كتب الدكتور بهجت سليمان: سلسلة العظماء الخالدين.. ماو تسي تونغ
{سلسلة العظماء الخالدين}
ـ 2 ـ
[ماو تسي تونغ]
ولد ماو تسي تونغ في 26 كانون الأول – ديسمبر 1893 في قرية (شاوشان) التي تقع في مقاطعة (هونان) الصّينيّة، لعائلة بسيطة تعمل في الزّراعة. جمع (ماو) بين عمله مع أسرته في الزّراعة، و بين دراسته الّلغة الصّينيّة و أعمال (كونفوشيوس) و أعمال الكتّاب الكلاسيكيين الصّينيين. أبدى منذ صغره اهتماماً كبيراً بدراسة تاريخ ثورات الفلاحين. و كان بطبيعته متمرّداً ثائراً، فقد هرب و هو في العاشرة من عمره من بيت والديه.
في الأعوام (1911- 1912م) قامت الثّورة الصّينيّة التي أطاحت بحكومة (المانشو) [الإقطاعيّة] و ظهرت جمهوريّة الصّين. التحق (ماو) بالجيش الثوري عام (1911م) مؤيّداً قضيّة "الجمهوريّة". في عام (1912م) ترك دراسته النّظاميّة و أكبّ على قراءة (روسُوْ) و (مونتسكيُوْ) و (آدمْ سميثْ) و (ستيوارتْ ميلْ) و (دارونْ) و (سبنسَرْ). و بين عامي (1913 و 1918م) التحف بدار المعلّمين، و عرف بنشاطاته في الأوساط الطّلابيّة و شارك في النّضالات الطّلابيّة. في العام (1917م) نشر إعلاناً في إحدى الصّحف دعا فيه الطّلاب الذين يُشاطرونه آراءه و تطلّعاته، إلى تأسيس جمعيّة ثقافيّة و اجتماعيّة أطلق عليها فيما بع "جمعيّة المواطنين الجدد". كان يومها (ماو) في الرّابعة و العشرين من عمره، و كان يؤمن بالدّيموقراطيّة الّليبراليّة، و يجاهر بعدائه للنّزعة العسكريّة و للإمبرياليّة. انتفل (ماو) إلى (بيكين) عام (1918م)، ثم سافر إلى (شنغهاي) و تعرّف فيها على بعض الماركسيين و
اعتنق "الماركسيّة"، ثم عاد إلى (هونان) حيث نشأ، و أسس فيها جمعيّة سمّاها "من أجل هونان عصريّة و مستقلّة ذاتيّاً". كا لـ "البيان الشّيوعيّ" لـ (ماركس) أثر كبير في شخصيّة (ماو)، و كذلك ترك فيه كتاب "الصّراع الطّبقيّ" لـ (كارلْ كاوتسكسي) أثراً مباشراً، هو الآخر، و ذلك بقدر ما تأثّر أيضاً بكتاب (كير كوب) "تاريخ الاشتراكيّة"؛ و كان حصيلة كلّ تلك التّأثيرات أنْظهرت ميول (ماو تسي تونغ) إلى "الشّيوعيّة" التي اعتناقها نهائيّاً عام (1920م)، حيث أخذت سيرته الذّاتيّة تقترن بتاريخ الحركة الثّوريّة الصّينيّة.
في عام (1921م) تمكّن (ماو تسي تونغ) مع أحد عشر شخصاً معه من تكوين "الحزب الشّيوعيّ"، و تحالف هؤلاء الشّيوعيّون مع "الحزب الوطنيّ" بغرض توحيد الصّين. غير أنّ انعدام الثّقة بين "الشّيوعيين" و (تشانغْ كايْ شيكْ) زعيم الحزب الوطنيّ الذي خلّف وراءه (صنْ ياتْ صنْ) في زعامة الحزب الوطنيّ، بعد موته، أدّى إلى قيام الحرب بين المجموعتين.
