سهيل عرفة بدأ بـ"يا بطل الأحرار".. ورحل على "لا تحزني يا شام"

فينكس -السويداء- معين حمد العماطوري

يعتبر الملحن السوري الراحل سهيل عرفة واحداً من الملحنين الذين خطوا لأنفسهم طريقاً في أسلوب التلحين، ليشكل شخصية فنية مميزة تألقت في عالم الفن، خاصة عندما تعامل مع عمالقة الغناء والأداء في وقت انتشار المحترفين فيه.. إذ لا أستطيع إخفاء إعجابي بالراحل سهيل عرفة بأمرين الأول تعامله وأخلاقه في توفير المعلومة للباحث والمهتم بالأعمال الموسيقية، والثاني جملته اللحنية وألحانه النافحة بعبير الأمل المتجدد في كل لحن من ألحانه. إذ منذ أن بدأ مشواره الفني عام 1958 بلحنه الوطني لمطرب الرجولة الراحل فهد بلان بعنوان /يا بطل الأحرار/ حتى آخر أغنية لفنان الشعب الراحل رفيق سبيعي /لا تحزني يا شام/، شكل في ذاكرتي وقفات إبداعية...فهد بلان مع سهيل عرفة

سهيل عرفة المولود في دمشق عام 1935 عاني في طفولته الكثير، فقد كان والده متديناً يؤمن بالعمل والمهن الحرة، لكن سهيل عرفة الذي استهواه تجويد القرآن الكريم وتلاوته منذ صغره، ما جعله يتفرد بين أقرانه الطلاب منفرداً بتجويد القرآن الكريم، ولم يكتف بل اتفق مع القيم على مسجد الحي السماح له أن يؤذن بصوته في أوقات الصلوات الخمس...

ويذكر الراحل سهيل عرفة عن حياته بقوله: "نحن امتداد للراحل الكبير "أبي خليل القباني"، فالفن كان شبهة عند الناس وغير لائق إلى حدّ ما، فعانيت كغيري من الموهوبين، حيث تعرضت لمعارضة شديدة من والدي الذي "مدني فلقة"، وكسر لي عودي الذي تعبت كثيراً حتى اشتريته، وعندما توفي والدي عانيت اضطهاد إخوتي الكبار، فكانت مرحلة البداية رحلة كفاح صعبة للغاية، عملت في إصلاح الراديو، وقضيت طفولة ليس فيها سعادة، ولم يكن هناك متعة، وضعني الوالد في عدة أمكنة، ولم أصلح فيها، وفي محلة "السنجقدار" كنت أستمع إلى "فريد الأطرش" وغيره، فاستهواني العمل من أجل ذلك، واستأجرت محلاً مقابل مجلة "الدنيا" التي كان رئيس تحريرها "عبد الغني العطري" حيث يتردد إليه فنانون كبار، فتعرفت إلى بعضهم".

 في حينها التقى الراحل عرفة بعازف الكمان والعود محمد الحلواني و أخذ الاخير يعلمه أصول العزف على آلة العود، وكذلك ضرب الإيقاع على يد ضابط الإيقاع المتميز "عبد العزيز الخياط" والد الملحن والموسيقي "أمين الخياط" والأهم أنه اتبع نصائح وإرشادات كلا من الراحلين أمير البزق محمد عبد الكريم وعدنان قريش، وتعلم "النوطة" على يد الأستاذ "سامي المرادني"، وقام الصحفي "عدنان مراد" بتبني موهبته وأدخله إلى الإذاعة السورية، كانت انطلاقته الأولى من برنامج "عبد الهادي البكار"، بعنوان /ألوان/ والذي كان بمثابة أكاديمية كاملة، وقد غنى للموسيقار "فريد الأطرش" /نورا نورا/ وحقق نجاحاً باهراً في ذلك البرنامج، حينها كان رئيس دائرة الموسيقا الملحن والموسيقي الفلسطيني القدير/ يحيى السعودي/ الذي شجعه مع "عدنان قريش" وأمير البزق "محمد عبد الكريم" بالاتجاه إلى التلحين لامتلاكه الملكة المناسبة، ولم يكتف بل درس علوم الموسيقا الشرقية على يد الاستاذ القدير /ميشيل عوض/ والتوزيع والموسيقا الغربية على يد /مطيع المصري/.. وبعد أغنيتين "لفهد ـبلان ونجاح سلام"، وقد بدأت حياته الموسيقية والتلحينية تأخذ طريقها نحو الشهرة منطلقا من إذاعتي دمشق وبيروت بعد دعوة الموسيقار /حليم الرومي/ له على بيروت.

