حكايا الاغاني الشعبية في حوار مع الباحث "نزيه عبد الحميد"

فاديا مجد– طرطوس- فينكس

لا تخلو الأعراس الساحلية من وصلات الغناء الشعبي والتراثي كالميجانا والعتابا وأبو الزلف والدلعونا، تلك الأغنيات الأصيلة مثلت هويةً ميزت قرى ريف الساحل السوري عبر سنوات طويلة، تروي كل منها حكايةً تكاد الأجيال الشابة لا تعلم عنها شيئاً.لا يتوفر وصف.
جريدة فينكس تواصلت 6-12-2021 مع "نزيه عبد الحميد" الباحث في التراث الشعبي، استهل حديثه بالتعريف بالأغاني التراثية، قائلاً أنها كنوز دفينة جاد بها الزمان على لسان الأجداد، تعبّر عن حبهم وحزنهم وبؤسهم وغربتهم، وأعمالهم اليومية وأحلامهم وآمالهم، ولكن المؤسف حقاً أن الكثير منها قد ضاع نتيجة عدم التوثيق، فيما نُقل الكثير منها بغير ما قيلت به لحناً وكلمات، وأضاف "عبد الحميد": «رغم كل ما سبق بقيت الأغاني التراثية تتحدى الزمن، وانتقلت من جيل لآخر محافظةً على الهوية، ولكنها ضاعت في دروب الإهمال والنسيان بالنسبة للجيل الجديد، فقد حجبتها عنه مفرزات الحضارة، كما حجبت عن أعينهم الكثير من الأشياء الجميلة».الباحث نزيه عبد الحميد
وعن الفرق بين الأغنية الشعبية والتراثية أوضح قائلاً: «لا بدّ لنا من التمييز بين الأغنية التراثية والأغنية الشعبية التي تم تأليفها وتلحينها بشكل بسيط وسهل، بحيث يسهل حفظها وترديدها، فتشيع وتنتشر وتغنيها أغلب الطبقات الشعبية في المناسبات العامة والخاصة، وهذه هي الاغنية الشعبية، أما الأغنية التراثية، فقد تناقلتها الأجيال، ولا يُعرف على الأغلب من مؤلفها وملحنها». وأشار إلى أنه إذا استمرّ الناس بترديد الأغاني الشعبية زمناً طويلاً، فإنها تصبح أغنيةً تراثية، كأغنية "يا طيرة طيري يا حمامة" أو "طلعت يا محلا نورها" لـ "سيد درويش"، أو غير ذلك من الأغاني التي أُلفت ولُحنت بشكل بسيط وجميل، فاستمر الناس بترديدها حتى أصبحت تراثية.
واستعرض الباحث في التراث الشعبي بعض الحكايات التي قيل أنها أصل بعض الأغاني التراثية، وهي بحسب قوله آراء يحتمل فيها الصواب والخطأ من قائلها، وهي أيضا وجهة نظر أقرب إلى الحقيقة منها إلى الخطأ، وهنا يبدأ بحكاية أغنية الميجانا فيقول: «أرجعها البعض إلى الأداة التي تستعمل في هرس اللحم في الجرن، أو في قَشر القمح ويسمونها (ميجنة)، بينما قال "مارون عبود" إن أصلها (ياما جانا) أي ما أكثر ما أصابنا، أما "لحد خاطر" فقال أن أصلها (ياما جنة) بمعنى مستهترة عابثة، فيما ردها "أنيس فريحة" إلى أصل سرياني آرامي، وهو جذر (نَجَنَ)، الذي يفيد معنى اللحن والغناء».لا يتوفر وصف.
وأضاف "عبد الحميد" أن كلمات الميجانا تكتب على البحر الكامل (مستفعلن مستفعلن مستفعلن)، ويمكن أن تكون من بيت واحد بشرط أن ينتهي بالروي (نا) مثل) يا ميجنا ويا ميجنا ويا ميجنا إن شاء الله بيكونوا سامعين حبابنا)، أو بأربعة أبيات روي، الشطر الثاني من البيت الرابع هو (نا)، أما روي الأبيات الثلاثة الأولى فمن أية قافية شرط أن تتوافق بالروي، وفي هذا قدم الباحث مثالاً للتوضيح (يا ظريف الطول حذرك مطرحه لحظة عيونك لحبيبك تجرحه بتمون لحبك بسيفك تدبحه بس العوازل لا تفرق بيننا).
 ويضيف: «عادة ما تكون الميجانا مقدمة للعتابا، وموّال العتابا يغنى بدون إيقاع، فلحنه غير موزون، ويغنى بشكل إفرادي، يبدع فيه المطرب الجيد مرتجلاً أنغاماً على ما يحفظ، مضيفاً إليه آهات وليالي وأحرف بشكل ارتجالي، فتظهر براعته الموسيقية والغنائية، وقد قيل إن موال العتابا قد عرف وشاع أيام نكبة "البرامكة"». وأشار أيضاً إلى أن للموال أنواعاً عديدة، فقد غناه البعض مع الميجانا، والبعض الآخر غناه قبل بعض الأغاني، أو في منتصفها أو ختامها.
وعن قصة العتابا فقد تحدث عن القصة الشائعة لنشأتها، والتي ترويها كتب الأدب فتقول أن "عتابا" هي زوجة فلاح، وكانت امرأة جميلة، وجمالها كان عزاء زوجها الوحيد، في ذلك العصر الذي كثر فيه البؤس والشقاء، ولكن "عتابا" هذه لاقت هوى في نفس صاحب القرية، والذي انتزعها من كوخها الفقير، وأخذها لتعيش في قصره، ليعود الزوج المسكين ويتفاجىء بغياب زوجته، فما كان منه إلا أن هجر القرية إلى البراري والجبال هائماً على وجهه، وفي حزنه الشديد صار يغني (عتابا بين برمة وبين لفتة عتابا ليش لغيري ولفتي أنا لروح للقاضي ولافتي عتابا بالتلات مطلقة)، وختم "عبد الحميد" كلامه بالإشارة إلى انتشار هذا النوع من الغناء بين الناس، متقيدين بالجناس التام في نهاية الأشطر الثلاثة الأولى مع اختلاف المعنى، فكلمة لفتة في الشطر الأول جاءت بمعنى التفاتة، وفي الشطر الثاني بمعنى عاشرت، وفي الثالث من الافتاء.