"بول دي مان" من سارق إلى أعظم ناقد 1 من 2
علي بدر- فينكس
بول دي مان صاحب كتاب "العمى والبصيرة"، سارق في شبابه، مزور، محتال، كذاب، مراوغ... نازي ومن ثم أعظم ناقد تفكيكي في أميركا.
في بغداد في التسعينيات حين قرأت كتاب "العمى والبصيرة Blindness and insight " باللغة العربية للناقد الأميركي الكبير بول دي مان بترجمة سعيد الغانمي لم أعرف أنه من أصل بلجيكي، خطر في بالي شكله، عجوز بنظارة سميكة وجاكيت عريض وله شكل فأر .
في بلجيكا في العام 2009 اكتشفت شيئاً آخر: اكتشفت أنه كاتب بلجيكي. ولدي معارف كثر من أقاربه.
ولد في مدينة انتويربن شمال بلجيكا لعائلة فلمنكية برجوازية، جده شاعر معروف، تعرضت والدته الى صدمة الحرب بسبب انجابها لوليد ميت فأصبح لديها مرض الاكتئاب الانتحاري المتقطع، كانت حياة دي مان المبكرة صعبة شبيهة بمأساة إغريقية. الأب مشغول في أعماله والأم هشة نفسياً لا بد من مراقبتها. حياته تسير على قشرة بيض. تعرض شقيقه الأكبر هندريك الى حادث مروع، اصطدم بدراجته بقطار ومات في الحال. بعد أقل من عام انتحرت والدته. اكتشف دي مان جثتها وهي تتدلى بحبل في حجرتها.
كان لا بد له من البحث عن نساء أخريات لينسى مأساته. رحل الى بروكسل وأغرم بأناييد وهي زوجة صديقه الأقرب جيجر، أنجب منها طفلاً، عاش الثلاثة معاً فترة من الزمن، ثم طلقها جيجر وتزوجها دي مان، وأنجب منها طفلين آخرين. أصبح عمه رئيس وزراء في فترة الاحتلال النازي، برر قبول الاحتلال لتجنيب بلاده الحرب، وأن الكارثة قد تكون خلاصاً في مثل هذه الحالات. أيد بول دي مان عمه وانخرط في الدعاية للنازيين وكتب أكثر من مئتي مقالة في صحيفة لو سوار البلجيكية في تأييد ألمانيا وبمقالتين معاديتين للسامية مطالباً فيهما ترحيل اليهود عن أوربا.

أصبح دي مان المراجع الرسمي للكتب وناقداً ثقافياً. وساهم لاحقاً في الصحيفة الفلمنكية اليومية Het Vlaamsche Land دعمت كتاباته الأيديولوجية العنصرية الجرمانية وانتصار ألمانيا في الحرب. شغل دي مان ثلاث وظائف مختلفة، وحصل على رواتب عالية جداً، بعد ذلك اختبأ حينما بدأت المقاومة البلجيكية باغتيال الشخصيات الموالية للنازية. حين سقطت ألمانيا ودخل الجيش الأحمر في برلين، هرب عمه الى سويسرا. حكم عليه غيابيا بالخيانة، بعد فترة وجيزة تعرض الى حادث دهس ومات.
هرب دي مان وزوجته أناييد وصديقه جيجر الى فرنسا ثم عادوا جميعا ليواجه ديم مان المحكمة بتهمة التعاون والخيانة مع النازية إلا أنه تمكن من الدفاع عن نفسه فأطلقت المحكمة سراحه دون تبرئته، حاول الدراسة في جامعة بروكسل لكنه فشل في الحصول على الشهادة الجامعية في أكثر من امتحان، افتتح دار نشر تعاونية وجمع لها رأس مال من شركاء بحوالي مليون فرنك، بدد الأموال على ملذاته فاشتكى الشركاء عليه بالمحكمة، هرب إلى أميركا بينما التحقت زوجته ببعض عائلتها في البرازيل، حكمت المحكمة عليه بالسجن لمدة خمسة أعوام، وطالبت والده برد الأموال لأصحابها فأفلس والده.
في أميركا بدأ سيرة أخرى.
