فنُّ الرواية.. فنٌّ تجريبيّ بامتياز

 

معين العماطوري- السويداء- فينكس

تُشكّل الرواية العربيّة عامّة، والسوريّة خاصّة عاملَ جذبٍ للعديدِ منَ النقّادِ والدارسينَ في تطوّرِ حركتها، وذلكَ بهدفين؛ الأول إيجادُ نظريّةٍ نقديّة عربيّة، والثاني تطويرُ الرواية العربيّة عبرَ التجريب. وهناكَ دراساتٌ وبُحوث في العناصر الفنيّة للرواية منذُ القرن (١٨) إلى يومِنا هذا، ولكلِّ ناقدٍ رؤيتهُ وثقافتُهُ في تحوّلاتِ السردِ الروائيّ "التجريب".

حولَ "التجريب في الرواية العربيّة" يؤكّد الباحث "اسماعيل الملحم" عضو اتّحاد الكتّاب العرب لمنصّة "فينكس" بتاريخ (27) كانون الثاني /2022/ أنَّ تناولَ التجريب في الرواية السوريّة يكونُ عبرَ ثلاثةِ مُستويات، مِنها ابتكارُ  اسماعيل الملحم عوالِمَ مُتخيّلة جديدة لا تعرفُها الحياة العامّة، ولم تتداولها السرديّات السابقة معَ تخليقِ مَنطقِها الداخليّ وبلورةِ جماليّاتها الخاصّة. أيضاً توظيفُ تقنيّاتٍ فنيّة مُحدثة لم يسبِق استخدامُها في هذا  النوعِ الأدبيّ، معَ مُلاحظةِ أنَّ وجودَ بعضِها في ثقافاتٍ أخرى لا يسلبُ منها الطابعَ التجريبيّ للمُغامرة الروائيّة، كذلكَ اكتشافُ مُستوياتٍ لُغويّة في التعبير تتجاوزُ نطاقَ المألوف في الإبداعِ  السائد، ويجري ذلكَ عبرَ شبكةٍ منَ (التعالُقات) النصّيّة التي تتراسل معَ توظيفِ لغةِ التراث السرديّ أو الشعريّ، أو اللهجات الدارجة، أو أنواع الخِطاب الأُخرى، لتحقيقِ درجاتٍ مُختلفة من  شعريّةِ السّرد.

وهٌنا لا بدَّ منَ الإشارة إلى أنَّ النزعة التجريبيّة في الرواية السوريّة لم تكُن مُرتهنةً بزمنٍ مُعيّن أو بجيلٍ روائيّ مُحدَّد.

وأوضحَ الناقد "محمد طربيه" عضو اتّحاد الكتّاب العرب، وعضو جمعيّة النقد في اتّحاد الكتّاب العرب لمنصّة "فينكس" أنَّ دراسةَ "التجريب في الرواية العربيّة" يأتي ضمنَ سياقِ الدراسات النقديّة الجديرة بالقراءة، إذ ينطوي العملُ فيهِ على قراءاتٍ مرجعيّة عديدة يتمُّ فيها تناولُ أعمالِ روائيّينَ لهُم الحضورُ الثقافيّ على السّاحةِ الأدبيّة عامّة، والروائيّة خاصّة، وأفكار وتجارِب، ذلك أنَّ الرواية كفنّ هيَ منَ الأجناسِ القابِلة للتجريب بشكلٍ كبير، فيهِ الغرائبُ والعجائب، والمُتخيَّل، والسّرد، ومُقوّمات العمل السرديّ المُتميّز.

وكانَ الراحل "محمد رضوان" صاحب كِتاب "التجريب وتحوّلات السرد في الرواية العربيّة" قد ذكرَ ضمنَ مفهومِ التجريب أنَّ "آلان روب غرييه" يُشير من أجلِ روايةٍ جديدة إلى أنَّ "قوّةَ الروائيّ هيَ في أن يخلقَ في كلِّ حريّة ومن دونِ نموذج"، وهذهِ العبارة تؤسّس للمبادئ التي يقومُ عليها مفهومُ التجريب الروائيّ، فالتجريب قرينُ الإبداع، لأنّهُ ينهض على ابتكارِ طرائقَ وأساليبَ جديدة في أنماطِ التعبير الفنّيّ المُختلفة، إذ هوَ جوهرُ الإبداعِ وحقيقتهُ حينَ يتجاوزُ المألوف، ويُغامر في قلبِ المُستقبل، متوغّلاً في المجهول. إنّهُ فنٌّ قائمٌ بذاته، دائمُ التحوّلِ والتجاوز، يخترقُ مسارَهُ ضدَّ التيّاراتِ السائدة بصُعوبةٍ شديدة، ونادراً ما يظفر بقبولِ المُتلقّينَ دُفعةً واحدة، إذ يُثيرُ توجُّسَهُم، ويُحرّك خيالَهُم ورغبتَهُم في التجديد باستثمارِ ما يُسمّى "جماليات الاختلاف".

