مفيد خنسة.. و النقد الاحتمالي.. هل نحن أمام مدرسةٍ جديدةٍ في عالم النقد؟
فينيكس- هلال عون
من المعروف أن النقد الأدبي هو عملية تقييم وفْقَ منهج معين لاستنباط جماليات النص الأدبي، وبالتالي الحكم على مستواه.
وقد اطلع المهتمون بهذا المجال على مدارس النقد الأدبي الحديث، وأهمها:
- المدرسة النفسية، التي أسسها عالم النفس الشهير "سيجموند فرويد"، والتي توظف علم النفس في دراسة وتحليل النص الأدبي.
- المدرسة الواقعية، التي تفسر النص الأدبي انطلاقاً من اعتباره تعبيراً صادقاً عن الواقع.
- المدرسة البنيوية، وهي التي تعتمد في تحليل النص على دراسة التركيب اللغوي، وبيان أثره في تشكيل بنيانه.
وهناك مدارس أخرى كالمدرسة الرومانسية، التي تهتم بأثر الأحاسيس والمشاعر والعاطفة في تشكيل النص بشكل عفوي.
و كالمدرستين التاريخية والاجتماعية، و لكل منهما منهجها النقدي الخاص.
أما الآن فنحن أمام مدرسة أو منهج جديد في النقد، لم نسمع به من قبل، هو منهج:
" النقد الاحتمالي"، الذي أسّس له الإعلامي، الأديب، الناقد.. والشاعر، الأستاذ مفيد خنسة.. و (الذي خصَّني بنسخة منه، مشكوراً).
فما هو هذا المنهج، وما الأسس التي يقوم عليها؟
سأحاول أن أقدم قراءة مختصرة جداً في مضمون هذه النظرية، التي تضمنها الكتاب الجديد للناقد والشاعر أ. مفيد خنسة، والذي حمل عنوان: «النقد الاحتمالي».. مع التأكيد أن هذه القراءة لا تغني بأي شكل من الأشكال عن قراءة الكتاب الغني بالفلسفة والمنطق، و المُحرِّض على التفكير، والذي اعتمد فيه، بعد التقديم والتعريف بالمنهج الجديد وأُسُسه، على دراسات نقدية غنية لقصائد، مختارة من ديوان «نهر بثلاث ضفاف»، للشاعر العراقي "يحيى السماوي".
• الأسس التي يرتكز عليها المنهج الجديد:
ورد في مقدمة الكتاب:
"النقد الاحتمالي: هو منهج نقدي يعتمد الأسلوب المنطقي في توظيف شتى أنواع العلوم والمعارف لفهم العلاقات القائمة والمحتملة بين مكونات العمل الفني الإبداعي جمالياً وفكرياً، وإعادة صياغتها برؤية شمولية واستخلاص قيم معيارية".
وعن الأسس التي يرتكز عليها المنهج، فقد ذكر الأسس التالية:
أولاً - المعنى والسياق.
ثانياً - المنطق الجمالي.
ثالثاً - التوازن.
رابعاً - تقاطع الأزمنة.
خامساً - المبدأ الاحتمالي والنص الممكن.
سادساً - القيم المعيارية.
سابعاً - تمثيل النص .
وهناك أيضا مجموعة من المصطلحات الخاصة بالمنهج، وهي التي سيستخدمها الناقد الذي سيعتمد هذا المنهج في تحليل النص.. ومن تلك المصطلحات:
( مركز توازن القصيدة- نقطة التوازن- الفرع الرئيسي- الشعبة الرئيسية- الصورة، أحادية وثنائية البعد، وثلاثية الأبعاد - الصورة الحرة - الكلمة المنوالية - المسار التقاطعي.... الخ).
• المنطق الجمالي:
تحت العنوان السابق يقول المؤلف: "إن منهج النقد الاحتمالي ينطلق من اعتبار القصيدة الشعرية تشكّل شبكة من العلاقات المتكاملة بين الالفاظ وتعدُّد احتمالات توظيفها في سياقات الجمل والتراكيب..... وتحتاج إلى أسلوب خاص في التفكير لفهمها وتوضيحها، وقد ساعدني المنطق الرياضي الفلسفي.... في بناء هذا المنهج"
• المبدأ الاحتمالي والنص الممكن:
تحت هذا العنوان يتحدث المؤلف عن صعوبة أو استحالة "البحث في حدوس الشاعر (جمع حدس) عند إنتاج القصيدة" مرجعا السبب إلى "خصوصية، يصعب على النقد اقتحامها، خاصة في القصيدة الشعرية المعاصرة، التي غالباً ما تكون ذات موضوعات متعددة".
ولكنه مع ما سبق ذكره يرى أنه "يمكن استقراء آلية إنتاج القصيدة وبنائها من حيث الأدوات والأسلوب والتكنيك والآلية... خاصة لدى الناقد الشاعر" لأنه، بالاضافة إلى امتلاكه أدوات النقد، فهو يعيش التجربة ذاتها.
