"بول دي مان" من سارق إلى أعظم ناقد 2من2

علي بدر- فينكس

 انتبهت إدارة الجامعة مرة إلى شكاوى كثيرة ضد بول دي مان بعدم دفع الإيجارات، التهرب من دفع الفواتير ومغادرة الفنادق دون تسوية الحساب معها. مع ذلك تم التغطية على الأمر من قبل أعلى السلطات الأكاديمية. تقول ايفلين باريش التي كانت طالبة ذلك الوقت في جامعة كورونيل أن سحره الشخصي وطريقته الغامضة في استخدام المصطلحات وبروزه كشخصية كارزمية جعل طلابه يفتنون به ويدافعون عن أخطاء حياته بكل قوة، بل هو عملاق ثقافي ذو أبعاد ملحمية في السبعينيات والثمانينيات، لقد كان نجماً مثل جان بول سارتر وحنا آرنت من سادة الفكر الذين جعلوا أنفسهم بقوة تفكيرهم من يوزعون قوة ونفوذاً اجتماعيين عظيمين. بل أن نفوذه وسحره قد ازداد عند طلابه ولا سيما الفتيات في عمر مبكر بعد أن عرفن هذه التقلبات العاصفة من حياة هذا الرجل الذي بقي وسيما وساحرا حتى بعد بلوغه الستين من عمره. سحر الشرير الوسيم هكذا سموه وعبدوه مثل أبطال السينما الشريرين دون إراقة قطر دم واحدة. إنه لم يقتل. لقد كان يفكر.
تزوج دي مان من باتريشيا للمرة الأولى في يونيو 1950، لكنه لم يخبرها أنه لم يحصل على الطلاق وأنه جمع بين زوجتين. أقام حفل زواج ثان في أغسطس 1960، عندما تم الانتهاء من طلاقه من أناييد.
له ثلاثة أولاد من أناييد هندريك وروبرت ومارك، وولد اسمه مايكل وبنت اسمها باتسي من باتريشيا تعيش الآن في نيويورك.
ظل الزوجان دي مان وباتريشيا معاً حتى وفاة دي مان، عن عمر يناهز 64 عاماً، في نيو هافن، كونيتيك، بعد إصابته بمرض السرطان. كانت وفاته مأساوية لدى الأوساط الثقافية، فقد كتبت عنه كبريات الصحف على صفحتها الأولى ووضعت صورة كبيرة له، وحظي بتشييع لا سابق له، وحزن خيم على الجامعات التي درس فيها، وبالأخص طلابه الذين كانوا يجلونه إلى حد التقديس.
في أغسطس من العام 1987، أي بعد وفاة بول دي مان اكتشف أورتوين دي غريف، وهو طالب دراسات عليا بلجيكي في جامعة لوفين، حوالي مائتي مقالة كتبها دي مان خلال الحرب العالمية الثانية في صحيفة لو سوار، وهي الصحيفة البلجيكية الرئيسية يؤيد فيها دي مان النازية، فأحدث هذا الاكتشاف دوياً كبيراً في الأوساط العلمية خارج بلجيكا أما في بلجيكا فكان الأمر معروفاً جداً.
بعدها مباشرة عقد مؤتمر حول بول دي مان في جامعة أنتويرب البلجيكية، في اليوم الأخير من المؤتمر، تناول جان ستينغرز، وهو مؤرخ بلجيكي معروف يعمل في جامعة بروكسل الحرة، موضوعاً بعنوان: "هل بول دي مان، عميل نازي؟" حلل فيها الاحداث الثابتة في تعامل بول دي مان مع النازيين وجوهر مقالاته، ولاسيما المقال الأكثر إثارة للجدل والمعادي للسامية بشكل صريح من صحافة زمن الحرب، بعنوان "اليهود في الأدب المعاصر" حيث وصف دي مان زجر اليهود أو كراهيتهم ظاهرة ثقافية. وخلص المقال إلى أن الحضارة الغربية حافظت، على الرغم من التدخل السامي في جميع جوانب الحياة الأوروبية، على أصالة وشخصية سليمة... وأظهرت أن طابعها الأساسي صحي. وخلص إلى أن إنشاء مستعمرة يهودية معزولة عن أوروبا هو حل للمشكلة اليهودية، وهذا الحل لن يترتب عليه عواقب مؤسفة.
ثم قام جورج غوريلي، أستاذ فخري لعلم الاجتماع في جامعة بروكسل الحرة، ليدلي بما أسماه "شهادة شخصية": فبدأ غوريلي بتمجيد بول دي مان الذي كان يعرفه عن كثب في شبابه، بأنه: رجل أدب ساحر، متواضع، مثقف للغاية، مشهور في الأوساط الأدبية البلجيكية خلال شبابه. ثم ألقى الأستاذ قنبلته. وأكد أن دي مان لم يكن مثلما ما يبدو عليه الآن. لقد كان مخادعاً تماماً، وبشكل لا شفاء له.