وفنُّ الرواية هوَ في مُحصّلتهِ فنٌّ تجريبيّ بامتياز كامنٌ في ديناميكيّةِ الخلق ذاتِها، ينهض على مُغامرةِ التداخُل بينَ أنواعِ السّرد، مُغادِراً أطلالَ السّرد الكلاسيكي.

وفي هذا السياق ليسَ بوسعِنا الآن أن نرسمَ خارطةَ تحوّلاتِ هذا التيّار التجريبيّ في جميعِ المراحل، لأنَّ طرفاً منه سُرعانَ ما يندثر، وطرفاً منه سُرعانَ ما يُنشَر ليدخُلَ بدورهِ في نسيجِ التقاليدِ المُستقرّة، معَ الإشارة إلى أنَّ الرواية التجريبيّة ليست أسيرةَ مَذهبٍ أدبيّ أو تيّار أو مُصطلح، بل هيَ مُناخ مُقيم، وهاجسٌ يحضرُ بكلِّ ألقهِ في ذاتِ الكاتبِ الإبداعيّة.

كما يُشيرُ الناقد "رضوان" في مُنجَزهِ النقديّ "التجريب وتحوّلات السرد في الرواية العربيّة" إلى أنَّ الرواية كفنٌ لا ينقطعُ عنِ التجريب، لأنَّها ذاتُ حرّيّة، وهيَ تؤسّسُ لقوانينَ ذاتيّة، وتنظّر لسُلطة الخيال، وتتبنّى قانونَ التجاوز المُستمرّ الذي ينهضُ على مجموعةٍ منَ الخَياراتِ الواعية المُتعمَّدة التي تُقلقلُ طمأنينةَ القارئِ المُعتادِ على الحبكة التقليديّة، والشخصيّات الواقعيّة، لكنَّها تقومُ قبلَ كلّ شيء على التجريب. ولذلكَ فهيَ ترفضُ أيَّ سلطةٍ خارجَ النصّ، فكلُّ روايةٍ جديدة تسعى لأن تؤسّسَ قوانينَ اشتغالِها في الوقتِ الذي تُتيحُ فيهِ هدمَها، لأنَّ تجاربَ منها سُرعانَ ما تندثر، وتجاربَ أخرى لا تلبث أن تنتشرَ في نسيجِ التحوّلات المُستمرّة في واقعٍ مأزومٍ ومُتغيّر على الدوام، وقد أصبحَ منَ الصّعب الإمساكُ به وتحديدُه.

فالرواية العربيّة كونها رواية تجريبيّة استطاعت أن تحقّقَ ثراءً فنيّاً مُتميّزاً، بعدَ خُروجِها من قميص "البلزاكي" وتلامِذَتِه، لاسيَما خلالَ القرن العشرين، ومطلع القرن الحادي والعشرين، فقد تمكنّت على يدِ جيلٍ طَموحٍ توّاقٍ إلى التجديدِ والتجاوز من ملامحِ تجربةٍ إبداعيّةٍ وسرديّةٍ مُتكاملة، مُنشغِلةً بتكريسٍ خِطابٍ روائيّ مَهووس بالبحثِ عن أشكالٍ فنيّة وفضاءاتٍ تعبيريّة جديدة غير مألوفة وغير تقليديّة، وبالتالي يُصبحُ الخطابُ الروائيّ العربيّ المُعاصِر بعامّة، والسوريّ بخاصّة بنيةً مفتوحةً على جُملةٍ منَ التحوّلات في المُنجَز الفنّيّ السرديّ بشقّيه اللغويّ والجماليّ، والتخيُّليّ بمُختلفِ تجلّياتهِ الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة.

أخيراً، تبقى الراوية محطَّ إشكاليّةٍ في دراساتِها وبحثِها، والتجريبُ في الراوية يعني الدخولَ إلى عوالِمَ تخيليّة مُتنوّعة، ولكنَّ فنَّ إدارةِ التنوّع، وتجاوز الواقع المَعيش يفرضُ طرحَ السؤالِ التالي: "هل باتتِ الرواية اليوم هيَ ديوانُ العرب بعدَ أن كانَ الشعر؟