الأديب الشاعر "عبد اللطيف محرز".. شعر اللفظة المترفة

شاعر تمتع شعره العمودي بالصور الجميلة، وبالحداثة مترفة الألفاظ، فالبيئة الطيبة ودراسة التاريخ أغنت مفرداته وأعطته الأفق ليبحر به فيصيغهما شعراً.
الشاعر "عبد اللطيف محرز" الذي ولد عام /1932/ في قرية "بيت ناعسة" التابعة لمدينة "صافيتا" في حوار شامل ضمن مختلف جوانب حياته الأدبية والاجتماعية.
ولدت في قرية "بيت ناعسة" هذه القرية الجبلية الجميلة التي تحيط بها احراج السنديان والزيتون ويسير إلى جانبها نهر "الأبرش". ففي هذه البيئة الجميلة الرائعة نشأت وترعرعت، وأنهيت دراستي الابتدائية والإعدادية في مدينة "صافيتا" التي كنت أقصدها سيراً على الأقدام لحوالي خمسة كيلومترات. انتسبت إلى دار المعلمين في "حلب" ومن ثم إلى الجامعة، وأصبحت مدرساً للمرحلة الثانوية، وخلال هذه الفترة عملت في مجال السياسية والأدب والمجتمع
والبداية كانت في حديثه عن البيئة التي نشأ منها ومراحل حياته بخطوطها العريضة، حيث قال: «ولدت في قرية "بيت ناعسة" هذه القرية الجبلية الجميلة التي تحيط بها احراج السنديان والزيتون ويسير إلى جانبها نهر "الأبرش".
ففي هذه البيئة الجميلة الرائعة نشأت وترعرعت، وأنهيت دراستي الابتدائية والإعدادية في مدينة "صافيتا" التي كنت أقصدها سيراً على الأقدام لحوالي خمسة كيلومترات.
انتسبت إلى دار المعلمين في "حلب" ومن ثم إلى الجامعة، وأصبحت مدرس للمرحلة الثانوية، وخلال هذه الفترة عملت في مجال السياسية والأدب والمجتمع».
* متى بدأت بكتابة الشعر؟
** كتبت الشعر والأدب من حوالي خمسين عاما في المرحلة الابتدائية، نتيجة للبيئة التي نشأت فيها وجمالها في نظري وتأثيرها بنفسي، حيث حملت هذه البيئة في قلبي كقارورة عطر، وكان شعري الأول يهتم بالطبيعة، وكان ديواني الاول بعنوان "العصفور الاخضر"، فقصدت به قلب الشاعر الذي يرشده إلى حبه للطبيعة، فهو ذاكرتي الأولى، وتجسيدي للبيئة التي نشأت فيها.
** بشكل عام أنا أكتب الشعر العمودي وبعضاً من شعر التفعيلة أحياناً، ومن قرأ شعري قال إنه شعر عمودي بأسلوب الحداثة، حيث إني اهتم بالصور المنتقاة بكل براعة، فالشعر هو الصور الجميلة التي توصل الفكرة، إضافة إلى المفردات المختارة بكل عناية، والتي تشعر القارئ بالمتعة ويشعر من خلالها بلذة العقل.
هناك قول يقول إنه يجب على الشاعر كتابة الشعر بعواطفه، ولا يكترث للتفكير بالمفردات وانتقائها، وبالنسبة لي أنا أهتم بالأفكار وأهتم جداً بتوصيلها للقارئ بأسلوب فني بسيط جميل، فغايتي منها النهوض بالإنسان:
غسلت في لمعة الأحلام أحزاني/ وفي شموخ الذرا غمَست أجفاني
وطار بي جانحا عقل وعاطفة/ إلى متاهات أكوانٍ وأكوان
وجزت كل فضاء لاح في خلدي/ حتى زرعت بباب الله عنواني
وعدت أحمل سر النحل مجتنياً/ ازهار كل رسالات وأديان
سراً سيبقى مدى الأيام باصرتي/ ونبض فكري وإحساسي وإيماني
لا يطلعنّ على الدنيا سعادتها/ إلا محبة إنسان لإنسان..
فما يهمني في الشعر أن يلتقي الإنسان مع اخيه الإنسان بإنسانيته، وأن ينهضا بالمجتمع وحريته وتطوره وفق ذات الرؤى الإنسانية التي أرشدنا إليها الله. لقد قدم لي الشعر الكثير من العواطف والأفكار والنور لطريق سرت فيه حتى تمكنت من صياغة حياتي الذاتية الاجتماعية والبيئية في نفحات شعرية.
ماذا قدمت في الشعر غير الدواوين الشعرية؟
** لم أكتف في كتابة الشعر، بل اطلعت على الكثير من الدراسات الشعرية، ما دفعني لكتابة أربعة دراسات شعرية منها "الإنسان في ظلال القرآن" والتي أنتجتها البيئة الدينية المتحررة التي ترعرعت بها، وكانت هذه الدراسة رسالة إلى أصدقائي التقدميين لعدم ترك الدين، فهو حمال أوجه، يمكن أن يكون للنهوض بالمجتمع وتطوره، ويمكن أن يكون لتدميره وتعصبه وتشدده، كما حدث مع الجماعات التكفيرية.
أما الدراسة الثانية فكانت عن الشاعر المرحوم "نديم محمد"، وهي بعنوان "حياة في مقتطفات"، حيث كان من حسن حظي أن الشاعر المرحوم أرخ حياته الأدبية والاجتماعية وفق تسلسل زمني رائع منذ أن بدأ بكتابة الشعر عام /1923/ وحتى عام /1984/، ما ساعدني في دراستي.
