرون بقلق إلى نمو و تصاعد المدّ الشيوعى في "الهند الصينية" مترافقاً مع إعلان الحرب الكورية (1950-1953).

أقلق هذا الأمر الولايات المتحدة خصوصاً بعد تنامي النفوذ الشيوعي في الجنوب وقيام الزعيم الفيتنامي الجنوبي (ديم)بعقد مفاوضات مع (هو شي منه) لتوحيد فيتنام. و حيث لم يَرُق هذا الأمر للولايات المتحدة ، قامت باغتيال الزعيم الفيتنامي الجنوبي في 2 نوفمبر (1963م) ، ثمّ تذرعت بمختلف الحجج من أجل القيام بتدخل عسكري للقضاء على الحكم الشيوعي في شمال (فيتنام).

بدأت (الولايات المتحدة) بقصف شامل واسع النطاق على أراضي "الشمال الفيتناميّ" و كانت مرغمة على القيام بتدخل عسكري بسبب توغل الشيوعيين إلى أعماق "الجنوب"، وارتكبت جرائم عديدة ضد الفيتناميين . كانت القوّات الأمريكيةتقصف القرى الفيتنامية بالمدافع، فضلاً عن قصف المدن والقرى بالنابالم الحارق و قامت بالعديد من المجازر ضد المدنيين، حيث بلغت المجازر التي ارتكبتها القوات الأميركيّة (360 ) مجزرة موثقة في (فيتنام) منها مجزرة (ماي لاي) التي راح ضحيتها (504) فلاحاً فيتنامياً؛ و قام سلاح الجو الأمريكيّ برش اطنان من المواد السامة على الاراضي الفيتنامية مما ادى الى ولادة مئات ألوف الأجنة المشوهة.

و لم تقتصر الانتهاكات الأمريكيّة على (فيتنام) الشّماليّة.ففي (فيتنام) الجنوبية ، الموالية للولايات المتحدة ايضا ,  فرضالأمريكيّون حكماً بوليسياً، و سجنوا وأعدموا الآلاف لمجرد الاشتباه بانتمائهم للشيوعية. 

لم تعلم دول العالم بانتهاكات الولايات المتحدة إلا بعد فضح "قضية جندي الشتاء" [و هي فضيحة لأساليب التّعذيب الأمريكيّة، بواسطة تقنية متوحّشة تقوم على التهجّم على الأسير الفيتناميّ بمنشفة مبللة ومياه لجعله يشعر بالغرق و الاختناق] التي هزّت العالم، و لفتت الانظار الى الفظائع التي يرتكبها الجيش اللأمريكي في (فيتنام).

و على رغم ذلك لم يستسلم الثوار الفيتناميون و قاوموا الغزو الامريكي بشراسة؛ و كان (هوشي منه) يلقي الخطب الحماسية، و يضع الخطط العسكرية بالتعاون مع الجنرال الأسطورة (جياب)  [و هو الجنرال (فو نجوين جياب)  العسكري و السياسي الفيتنامي و ضابط سابق في الجيش الشعبي الفيتنامي، ويُعدّ من أهم شخصيات حرب فيتنام و واحد من أعظم الاستراتيجيين العسكريين في التّاريخ ؛ و هوصاحب خطة معركة (ديان بيان فو) التي هزمت فيها فرنسا في 7 حزيران - يونيو 1954]؛ وكانت المليشيات الشيوعية تهاجم الجيش الامريكي في الأدغال و تتجنب المدن خوفاً من القصف الجوي لكن ذلك لم يمنع حصول معارك في المدن مثل معركة هانوي (1968م)، وعاش "مئة وعامين، من  2013 -  1911"..

كان أسلوب "الفيتكونغ" (جبهة التّحرير الوطنيّة الفيتناميّة الجنوبيّة، الشّيوعيّة) يقوم على أساس الهجمات الخاطفة في الأدغال ومن ثم الاختباء في خنادق تحت الأرض [أصحاب خطّة "التّقيّة الشّيوعيّة" : خطوتان إلى الأمام؛ خطوة إلى الوراء].

في اشتداد الحرب أرسلت الصين 300 الف مقاتلاًللقتال بجانب "الفيتناميين"؛ و أما "السوفييت" فقد تكفّلوا بالدعم اللوجستي , مما جعل الكفّة تميل لصالح الفيتناميين خصوصاً بعد هجوم (تيت) عام (1968م) و الذي كان عبارة عن حملة عسكرية كبرى بقيادة الجنرال (جياب) وإشراف (هوشي منه)، قامت بهجوم واسع لدفع القوات الامريكية إلى خارج الحدود , مما كبد القوات الأمريكية خسائر فادحة.

في تلك الفترة تدهورت صحة (هو شي منه) لكنه  ظلّي خاطب الشعب الفيتنامي من "الراديو" و يحثهم على مواصلة القتال حتى تحرير (فيتنام) وتحت إعصار الإصرار النّضاليّ الفيتناميّ انسحبت (الولايات المتحدة) نهائيا ، بعد أن كان هجوم (تيت) قد انتهى عام (1975م) بتحرير (سايغون)عاصمة "جنوب فيتنام " والتي سمّاها الشيوعيون، مباشرة بعدتحريرها النّهائيّ، "مدينة هوشي منه" تخليداً لزعيمهم الراحل (هو شي منه) الذي فارق عالمنا في أيلول عام (1969م).

----------------------------------

- القرن العشرون: قَرْنُ  العمالقة الذين أبدعوا بصناعة التاريخ.. بدَأَ و مَرَّ ب:

لينين             

و ماو تسي تونغ                

و نهرو                 

و تيتو                   

و هوشي منه                     

و جمال عبد الناصر                      

و فيديل كاسترو                        

و حافظ الأسد                          

و هواري بومدين                            

و الإمام ا لخميني                              

و مانديلا                                

و تشافيز                                  

و السيّد حسن نصرالله..

وقد رحلت أجسادُهُم جميعاً، وبقيَتْ أرواحُهُم.. ما عدا رَمْزٍ أسطوريٍ واحد، هو سيّدُ المقاومة، أطالَ اللهُ عُمْرَهُ.

- و بَدأَ  القرنُ الحادي والعشرون، بِعملاقٍ لا ثاني له حتى اليوم، هو: أسد بلاد الشام: الرئيس بشار الأسد.