في عام (1925م) حرّك (ماو تسي تونغ) "الثّورة" في الرّيف من (هونانْ) حيث كان قد أرسى قاعدة أول نواة ثوريّة، و حرّك مسيرة قوامها اتّحادات الفلاحين، في أوجِ ما عرف بـ "الحرب الأهليّة الثّوريّة الأولى" بين أعوام (1925 و 1927م).
كان (ماو) قد وضع في عام (1926م) كتابه "تحليل طبقات المجتمع الصّينيّ" الذي أكّد فيه على الطّاقات الثّوريّةلطبقة الفلاحين. في عام (1927م) بادر (ماو) إلى بناء جيش ثوريّ بهدف تحرير مناطق من الصّين يصعب على "حزب الشّعب الوطنيّ" (الكومنتانج) [الذي كان صنْ ياتْ صنْ قد أعاد تنظيمه في عام 1923م] مهاجمتها و الوصول إليها.
اعتمد (ماو) في تكوين جيشه على عمال المناجم و الفلاحين. و عندما حاول تنظيم "انتفاضة حصاد الخريف"باءت هذه المحاولة بالفشل، و ألقي القيبض عليه و تمكّن من الفرار، و أقصي عن الّلجنة المركزيّة و عضويّة المكتب السّياسيّ، و جرّد من مسؤوليّاته داخل جهاز "الحزب"، ممّا اضطرّه إلى اللجوء إلى جبال (جينجانجْ)، حيث أسّس هناك "قاعدة ثوريّة" في تشرين الثّاني – نوفمبر 1927م.
قاد (ماو)، مع زعماء شيوعيين آخرين، مجموعات صغيرة إلى مقاطعة (جيانكسْ) عام (1928م)، حيث انضمّ إليه (شوْ تِهْ) و رجاله في أيّار – مايو (1928)، و بادر (ماو) إلى عمليّةتوزيع الأراضي و الأسلحة على الفلاحين، جاعلاً من "اتّحادات الفلاحين" أداة الحكم الأولى. و عمد (ماو) إلى إنشاء "قواعد حمراء" أخرى في المناطق التي يسيطر عليها الجيش بقيادة (شوْ تِهْ)، و جيش (بنجْ تُوْ هويهْ)؛ و أثار انتشار هذه القواعد ردّة فعل عنيفة من قبل (تشيانجْ كايْ شكْ)، و أصبحت محافظة (جيانكسْ) هدف (تشيانجْ) الأول، حيث حاول تطويق القواعد الثّوريةّ و تدميرها خمس مرّات على التّوالي في الأعوام (1930 – 1934م)، و قام (تشيانجْ) بسلسلة من الإعدامات الجماعيّة للشّيوعيين.
في عام (1934م) قاد (ماو) الشّيوعيين إلى محافظة(شانكسي [شنسي]) في مسيرة تاريخيّة عرفت باسم "المسيرة الكبرى"، أو"المسيرة الطّويلة"،التي بلغ مداها المتّصل مسافة جاوزت (9700) كم، و انتهت بعد سنة كاملة، و تمّ توحيد الأحياء من المشتركين فيها تحت قيادة (ماو تسي تونغ).
في عام (1931م) غزت (اليابان) (منشوريا) و [هي مقاطعة شاسعة، أو منطقة جغرافيّة، في "شمال شرق الصّين"موزّعة تاريخيّا بين (روسيا) و (الصّين)!]، و في عام (1937م) أعلنت (اليابان) حرباً شاملة ضدّ )الصّين). عندها تحالف الشّيوعيّون بقيادة (ماو تسي تونغ) مع الحزب الوطنيّ الحاكمبقيادة (تشيانجْ كايْ شكْ) امواجهة الأخطار الخارجيّة، و استمرّ ذلك التّحالف حتّى نهايو الحرب العالميّة الثّانية عا (1945م)، و رفض (ماو) أن يكون ذلك التّحالف انصهاراً على صعيديّ القوّات و القيادات. و قاد (ماو تسي تونغ) حرباً لتحرير البلاد و نشر الشّيوعيّة، و تمكّن الشّيوعيّون عا (1945م) من السّيطرة على منطقة يقطنها نحو مائة مليون صينيّ.