ويرى المؤلف أن السؤال: "كيف ينتج الشاعرُ المعنى باللغة، هو سؤال مشروع، لكن الخوض فيه لا يخلو من التدخل في الحرية الشخصية للمبدع...".
و رغم الاعتراف بالصعوبة فإن المؤلف يعرض كيف يمكن لمنهجه الجديد (النقد الاحتمالي) أن يقوم بهذه المهمّة شبه المستحيلة، ويتحدث عن أن النص حين يختمر في ذهن الشاعر، "يكون بذلك تحددت النواة المركزية للقصيدة". وهو ما يطلق علية، وفق النقد الاحتمالي (مركز التوازن) "الذي يمثل بؤرة انبثاق القصيدة ومركز انطلاق أشعتها".. وفي تلك الأثناء، و بعدها يتم استحضار القاموس الشعري والمخزون اللغوي للشاعر لينتقي منه ما يريد وليرتب الكلمات والجمل التي تصنع الصور وفق درجة عبقريته..
ويطرح مثالا جميلا من شعر، الشاعر العربي السوري الكبير "نزار قباني":
{لي غرفة في دروب الغيم نائية على شىريط ندى تطفو وتنزلق}.
يرى المؤلف في قراءته "الاحتمالية" لبيت الشعر السابق أن مشهد الغيم، إما أن يكون متخيَّلا اثناء كتابة الشاعر القصيدة، أو أنه تم استحضاره من ذاكرة الشاعر لمشهد حسي كان قد رآه من قبل، أو أنه استجابة لمشهد حسي مباشر.
ويقول: "هذا استقراء احتمالي بقطع النظر عما كان عليه الأمر في الواقع". ثم يقوم بعد ذلك بتفكيك البيت إلى المفردات التي تَشكّل منها بيت الشعر، للوصول إلى نتيجة يطرحها بطريقة التساؤل، فيقول:
" إن مفردات بيت الشعر كانت قد عُرضت مع غيرها على ذهن الشاعر فانتقى هذه المفردات، وكان من الممكن أن يختار غيرها... أي أن إمكانية تعدد التركيب واردة، بدليل امكانية استبدال المفردات بأخرى مرادفة.."
كل ما سبق -بحسب المؤلف- هدفه محاولة الاستقصاء لفهم كيفية بناء القصيدة الشعرية.
أما اختيار ألفاظ محددة دون سواها فهذا أمر يعود لأسباب متعددة، تخضع لبيئة الشاعر وثقافته، ومخزونه اللغوي، و درجة موهبته التي تميزه عن سواه.
ويتابع المؤلف قراء بيت الشعر السابق وفق منهجه النقدي الجديد معتمداً الأسس التي يقوم عليها المنهج، والتي تم ذكر بعضها في بداية هذه المقالة.
[هبوط إينانا]
بطريقة دقيقة وشاملة يقوم المؤلف بتطبيق منهجه عملياً على مجموعة من قصائد الشعر، أختار من تلك القصائد ما يلي من قصيدة الشاعر العراقي « يحيى السماوي»:
شقّتْ ظلامَ الليل إينانا
فأيقظت المرايا
ألبستني بردةَ الفرح المؤجّلَ
منذ عام الهجرة الأولى
عن الماء الفرات
و سيّد الشجر النخيل. وعن السماوة
و الظباء الفاتناتِ
إذا نظرن إلى الغزالِ أسرنه بمصائد الطرف الكحيلْ
.....
.....
ميلاد إينانا
البعيدةِ بُعدَ قلبي عن يدي
ميلادي المكاوب في اللوح المقرر قبل يوم ولادتي
و غوايتي في نشر أشرعة الرحيلْ
إصعد إليها - قال هدهدها -
لتعبث من جديد عاشقا...
طفلاً رضيع اللثم..
مشبوباً فتى..
فاهنأ بفردوس الملاك السومرية
أيها الشيخ الجليلْ
....
....
فأنا بشغل عن هموم الأمس
أقطف ما أشاء من القطوف الدانيات
فحيث ملتُ إلى يديّ قطوف إينانا تميل.
أخيراً، تجدر الإشارة إلى أن المؤلف يرى أن هذا المنهج يصلح للتطبيق في مختلف أنواع الفنون، مع الاعتراف بأن كل فن يحتاج إلى مصطلحات خاصة في تطبيق المنهج.
أما في مجال الشعر فإن هذا المنهج يرتكز على الأسس التالية:
(المعنى والسياق- المنطق الجمالي- التوازن- نقاطع الأزمنة- المعنى الاحتمالي والنص الممكن- القيم المعيارية- تمثيل النص شجرياً أو دائرياً).