حلب.. دونَ وليد!
أُبي حسن- فينكس:
يتيمة هيَ حلب، فعلاً يتيمة هيَ حلب دونَ "وليد إخلاصي" (1935- 2022) الذي فقدناهُ أمس (19) شباط 2022، هذا لِسانُ حالِ الشارعِ الثقافيّ في "حلب" خاصّة، و في سوريا عامّة..
لم يكُن "وليد إخلاصي" الذي فقدَتهُ "سوريا" أمس مُثقّفاً فحسب، بل كانَ أحدَ صُنّاعِ الثقافة، فعلى صعيدِ المسرح (مِثالاً لا حصراً) أسهمَ في تأسيسِ مسرحِ "الشّعب" و المسرح "القوميّ" ناهيك عمّا كتبه من مسرحيات، كما كانَ لهُ الدورُ الكبير في تأسيسِ "النادي السينمائيّ" في حلب الشهباء.
ولم يكُن كاتِباً كبيراً في هذا الجنسِ الأدبيّ أو ذاكَ فقط، بل كانت مواهبهُ الأدبيّة بُستاناً عامراً تجاوزَ عددُ أشجارهِ الأربعينَ شجرةً مُثمِرة، مِن مُختلفِ الفواكهِ الأدبيّة، فتجِدُ فيهِ (القصّةَ والرواية، و المسرح، و الشعر، و الدراسة، و السيرة الذاتية.. الخ)، و ليسَ عجباً أن تجدَ الكثيرَ من أعمالهِ قد تُرجِمَت إلى الكثيرِ منَ اللغاتِ الحيّة.
صدقَ الأديب "وحيد كبابة" عندما قالَ في تجربةِ الراحل الكبير: "تتنوّعُ الأعمالُ السرديّة والدراميّة لوليد إخلاصي، وتتَّسِع لمُختلفِ الأنواعِ والأنماط، وهوَ في كلِّ نوعٍ منها ينطلقُ من تجربةٍ مُتجدّدة ومُلتحمة بهُمومِ الإنسانِ العربيّ، تجربتهُ تتميّزُ بالجمعِ بين الواقعيّ والغرائبيّ، كما بينَ اليوميّ والتاريخيّ، وقد قدّمَ كلَّ ذلكَ بصورةٍ إبداعيّةٍ مُنفتحة ومُتجدّدة باطّراد.".
و الأهمّ من كلّ ما سبق أنَّ "وليد" كانَ إنساناً كبيراً دونَ تكبُّر، مُتواضِعاً من غيرِ ضعة، منَ الصَّعب أن يتكرّرَ أمثالهُ ببساطة..
نعم، "كم ستكونُ -حلب- يتيمةً ووحيدة دونَ ابنِها الأعزّ "وليد إخلاصي" كما ذكرتَ يا أُستاذَنا "محمد أبو معتوق" في إحدى آهاتِكَ لغيابِ "وليد..".
لم يكُن "وليد إخلاصي" صديقي بالمعنى الشائع لكلمةِ صداقة، لكنّهُ بلُطفهِ اللامحدود، و أدبهِ الجمّ، و دماثةِ أخلاقه كانَ يُشعرُني أنَّنا أكثرُ مِن أصدقاء، على الرغمِ من قلّةِ لقاءاتِنا، وفَقرِ تواصُلِنا. ولَعمري إن دلّ هذا على شيء فإنّهُ يدلّ على كم كانَ "وليد إخلاصي" كبيراً كبيراً، ونبيلاً من غيرِ تصنُّع، كان إنساناً حقيقيّاً يدخلُ القلبَ و العقل كالنّسيمِ العليل..
في إحدى لقاءاتي به في مكتب مجلة "الحياة المسرحيّة" عام /2001/، وكانَ حينها رئيسُ تحريرها الدكتور "نبيل الحفّار" (لهُ التحيّة حيثُ هوَ في غُربته)، سألهُ الأخير: "وليد، كم صارَ عددُ كُتُبِك؟"، فأجابه: (41) كِتاباً.
وفي لقاءٍ آخر جمعني به في عام /2001/، تحدّثنا عمّا سُمّيَ في تلكَ الفترة بـ "ربيع دمشق"، ولم يكُن الأديب الكبير منَ المُعجَبينَ به، و ذكرَ لي يومَها أنُّهُ قالَ للدكتور "عارف دليلة" بشيءٍ منَ العتب (فهمتُ أنَّهُما صديقان)، و كانً "د. دليلة" من ناشطي تلكٍ المرحلة: "إلى أينَ أنتُم ذاهبون؟"، و أضافَ "إخلاصي" لي: "إنَّ قراءتهم - جماعة ما سُمّيَ بربيع دمشق- لِما يجري لا تخلو منَ السطحيّة".
كم كانت وجهةُ نظر "وليد" صائبة و دقيقة في ذلكَ الوقتِ المُبكِرِ من ولادةِ ذاكَ الربيعِ المزعوم! و كم كانَ صادقاً معَ نفسهِ و معَ الآخرين عندما يُبدي رأيهُ في هذهِ المسألة أو تلك!
من حقَّ "حلب" أن تشعُرَ باليُتم، لا بل من حقَّ مُثقّفي سوريا قاطبةً أن يشعروا بالفَقد، فمن غابَ بالأمس لم يكُن شخصاً عابراً أو عاديّاً، لا بنتاجهِ و لا مواقفهِ التي لم تضلَّ البوصلة في أيٍّ منها.
اتصلتُ بوليد إخلاصي أكثرَ من مرّة خلالَ الحرب بمنزلهِ في "حلب"، بُغيةَ الاطمئنانِ على صحّته، وفي إحداها طلبتُ منهُ الكتابة في بعضِ الأمور، لكنَّ آثارَ الشيخوخة كانت تبدو عليه من خلالِ ضَعفِ سمعهِ وفقَ ما استشفيت، فامتنعتُ عنِ الطلبِ لاحقاً، و بقيتُ أتقصّى أخباره، فقيلً لي إنّهُ - في إحدى محطّاتِ الحرب- عندَ ابنهِ في "جيبوتي".
"وليد إخلاصي"، مِن حقّنا أن نشعُرَ باليُتمِ لغيابِك، ومن حقّكَ علينا أن نُحدّثَ الأجيالَ عنك، فضلاً وأدباً وحُضوراً كانَ مُشِعّاً..
لروحكَ السلام حيثُ أنت في سفرِ الخُلود...