عن فخري البارودي من كتاب "شرق الجامع الأمويّ"
سامي مبيّض
في عام 1934 أسَّس نائب دمشق فخري البارودي أوّل مركز دراسات وأبحاث عرفه العالم العربي، عُرِف رسميّاً باسم "المكتب العربيّ القوميّ للدعاية والأنباء"، وقد أطلق عليه السوريّون اسم "مكتب البارودي" اختصاراً.
كان هدفه إيجاد قاعدة إعلاميّة وعلميّة للحركة الوطنيّة في سورية، المُمثَّلة في الكتلة الوطنيّة، واتّخذ من دار البارودي الكائنة في حيّ القنوات مركزاً له. وقد اقتنى المكتب مطبعة خاصّة لطباعة منشوراته ودراساته التي كانت تُوزّعها مجّاناً على المدراس والجامعات وكلّ الجوامع والكنائس. أمّا المؤسَّسات الخاصّة والأفراد فقد كان الاشتراك في هذه المنشورات عبارة عن خمسة قروش شهريّاً.
كانت دراسات البارودي تدور حول ثلاثة موضوعات رئيسة هي: استقلال سورية، وأطماع الصهاينة في فلسطين، وقضيّة لواء إسكندرون. وقد تعاقد مع نخبة من الباحثين الشباب لوضع هذه الدراسات، مثل الدكتور ناظم القدسيّ؛ خرّيج جامعة جينيف الذي أصبح لاحقاً رئيساً للجمهوريّة السوريّة، والدكتور فريد زين الدين؛ المتخرّج حديثاً في الجامعة الأميركيّة في بيروت والذي أصبح سفير سورية في كلٍّ من واشنطن وموسكو، والمحامي إدمون رباط؛ خرّيج السوربون؛
الذي شارك في مفاوضات الاستقلال الأولى في باريس سنة 1936.
الذي شارك في مفاوضات الاستقلال الأولى في باريس سنة 1936.وضمّ مكتب الباروديّ الدكتور قسطنطين زريق؛ خرّيج جامعة برينستون، الذي بات بعد سنوات رئيساً لجامعة دمشق، ثمّ لجامعة بيروت الأميركيّة، وخليفته في جامعة دمشق الدكتور أحمد السمّان، والصحفيّ منير الريّس، مؤسّس جريدة بردى. أمّا من الشباب العربيّ، فقد جاء الباروديّ بأكرم زعيتر من فلسطين؛ الذي أصبح سفيراً لبلاده في الجامعة العربيّة، وكاظم الصلح من لبنان، مؤسّس حزب النداء القوميّ.
ووظّف الباروديّ مجموعة من المصوّرين داخل فلسطين، وطلب إليهم التقاط صور ضوئيّة عن تجاوزات الصهاينة في المدن والقرى، ومصادرتهم للأراضي والأملاك. كانت كلّ هذه الصور تُصبّ على طاولة الباروديّ في دمشق، فيختار من بينها الأقوى والأكثر تأثيراً ليقوم بإرسالها إلى كبرى الصحف الأميركيّة والبريطانيّة، مُرفَقة برسالة رسميّة تحمل توقيع: "مع تحيّات مكتب الباروديّ".
أسّس الباروديّ غرفة خاصّة لحفظ الخرائط السوريّة والفلسطينيّة، قبل ترسيم الحدود وبعدها، وغرفة ثانية لحفظ نسخ عن أوراق الملكيّة في فلسطين (الطابو)، التي جُمِعت، وإرسالها إلى عصبة الأمم.
وقد اشترك البارودي بمعظم الصحف المحلّيّة والعالميّة لوضعها في متناول يد الباحثين الشباب: دمشق (17 صحيفة)، حلب (5)، اللاذقيّة (2)، لبنان (24)، العراق (8)، مصر (5)، البرازيل (9)، وواحدة من كلٍّ من أنطاكيا وزحلة وحمص وزغرتا والقدس ويافا والموصل وليبيا والجزائر واليونان وإيطاليا وتشيلي.
وُزِّع العمل في مكتب البارودي على ثلاث لجان؛ الأولى اقتصاديّة، تُعنَى بالدراسات الصناعيّة والماليّة والجمركيّة، والثانية ثقافيّة، تهتمّ بالفنون والتمثيل وتشجيع المواهب الشابّة، والثالثة سياسيّة، هدفها وضع دراسات تاريخيّة ودستوريّة. في مطلع كلّ صيف، وبعد تخرّج الطالب السنويّ في الجامعة السوريّة كان مكتب الباروديّ يقيم حفل كوكتيل في مقرّه بحيّ القنوات، يجمع فيه بين المُتخرّجين الجدد وأصحاب المصانع والمصارف والشركات الكبرى، مثل الخماسيّة وشركة المغازل وبنك مرقة وبنك زلخا. كان المُتخرّج الشابّ يدخل واضعاً وردة في عروة معطفه، في إشارة إلى أنّه "يبحث عن عمل"، ثمّ يتغلغل بين أصحاب المصالح الاقتصاديّة ليُعرّف عن نفسه وعن اختصاصه. وبذلك يكون فخري البارودي صاحب أوّل مكتب "توظيف" في سورية.
جاء تمويل المكتب من التبرّعات والاشتراكات، وقام الباروديّ نفسه بدعم المشروع بأربعين ألف قرش. الفائض من مال الصندوق كان يُستعمَل لشراء هدايا باسم المكتب، مثل سيف دمشقيّ قُدِّم لسلطان باشا الأطرش، وعلم سوريّ مصنوع من الحرير، قُدِّم لرئيس الجمهوريّة هاشم الأتاسي.
وأخيراً، قام مكتب البارودي بطباعة كتاب عن تاريخ المطبخ الشاميّ، وآخر عن مؤتمر بلودان، وكتاب ثالث باسم "دليل الشرطيّ" لفخري البارودي نفسه، يحتوي على إرشادات لرجال الأمن والشرطة عن كيفيّة التعامل مع المواطنين، مع تعليمات مُصوَّرة حول تفاصيل مهنتهم كافّة، من لمعة الحذاء وصولاً إلى كيفيّة وضع المسدَّس على خاصرتهم، وقام المكتب بنشر دراسة بعنوان "كارثة فلسطين" للباروديّ، وترجم مذكّرات أدولف هتلر من الألمانيّة إلى العربيّة التي صدرت بعنوان "كفاحي".
- من كتاب "شرق الجامع الأمويّ" لسامي مروان مبيّض (دار رياض نجيب الريّس، بيروت 2016).