نشبت الحرب الأهليّة الصّينيّة بين أعوام (1946- 1949م) بين الشّيوعيين من جهة و "حكومة الوطنيين" (أنصار تشيانجْ كايْ شكْ في منشوريا) و اضطرّت القوات الشّيوعيّة (جيش التّحرير الشّعبيّ) في بادئ الأمر إلى الانسحاب حتّى (بينان)، ثم ما لبثت أن شنّتْ، بعد ذلك، هجوماً ساحقاً، خلال عاميّ (1948- 1949م)، و نجحت في استرداد (بيكين) و (شنغهاي) و (كانتون)، و تمكّن الشّيوعيّون من السّيطرة على (الصّين) كلّها في تشرين الأول – أكتوبر من عام (1949م)، فانسحب "الوطنيّون" إلى جزيرة (فورموزا)، و أعلن (ماو تسي تونغ) من (بيكين) قيام "جمهوريّة الصّين الشّعبيّة".
تمكّن (ماو تسي تونغ) من توحيد (الصّين)، و أسّس مجتمعاً منضبطاً بسرعة لم يتوقّعها "المراقبون".
تعاون (ماو تسي تونغ) عندما تسلّم السّلطة مع "الاتّحاد السّوفييتي"، و ساعده "السّوفييت" في تقوية الجيش الصّينيّ، عندما توجّهوا بالمساعدة إلى (كوريا الشّماليّة)، خلال "الحرب الكوريّة" (1950- 1953م).
و بعد انتهاء الحرب بدأ (ماو) برنامج توسيع الزّراعة و الإنتاج الصّناعيّ، مع أنّه فشل في "القفزة الأماميّة العظمى" العاجلة في عام 1958م.
في الأعوام (1954- 1959م) أصبح (ماو تسي تونغ) أميناً عامّاً للحزب الشّيوعيّ الصّينيّ، و رئيساً للجمهوريّة و رئيساً للحكومة في آنٍ معاً.
في ستّينات القرن العشرين أطلق (ماو تسي تونغ) البرنامج النّوويّ الصّينيّ، و كان في عام (1959م) قد تخلّى عن منصب "الرّئاسة" و تفرّغ لقيادة "الحزب" و "الدّولة".
في عام (1966م) أطلق (ماو) شرارة "الثّورة الثّقافيّة الكبرى" في (الصّين)، و أطاح برئيس الجمهوريّة (ليو تشاو شي) و بعدد كبير من القياديين التّقليديين، معتمداً في ذلك على "الجيش الأحمر" و "الحرس الأحمر" الذي تشكّل من ملايين الطّلبة من المدارس العليا و الجامعات. و كان (ماو) يهدف من وراء هذه "الثورة" إلى سحق الطّبقة البورجوازيّة التي تغلغلت إلى صفوف "الدّولة" و "الحزب".
و له الكثير من المؤلّفات الاشتراكيّة التي حاول فيها أن يحتكر الحق في تفسير مؤسّسي الماركسيّة- الّلينينيّة، (ماركسْ) و (أنغلز) و (لينين).
