هذا الشعر.. ذاك الوهم
جهاد عطا نعيسة:
بعضٌ ممن يعمل في الحقل النقدي، وربما من المجيدين في هذا الحقل، يصرّون على كتابة قصائد نثر مفتعَلَة ومتحذلقة وثقيلة الوطأة على نحوٍ لا يُطاق، واهمين أن الدرب ميسور لإبداعهم الشعري، كما كان ميسوراً لهم في عملهم النقدي. وأظن أن الحقيقة مغايرة لمثل هذا الوهم جملةً وتفصيلا؛ً فهذا شأن وذاك شأن آخر تماماً.
و ليس بعيداً عن هذا عمل بعض القادة السياسيين على هذا الصعيدْ، وتقدير الكثير من أتباعهم أفراداً ومؤسساتٍ لنتاجهم الشعري (قصائد "ماوتسي تونغ" وهوشي منه مثلاً"، أما قصائد "ماركس" في "أوجيني" الحبيبة والزوجة بعدها، فهي خارجة عن هذا الاستطراد بغير شك) على الرغم من أن هؤلاء قد يكونون أقل وهماً شعرياً من نقادنا الأعزاء الذين ابتدأنا بهم القول.
الوهم الأكبر على صعيد الإبداع الشعري -المنثور على نحو خاص- هو تجارب غير قليل من حاملي الشهادات الأكاديمية العليا في قضايا النقد الأدبي.. وحينها، حدٍث ولا حرج عن جبال الوهم الذي يشيّده هؤلاء وهم يتصاغرون ويتواضعون ادعاءً في تنافجٍ فاضحٍ وفج، قبل أن ينهالوا عليكَ بفيض عبقريتهم الشعرية الأكاديمية جداً. وقصائدهم بالغة القصدية والتعمّل.. وهل ننسى بنيويَ السبعينيات السوري الشهير القادم من فرنسا مع رياح الهبة البنيوية الفرنسية المتأخرة نسبياً لدينا مفسِّراً ومنظِّرا وداعيةً لا يُشَقُّ له غبار، وقصائده المنشورة بكثافة في تلك الحقبة في الصحافة السورية، تلك التي لم تستطع أن تفوز يوما ًبإعجاب قارئٍ واحدٍ متمكن ونزيه. ناهيك عن الإملال ودرجة التمحّل غير المحتمل فيها التي كانت قادرة فقط على إثارة السخرية والتهكم لدى مثل هذا القارئ.
الشعر الحقيقي يجب أن يرجّ كيان قارئه المتمكن، وهذا لا يكون بافتعال القضايا واللغة والمجاز، ولا بدرجة الغور عميقاً في مسائل إشكالية أو متوهَّمَة الإشكالية، بل قد يكون في قضايا تتكامل فيها بساطة الأداء مع عمق المعنى وقوة تأثيره. مثل هذه البساطة البليغة ليست قليلة و ممتنعة فحسب، بل في حكم المستحيلة البلوغ أيضاً، إن جئتَ الحقيقة.
أظن، وفي الظن بعض الإثم أحيانا أن قصيدة النثر لا صلة حقيقية لها بقصيدة العمود الشعري أو التفعيلة ولا بقوافيهما أو عوالمهما -كما إن الإغراب ولا سيما في بنيتها المجازية هو أمر يدعو للاستهجان أكثر بكثير مما يدعو للإعجاب- إنها خَلْقٌ مغاير إن لم نقل "مضاد" لكل ذلكٌ، ومصدرُ شعريتها شديد البعد عن مصادر شعرية "ذلك"؛ الشعرية فيها هي تكثيفٌ إنساني حصيف عميق وبليغ للحظة.. لقضية.. لموقف.. لإحساس.لتجربة... إلخ. وفي هذا التكثيف تتراجع شاعرية اللغة لصالح شعرية الموقف المستند إلى الدور الوظيفي للغة بوصفها الأداة الأنسب والأكثر مقدرة على النقل الأمين لهذا الموقف.
" أكثِر من النثر في قصائدك النثرية يا صديقي..."
هذا ما يتوجه به ناقد مهم لشاعر قصيدة نثرٍ مهم أيضا، وقد يكون هذا هو بيت القصيد في كل ما تقدمً، فكما أن مربط خيل القصة القصيرة هو اللحظة أو الحدث أو الموقف المشحون الذي قد يستطيع أن يعبر عن عصرٍ بكامله، فإن مربط خيل قصيدة النثر الأهم هو ما نقع عليه من نثر الحياة الذي يستطيع أن يتدفق شعريةً وقوة تأثير، على نحوٍ ينتزع منا هدوءنا وطمأنينتنا واستسلامنا ويضرب عميقاً وبعيداً في أعمق أعماقنا، فنهتف رغما عنا
ما أروع وما أجمل....!
قادتني المصادفة "الزرقاء" إلى قراءة بعض المقطوعات الشعرية التي يتناول كثير منها الحدث السوري بحساسية و رهافة إنسانية لا أعتقد أني وقعت على ما يضاهيها لدى آخرين. إنها بعض من قصائد الشاعر السوري الحمصي المهاجر أنور عمران في ديوانه "أسند ظهري إلى الرياح" المنشور في مصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب" ٢٠١٧م. هذا الشاعر الشاب المتواضع قليل الثرثرة والادعاء قد يكون بمقدوره أن يكون يوماً،ً إن لم يكن منذ الآن أحدَ أبرز العلامات المضيئة في تاريخ قصيدة النثر منذ ميلادها البعيد/ القريب حتى هذه اللحظة.
لست أعرف عن هذا الشاعر سوى شعره وأي شعر...!
لذا فإني أتمنى أن نقرأه، على الأقل في صفحته الزرقاء المفتوحة دائماً. وحينها سيكون لنا حديث لاحق آخر.