سهيل عرفة الملحن المجيد الذي بدأ مشواره مجاوراً لمجلة "الدنيا"، تعرف لاحقاً على الراحل فهد بلان وكان أول انطلاق لهما لحن بعنوان /يا بطل الأحرار/ وذلك ابتهاجاً بالوحدة بين سورية ومصر، وتابع عمله ليقدم ألحانه للمطربة نجاح سلام بأغنيتين "رمانا بحبه"، التي نظمها عمر الحلبي، والثانية /يا حبيب قلبي يا أسمر/ من نظم خالد حمدي، كان على سهيل عرفة أن يجتاز امتحاناً صعباً عندما دعاه مدير إذاعة حلب يومذاك توفيق حسن مع الراحل فهد بلان وقدما ألحاناً أمام لجنة هامة في الموسيقا والمؤلفة من: ممدوح الجابري وانطوان زابيطا، وتوفيق الصباغ، وعزيز غنام ونديم الدرويش، حيث وافقوا على لحنين هما /بعيد عني/ لعمر الحلبي، و/حبي الك يا اسمر/ من نظم عدنان ديري، تواردت الأعمال بعد لقائه مع الفنان الكبير الراحل صباح فخري وقدم له /يا مال الشام/ وهو لحن تراثي طور بعض اغصانه وكذلك /ميلي ما مال الهوى/، و كذلك رفيق سبيعي المعروف بشخصيته الشعبية "أبو صياح" منولوغات انتقادية ساخرة مثل /خذلك سيجارة، شيش بيش، درن درن يا زعبوب، حبوباتي التلميذات/ وغيرها.. ثم لحن لصباح /عالبساطة، ومن الشام لبيروت/ وأغاني عديدة أخرى، كما لحن للمطرب الشعبي الكبير /محمد عبد المطلب/ والتونسي /أحمد حمزة/ والمطربة التونسية /سلاف/، وكذلك سمير يزبك، وجوزيف عازار، وعازار حبيب، ومروان محفوظ، وليد توفيق، وسميرة توفيق، وللعمالقة نصري شمس الدين ووديع الصافي، وكذلك لشادية /يا طيري يا حمامة/ وأغنيته الوطنية/من قاسيون أطل يا وطني/، وتوالت ألحانه حتى تجاوزت ألف وخمسمائة لحن، والأهم أنه قدم موسيقا تصويرية لأكثر من سبعين مسلسلاً وأكثر من عشرين مسرحية، عدا الأفلام السينمائية، والأهم كان يجيد أن يعكس معنى الكلمة الجميلة باللحن الأجمل فحينما نستمع أغنيته الخالدة بصوت الراحل الكبير العملاق وديع الصافي / آه يا دنيا/ أو أغنيته الخالدة / من يوم ولدنا لبلدنا/ لمطرب الرجولة فهد بلان، واسكتشات لفنان الشعب رفيق سبيعي، وهو الذي تعطر بعطر الشام عندما غنى له الفنان الكبير صباح فخري /يا مال الشام/... نشعر تماماً أن سهيل عرفة هو ملحن هادئ يدخل السكينة والطمأنينة القابعتين في روحه وإلى روح الذين يتلقون أعماله الفنية..رفيق سبيعي

وإذا ما دخلنا في تفاصيل استخدام سهيل عرفة للموسيقا العربية نجد أنه منغمس في تكريس روح الشرق وعبير الشرق، إذ قل ما تجده يغرف من غير منهله، ومنبعه، فسكونه يعبر عن اقتناصه لحظة الجمال والحس الوجداني في التعبير عن اللحن المعبر والعاكس للكلمة لحناً متساوياً مع بهجة مشاعر كاتبها، خاصة وان تعاونه مع شعراء الكلمة المميزين أمثال /عيسى أيوب، وانطوان مبيض، وعمر الحلبي، وحسين حمزة، و أحمد قنوع، وفوزي المغربي/ وغيرهم الكثير، جعل منه الملحن الواعي لما يعمل.

وأتذكر شخصياً قبل عقدين ونيف تقريباً حينما زرت الموسيقار الكبير سهيل عرفة في مكتبه بالمهاجرين، بغية تزويدي بمعلومات فنية عن علاقته بالراحل الكبير مطرب الرجولة فهد بلان، حينها كنت منهكماً بإعداد كتاب المعنون /فهد بلان الفنان الإنسان/ الذي كان بإشراف أستاذي ومعلمي الباحث والناقد الفني الراحل صميم الشريف.. جئته وأنا استعرض في مخيلتي تلك القامة الباسقة والمميزة التي لا تتوانى عن مد يد المساعدة لأي باحث وعن أية معلومة فنية يريدها، وخاصة إذا كانت منه شخصياً...

أذكر كيف حضر لي شريط كاسيت بالأغاني المطلوبة والصورة له وللراحل فهد بلان، وتحاورنا مطولا عن أعماله الفنية ودخلنا في صميم الجملة اللحنية والموسيقية، الأمر الذي استرعى انتباهي بأشياء كثيرة وجميلة جداً.. وما كان من هذا الملحن الكبير سهيل عرفة  إلا أن تكلم عن ذلك اللقاء في أحد البرامج الإذاعية...سهيل عرفة مع العود

سهيل المكرم لفنه وبفنه حقق نجاحاً ملحوظاً على حد قول النقاد فيه من الموسيقا التصويرية أكثر من الاغاني، لأن النصوص السينمائية والمسرحية تحتاج من المؤلف الموسيقي ترجمة الأحداث وإخضاعها للحدث فكرياً وهذا ما استطاع الوصول إليه بسهولة في مجمل أعماله السينمائية والمسرحية والتلفزيونية... رغم أنه برع في تلحين قصيدة /قلعة التحدي/ وبعد فوزه بجوائز خاصة بالأطفال بايطاليا عام 2000 وتقديراً لفنه منحه الرئيس الدكتور بشار الاسد وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة عدا استحقاقاته من شكر وتقدير في مهرجانات الأغنية العربية والمحافل الإبداعية.

سهيل عرفة النغمة الجميلة في الزمن الجميل رحل وهو يردد إن أقرب صديق لديه هو خطوات الجيش العربي السوري وانتصاره على الإرهاب... عشت طيباً ورحلت مبدعاً سهيل عرفة إلى جنات الخلد فأنت باق في الذاكرة..