يعتبر (ماو تسي تونغ) من الشّخصيّات السّياسيّة الإشكاليّة في القرن العشرين، و بخاصّة من بين الشّخصيّات التّاريخيّة البارزة في الحركة الشّيوعيّة العالميّة. قرأ الماركسيّة- الّلينينيّة قراءة صينيّة ذاتيّة فكان أنْ عوّل أكثر ما عوّل في جماهيريّة الحزب الشّيوعيّ الصّينيّ على البروليتاريا الفلاحيّة، دون تللك العمّاليّة، نظراً لما كان عليه وضع الصّين المتأخّر صناعيّاً في حينه، بينما كانت تشكّل الطّبقة الفلاحيّة العنصر الأهمّ و الأكثر في جماهيريّة "الحزب"؛ و كان ذلك بمثابة افتراق نظريّ، أو تمايز بين الشّيوعيّتين "السّوفييتيّة" و "الصّينيّة".. حتّى أنّ البعضَ من المفكّرين الماركسيين- الّلينيين أخذ على (ماو تسي تونغ) أنّه فسّر الماركسيّة على أساس من تعاليم (كونفوشيوس) الذي أبقى (ماو) على تقديره و احترامه و إجلالهله، حتّى مماته، في الوقت الذي زعم فيه (ماو) أحقّيّته الأولى في احتكار تفسير تعاليم المعلمّين الأوائل في الماركسيّة- اللينينيّة، (ماركسْ) و (إنغلز) و (لينين).
و مهما يكن من هذه الخلافات التّأويليّة للنظريّة الماركسيّة- اللينينيّة، بين الشّيوعيّة السوفييتيّة و الشّيوعيّة الصّينيّة، فقد ترك (ماو تسي تونغ) بصمته على الحركة الشّيوعيّة العالميّة، كما تركَ الأثر الأكبر في تاريخ (الصّين) الحديثة و المعاصرة. و نحن يمكننا أن نتتبّع هذا الأثر ببساطة إذا لاحظنا كيف أنّ الزّعيم الصّينيّ التّاريخيّ الكبير قد انتزع (الصّين) من دولة فلاحيّة متخلّفة و فقيرة يرزح فيها المجتمع تحت نظام العبوديّة الإمبراطوريّة، إلى دولة معاصرة زراعيّة و صناعيّة أخذها بيدها إلى أن وضعها على سكّة الدّول العظمى و بخاصّة في دخولها النّادي النّووي، صناعيّاً و عسكريّاً و في مجالات أخرى أيضاً؛ فكان بذلك أن استحقّ صفات الزّعماء التّاريخيين الذين تحوّلوا ببلدانهم على شساعة زاوية منفرجة كاملة.
و يبقى من الّلافت أن الزّعيم التّاريخيّ (ماو تسي تونغ) قد أنجز الثّورة الشّيوعيّة الكبرى في (الصّين) جنباً إلى جنبٍ مع خوض (الصّين) الحرب العالميّة الثّانية دفاعاً عن الوطن الذي هدّده الغزو اليابانيّ، حيث يقيت (الصّين) على حرب مع الغازي الياباني منذ ما قبل بداية الحرب العالميّة الثانية من تاريخ يعودإلى عام (1937م) و لم تنته هذه "الحرب" إلّا في نهاية الحرب العالميّة الثّانية عام (1945م) و اندحار دول المحور. و مع ذلك استطاع (ماو) قيادة الثّورة في ظروف "الحرب" المدمّرة، إلى الانتصار النّهائيّ عام ( 1949م).. و فاضت روحه في 9 سبتمبر/ أيلول 1976 .
-------
- القرن العشرون: قَرْنُ العمالقة الذين أبدعوا بصناعة التاريخ .. بدَأَ و مَرَّ ب :
لينين
و ماو تسي تونغ
و نهرو
و تيتو
و هوشي منه
و جمال عبد الناصر
و فيديل كاسترو
و حافظ الأسد
و هواري بومدين
و الإمام ا لخميني
و مانديلا
و تشافيز
و السيّد حسن نصرالله ..
- وقد رحلت أجسادُهُم جميعاً ، وبقيَتْ أرواحُهُم .. ما عدا رَمْزٍ أسطوريٍ واحد ، هو سيّدُ المقاومة ، أطالَ اللهُ عُمْرَهُ.
- و بَدأَ القرنُ الحادي والعشرون ، بِعملاقٍ لا ثاني له حتى اليوم ، هو : أسد بلاد الشام : الرئيس بشار الأسد.