المثقف بين تناقضات الواقع ومطالبه المثالية
أحمد غانم- فينكس:
لعل المثقف في المجتمعات المتخلفة كمجتمعنا يعيش صراع الانفصام بين مطالبه المثالية والواقع المزري. وأجزم أنه لا يوجد مثقف حقيقي يخلو عالمه من الكذب والوهم. فهو في كل نشاطه الفكري يهدف إلى خلق مجتمع لا يخلو من مثالية. وهو لا يستطيع أن يتنكر لمثل هذه الأهداف والغايات التي تقررها المبادئ التي انطلق منها ناظراً إلى نفسه على أنه عامل تنوير وحامل لواء التغيير. ولكنه في أضعف الحالات يطمح إلى التقدير من جهة و إلى تأمين أسباب العيش التي تؤمن له حياة كريمة. وبعضهم يطمع بموقع فاعل في السلطة وموقع القرار. ولهذا نجد المثقفين في هذه المجتمعات يعانون من صداع وتناقض يصل بهم إلى حد الانفصام. فالمثقف يتناقض مع نفسه حين يظن أنه قادر على التغيير.
كما يتناقض مع نفسه حين يطمع بسلطة من أي نوع في المجتمع.
ويصاب باليأس حين يكتشف أنه ينفخ في قربة مثقوبة.
كما يصاب بالإحباط حين يجد أن التفاهة تسود المجتمع الذي هو منه ويتوجه إليه. و إن كل جهوده تقابل بالتجاهل والنكران من قبل من يعمل لأجلهم ويتم تهميشه عمداً أو لجهل من السلطات القائمة والجهات الفاعلة في المجتمع.
ويصل إلى حد القنوط حين يعجز عن تأمين أسباب الحياة في حدودها الدنيا. فينقلب في الكثير من الأحيان على مبادئه ذاتها ويشعر بسخافة سلوكه. وخاصة حين يرى التفاهة المسيطرة وقد حصدت كل جوائز التفوق في نظر من يفكر لأجلهم. وقد عبّر توفيق الحكيم ذات مرة عن بعض ما أشرنا إليه حين قال: إن لاعب كرة بقدمه يتقاضى أكثر مما تقاضاه جميع المثقفين من إخناتون حتى يومنا هذا!
فالمثقف يعيش حالة وهم التغيير. والكذب على الذات في أنه يهدف إلى مجتمع مثالي حين يسعى وراء المغانم والسلطة.
كما يعيش ألم التهميش والتجاهل والإحساس بعدم الجدوى.
ولا يستطيع تجاوز التوتر وتحقيق التوازن النفسي حين يتنكر لمبادئه ويتنازل عن مطالبه ويقول: "فخار يكسر بعضه". ليجد نفسه أخيراً أنه خائن لتلك المثل وعاجز عن التقاط أسباب العيش إذ تأخر عن موسم الحصاد وتوزيع الغنائم.
ومع ذلك نجد أن بعضهم حصل على بعض الفتات من موائد وسخة ومشبوهة وانتهى الى قطيعة مع رسالته الأولى.
ولن يكون بحال أفضل حين يخون عقله وضميره ويصمت.
وفي جميع الحالات لا يحسد على خياراته وما آل إليه.