أنا شخصياً اعتبر أن "بدوي الجبل" شاعر العرب في هذا العصر، أما "المتنبي" فهو شاعرهم في القرن العاشر، لذلك صنعت مقارنة شعرية بين الاثنين وفق دراسة في أجمل أشعارهم.
ما أهمية نشر الدواوين الشعرية بالنسبة للكاتب أو الشاعر؟
** الديوان الشعري كالولد الذي يأتي من صلب الرجل، لذلك عندما دخلت البرلمان حصلت على رخصة سيارة، ولم يكن بمقدوري شراؤها في تلك الفترة، فعمدت إلى بيعها وتوزيع مالها على أولادي الأربعة، وخصصت جزءا لطباعة دواويني، أي إني عدلت بين أولاد جسدي وأولاد فكري، وهذا حق وواجب عليّ.
كيف عملت على تطوير أدواتك الفكرية والشعرية؟
** لقد تطورت أدواتي ومفرداتي الشعرية وصوري التعبيرية والعمق الإنساني فيها، وظهر هذا جلياً في دواويني الأخيرة، وذلك نتيجة لعمق التجربة، فالتجارب التي يمر بها الإنسان يجب أن تكون مدرسة له، إضافة إلى اللقاءات مع الأصدقاء والحوارات الثقافية والأدبية والتي بدورها تنضجك فكرياً وثقافياً، وتجعلك مهتم بالمطالعة ومتعطش لها، ما يؤدي إلى صقل الأفكار، فديواني الأول "العصفور الأخضر" تجد فيه الرقة والنعومة، أما بقية دواويني فتجد فيها العقل والفكر الناضج والسلاسة في توضيح الأفكار بعمقها. وهذا ما دفعني للتوجه لشعر الحداثة وفق اللفظة والصورة الفنية الجميلة، وذلك خلافاً لبعض الأفكار التي تقول إن الوزن أهم ما في الشعر العمودي، وحاولت أن أهتم باللفظة، وحاولت اقتناص الصورة، وحاولت أن يكون أسلوبي جيد وممتاز.
* متى تكتب الشعر؟
** أكتب الشعر في هدوء تام بعيداً عن ضوضاء الحياة، ولكن وفق رؤى مجتمعية للواقع المعاش وبكل شفافية، فديواني الذي أرخت بالمفردات الشعرية سيرتي الذاتية لم يكن خاص بي بمعنى الخاص، وإنما هو صورة المجتمع والبيئة التي عشت فيها، وبكل واقعية بعيداً عن الأحلام، فأنا أرى الحلم أفق لا يمكن بلوغه ليبقى الطموح ومحبة الحياة.
ما رأيك بالجدلية القائمة بين الشعر العمودي والشعر الموزون؟
** في الحقيقة يجب أن يكون الشعر انعكاس للواقع، ولكن ليس انعكاس ميكانيكي، وبذات الوقت يجب ألا يتماهى مع الواقع فالواقع شيء جامد مادي، فلا يجب أن ينقل الواقع صورة طبق الاصل كالمصور الذي يلتقط بعدسته الفوتوغرافية صورة للطبيعة بكل تفاصيلها واقعيتها، على العكس يجب أن يُلبس الشاعر تفاصيله الشعرية شيئاً من العاطفة الإنسانية والحكمة الواقعية بروحها البسيطة.
أنت مدرس تاريخ، فكيف كتبت التاريخ شعراً؟
** لم أبتعد كثيراً عن اختصاص تدريسي في كتابة شعري، فالمخزون الفكري من التاريخ العربي القديم والحديث والمعاصر صغته في ديوان بعنوان "أناشيد البحر" وتحدثت فيه عن المراحل والحقب التاريخية منذ بداية البشرية وحتى نهوضها إلى الحضارات اليونانية والعربية وصولاً إلى وقتنا الحاضر. إضافة إلى ديوان آخر بعنوان "أناشيد الحق" وهو يتحدث عن التاريخ الاسلامي منذ عهد الأئمة ضمن محور أساسي "علي بن ابي طالب" عليه السلام. والديوانين هما قراءات تاريخية برؤى شعرية ناضجة، وهي خطوة متقدمة ناتجة عن تمازج فكري وإنساني.
وفي لقاء مع الشاعر "محي الدين محمد" حدثنا عن الطبيعة الشعرية والصورة والمفردات التي يكتب بها الشاعر "عبد اللطيف محرز"، حيث قال: «الشاعر "عبد اللطيف" شاعر بين لغتين، لغة الخوف على مصير من يعيش بجوارهم، ولغة المقاومة الشديدة لأعداء الحياة اياً كان طريقهم.

فصوره الشعرية لا تحتاج إلى الوقوف طويلاً عندها، أو الغموض الذي يرافق بعض الشعراء، فقد عرف من خلالها الاوجاع العامة التي تعتري المجتمع الذي يعيش فيه، وهي سمه في شعره كبقية شعراء الرومانس الذين وقفوا مع الطبيعة هرباً من الواقع المهزوم، إضافة إلى أنه امتاز بسلاسة اللغة ودفئها وبساطة حروفها، وكذلك البعد عن التكلف والغموض والسطحية المجانية».

نورس علي
مدونة وطن