الفعاليّة السوريّة من وجهة نظر قسطنطين بازيلي

قسطنطين بازيلي (قنصل روسيا القيصرية في سورية وفلسطين أعوام 1839 – 1853).
1
إن ما يقرّر مصائر الشعوب والممالك ليس الحظّ في الحرب، ولا مصادفات تحظى بها المحاولات الحكومية، وإنما هو القوانين السياسية التي تفعل فعلها بالعالم كالقوانين الطبيعية الثابتة التي لا مردّ لها. وإذا ما كانت تركيا حتّى في القرن السادس عشر، وهي بعدُ في عنفوان جبروتها وروحها الوطنية، أيّام أنجب بنو عثمان رعيلاً من عباقرة السلاطين ورجالات الدولة، قد عجزت عن توطيد حكمها في سوريّا وعن جنيِ أية فائدة منها، فهل ستتمكن الآن يا تُرى من الاستعاضة بالعمل المدني عن البلبلة التي طبعت حكمها لسوريّا طوال ثلاثة قرون، فيما تركيا نفسُها أصابها الترهل، وسوريّا التي أعيدت إليها بإرادة الدول العظمى أوحشت وأثقلها الفقر؟
إننا، أمام محكمة التاريخ، لن نلقيَ على الأتراك وزر إنزال الفقر الدائم بهذه البلاد، وتدهور تجارتها وصناعتها على مدى القرون الثلاثة الأخيرة. ولكن ما من مجال للشك في أن نظام الحكم التركي كان أكثرَ ما سهَّلَ الفساد السياسي في سوريّا، وعوّدَها على حالات الغليان الداخلي المستمر، ودمَّرَ تلك العناصرَ الثمينة التي ظلّت كامنة فيها على مدى ألفي عام، أي منذ الفينيقيين وحتى الأتراك. إنها عناصرُ أفصحت عن نفسها مراراً بعد أشدّ المِحن، فكانت تتجلّى بإحياءٍ سريع لرخاء البلاد ما إن يسودها الأمن والسلام.
لقد بلغت سوريّا في عهد السلوقيين أرفع درجات تطورها. ولعلها كانت الجزءَ الأكثرَ بهاء بين جميع بقايا إمبراطورية الإسكندر البائدة. إن المجابهات مع الجارة مصر والقبائل الشمالية (الأرمن والبارثيين) لم تكفّ عن إقلاق هذه المملكة التي كانت تهزها في الحين ذاته عداواتٌ داخلية بين أحفاد سلوقس نيكاتور. وما إن التقطت سوريّا أنفاسها فيما بعد، تحت رايات النسور الرومانية، حتى غدت خلال أقل من نصف قرن الإقليمَ الأفضل والأغنى والأبهى بين أقاليم الإمبراطورية الرومانية، وراحت تنافس اليونان ذاتها على قصَب السبْق في مجال الثقافة الهيلينية التي شدّ ما كان أنصار الإسكندر سعداء إذ غرسوها في التربة السوريّة. وفي زمن خلفاء قسطنطين غدت أنطاكية عاصمةَ الشرق الثانية ومدرسةً للفلسفة المسيحية. ثمّ حلت بسوريّا مصائب جديدة تمثّلت في غزوات الفرس، لتقع بعد ذلك بأيدي الملمين. ولم يمضِ إلا نصف قرن حتى نهضت من تحت الرماد الذي يغطي مدنها، ومنحت العرب كنوزَ المعرفة اليونانية، وأدهشت العالم بفيض رخائها، وألَق الخلافة فيها، وانبعاثِ العلم. وحتى في زمن الصليبيين، بعد الصراعات الداخلية بين شطري التراث الديني والدنيوي الذي خلّفه عصر هارون الرشيد، وبعد غزوات السلاجقة الهمج، ازدهرت سوريّا من جديد، وهي محرومة من سراج العلم الذي ما أكثر ما توهَّج فيها منذ غابر الأزمان والقرون، واستمرت تزهو بتجارتها وصناعتها الفاخرة خلال فترات السلم القصيرة.

وعلى الرغم من جميع ما كان من قلاقلَ وتقلّباتٍ سادت المرحلة القاتمة التي أعقبت ذلك ودامت ثلاثة قرون، لم تتوقف التجارة والصناعة عن الازدهار في هذه البلاد التي أغدقت عليها الطبيعة بسخاء. ودليلنا على ذلك هو الثروات التي كانت تنقلها منها سفن الجمهوريات الإيطالية.

من صفحة د. نوفل نيّوف 
ملاحظة: العنوان بتصرف من قبل فينكس