عمل في البداية في متجر للكتب، فاتصل بالكاتب الفرنسي جورج باتاي الذي كان يعرفه منذ هروبه إلى فرنسا، فأوصى به ماكدونالد وهو أشهر شخصية أدبية في نيويورك ذلك الوقت، وفي منزله تعرف دي مان على الروائية ماري مكارثي. كان بول دي مان وسيماً جداً، لقبه الأميركان بالفلمنكي الذهبي، طويل القامة أشقر وعيناه زرقاوان، كان متحدثاً ساحراً، وله طريقة مذهلة في التأثير على الآخرين. افتتنت به الروائية ماري مكارثي، روائية جميلة، ساحرة، يسارية، تزوجت من أكبر ناقد في ذلك الوقت أدمون ويلسون ثم طلقته، كانت هي حاميته فوجدت له وظيفة في جامعة بارد كمدرس للغة الفرنسية فأثر على طلابه بسبب ثقافته الواسعة وسحره الشخصي، فقدمت له الجامعة مهنة مضمونة، بعد توثيق علاقته بالوسط الجامعي قرر دراسة الدكتوراة في هارفارد فأخبرهم بصعوبة حصوله على شهادته الجامعية وبدلاً عنها قدم رسالة مزورة انه حاصل على الشهادة من معهد غير موجود أصلاً في بروكسل، ولكن بسبب ثقة الوسط الأكاديمي به في ذلك الوقت، قبلت الرسالة وقبل طالباً في هارفارد حتى حصل على الدكتوراة، وأخذ يعمل في جامعتين في آن واحد كورنيل وزويرخ وهو أمر لم يكن مقبولاً جامعياً، لكن سحره الشخصي وعلاقاته أزالت جميع العوائق القانونية أمامه.
في تلك الفترة أغرم بإحدى طالباته باتريشيا كلي، وتزوجها زواجاً مدنياً كان يخشى تسجيل الزواج لئلا تقوم المحكمة بطلب السؤال عنه في بلجيكا فيفتضح أمره، فهو نازي هارب من دون تبرئة، ومحكوم بالسجن لمدة خمسة أعوام بتهمة الاحتيال، ومتزوج من امرأة أخرى دون معرفة زوجته، ولم يحصل على شهادة جامعية.
انتهت فترة إقامته في اميركا فطلب ترحيله. فرحل الى فرنسا مع زوجته الأميركية، ولكن ثمة صعوبة في دخوله الى بلجيكا او تجديد جوازه، فستلقي السلطات عليه القبض، كما هنالك صعوبة في بقائه في فرنسا فغامر بالعودة الى أميركا مرة أخرى مع زوجته باتريشيا كلي وبطريقته الخاصة استطاع الإفلات ودخول البلاد.
عاد للعمل في الجامعة عبر بطاقة إقامة مؤقته وتوصيات كبيرة من أكبر الشخصيات العلمية في أميركا. عرفت زوجته الأولى بزواجه غير القانوني، فحضرت الى الولايات المتحدة مع صغارها الثلاثة وهددته بفضحه كانت زوجته الثانية باتريشيا حاملاً فقام بتسوية الأمر مع زوجته الأولى عن طريق طلاقها بصورة رسمية ومن ثم منحها شيكاً بمبلغ مالي كبير، فقبلت التسوية، لكنها حين عادت الى البرازيل وجدت الشيك من دون رصيد.
أرسلت زوجته للانتقام رسالة الى عمادة الجامعة تكشف عن تواطؤهِ مع النازية. فعملت الجامعة تحقيقاً مصغراً، قدم دي مان وصفاً شاملاً وأكثر من مرضٍ لوضعه كمهاجر وطبيعة أنشطته السياسية. وأخبرهم انه لم يكن متعاوناً مع النازية إلا انه كان ابناً غير شرعي لعمه الذي كان رئيساً لوزراء بلجيكا في الفترة النازية، دوخت هذه المعلومة غير الصحيحة عمادة الكلية. فتم غلق الموضوع تماماً.
إن الوصف الخيالي لهذه الفترة من حياة دي مان هو أساس رواية الحاذق لهنري توماس التي صدرت في العام 1964. وفرت حياته أيضاً أساساً لرواية العودة الى الوطن لبرنارد شلينك التي صدرت في العام 2006.