قال: كان تعلقه بالكذب والاحتيال مرضياً تقريباً. فهو محتال أفلس عائلته، وكان النصب والتزوير والكذب على الأقل في ذلك الوقت، طبيعة ثابتة بالنسبة له.
أحدث هذا المؤتمر ضجة كبيرة في الصحافة الأوروبية، نقلت الكنزين ليترير الفرنسية هذ الأخبار، ومن ثم فرانكفورت الغماينة تسايتنغ الألمانية، الغارديان البريطانية، النيويورك تايمس الاميركية، الواشنطن بوست وغيرها، في كل صحيفة من الصحف العالمية الكبيرة تصدرت صورة دي مان الصفحة الأولى وتركز الحديث عن علاقاته مع النازية، وأخبار نصبه، وكذبه، واحتياله.
حاول تلاميذه تصوير هذه الهجمات كغطاء لمعاداة التفكيكية، زاعمين أن هذه الهجمات هي خدعة استخدمت أخطاء دي مان الشبابية كدليل على ما اعتبروه الانحطاط في قلب الفكر القاري أي خلفية دي مان الثقافية ونظرياته. انتشرت الخلافات بسرعة من صفحات المجلات العلمية إلى وسائل الإعلام الأوسع، صحافة، تلفزيونات، إذاعات. كشفت بعض الصحف المهمة على صفحاتها الأولى مثل النيويورك تايمس عن التفاصيل المثيرة لحياة دي مان الشخصية، لا سيما ظروف زواجه وعلاقاته الصعبة مع أطفاله.
أحد أهم تلاميذه هما الناقد الكبير فريدريك جيمسون، وبيتر بروكس، عد الأخير حياة دي مان بأنها هائلة على الرغم من أخطائها مدافعاً عن استاذه بأن قصته هي قصة نجاح وانعتاق من فوضى الحرب والاحتلال واللجوء ولحظات اليأس المالي، رجل عاش هذه القسوة وبقي متمتعا بشخصية أذهلت جورج باتاي، ماكدونالد، مكارثي، وليفن، ودخل إلى أعلى الدوائر الأكاديمية الأمريكية، وأسهم خلال عقد بتسع مقالات قصيرة ذكية وحاسمة عن الكتاب الأوروبيين الرئيسيين - هولدرلين، جيد، كامو، سارتر، هايدغر، بالإضافة إلى بورخيس.
كتب صديقه جاك دريدا كتابا كاملا عن دي مان بعنوان الذاكرة، وصف الحملة ضد دي مان بأنها دعوة لإحراق كتبه أو دعوة للإبادة وهي نوع من الهولوكوست المجازي، أما فريدريك جيمسون فقد دافع مطولاً عن دي مان في كتابه: مابعد الحداثة، أو المنطق الثقافي للرأسمالية المتأخرة (1991)، ملاحظاً أن نقاد دي مان من مثقفي أمريكا الشمالية يفتقرون إلى الخبرة في التاريخ من شأنه أن يؤهلهم للحكم على تصرفات وخيارات الناس تحت الاحتلال العسكري.
منذ أواخر الثمانينيات، أشار بعض أتباع دي مان، وكثير منهم يهود، إلى أن دي مان لم يُظهر في أي وقت من الأوقات عداءً شخصياً لليهود.
قالت الكاتبة شوشانا فيلمان، أن دي مان أوى في شقته عازفة البيانو اليهودية إستر سلوسني وزوجها، اللذين كانا آنذاك مواطنين غير شرعيين مختبئين من النازيين. خلال هذه الفترة نفسها كان يلتقي مع جورج غوريلي، أحد أعضاء المقاومة البلجيكية. ووفقاً لشهادة غوريلي الخاصة، لم يخش أبداً من بول دي مان أن يوشي به.
لكن تلاميذه والمدافعين عنه فشلوا في الاتفاق حول طبيعة صمت دي مان عن أنشطته في زمن الحرب. من ناحية أخرى، يشير منتقدوه إلى أن دي مان طوال حياته لم يكن صامتاً بشكل سلبي فحسب، بل شارك أيضاً في تغطية نشطة من خلال الأكاذيب والتوجيهات الخاطئة حول ماضيه.
صورته الروائية ايفلين بارش في السيرة التي كتبتها عنه التي صدرت في العام 2014 بعنوان الحياة المزدوجة لبول دي مان بأنه السيد ريبلي، شخصية روائية يقوم الكذب والذكاء أساس نجاحها، فهو الرجل غير الموثوق المحتال الذي اختلس وكذب وزور وبعدها حصل على أعلى المراتب العلمية.