جميلة

ليندا إبراهيم- فينكس:

حدث هذا في العام العاشر الطاعن في عمر الأزمة ــــ الحرب...

إذ لم تكن "جميلة" تدري أنها قد تسمع صوته ثانية، أو ترى محياه فتميزه، أو حتى مجرد احتمال نادر من القدر أن تلتقيه ولو مصادفة...

فقط تنكبت ذاكرتها المهزومة واتكأت على هجس روحها ببقايا صور عتيقة من أيام الدراسة الجامعية الأولى، وما علق في ذبذبات هذه الذاكرة من نبضات لا تزال في عشب القلب عالقة حية لا تموت...

عادت بأقصر الدروب إلى منزلها، وفكرة واحدة تسيطر على عقلها وقلبها، ترى هل هو هو؟ أم اشتبه لها صوته وشكله وشعره الذي علاه غبار الشيب، أم وجهه الذي وخطه تقادم السنين...

نضت عنها "روب الدي شامبر" الحريري، تتفقد مخابئها السرية، ومنابع الرحيق، فتوازن الأثر الذي شب بها دفعة عارمة، بين تلك السنوات الموغلة في الرحيق الطفولي البرئ، وبين استنفار أنوثتها وسيالة التوق التي انبجست في شغافها لمجرد خطرته في بريد ذاكرتها المفاجئ...

كانت "جميلة" بالغة الجمال، فطرية الحُسن، عفوية النظرة بعيني رئم ذبح شوقاً، تمشي وهي تضرب الأرض أنفة وكبرياء، وكأنها تتحدر من سلالات عشتار، أو إحدى العروق الملكية عبر التاريخ...

ولكن الصادم في الأمر، والأكثر من مفاجئ أنها لم تكن تدرك أنها جميلة، وكم هي جميلة، بالأصح لم تكن تنتبه لدرجة جمالها ونبل هذا الجمال، حتى باتت تسمع شهادات أصدقائها وآراءهم وذكرياتهم أيام مراحل الطفولة والدراسة الابتدائية فالإعدادية فالثانوية... بل دخلت الجامعة لتدرس اللغة العربية وآدابها، ولم يكن لديها أدنى احتمال من أنها تتميز بذرة حسن أو جمال عن سواها...

هذ ما أكده لها زميل طفولتها، في أول زيارة له للبلاد قادماً من بلد الاغتراب الذي يعمل فيه، وهو التلميذ الذي كان الأكثر شغباً بين تلاميذ دفعتها، أنه مع مجموعة من التلاميذ أبناء الحي، وكان عمرهم أحد عشر ربيعاً، قد رافقوه ليشتري خاتماً بلاستيكياً من دكان الحي، واتفقوا على الاجتماع عند مفرق بيتها ليذهبوا معه فيخطب "جميلة"، صعقت للأمر وهو يسردُ قصة طفلٍ ذاهبٍ ليخطب زميلته الطفلة في الصف الخامس، ويردف ليقول كنت أحبك، ومتعلق بك، وكنا أنا وزميلي الآخر نتعارك لأجل مَنْ منَّا سيسبق الآخر فيخطبك... فيضحك وتضحك "جميلة" مذهولة أمام طرافة الحادثة، وغرابتها والتي لم تكن لتطرأ لها على بال أو تصدقها، لو لم يـأت الوقت فتسمعها من صاحبها نفسه...

مع الأيام... كانت تذهب لعملها يومياً بعد تخرجها في الجامعة، اعتذرت من ذلك الشاب الوسيم، ورفضته مرات عديدة لكنه أبداً واقف في موقفه المعتاد ليراها كل صباح وهي ذاهبة في السيارة التي تقلها إلى عملها، بعد سنوات من غيابه وزواجه، أكد لها أنه كان يتقصد سرقة لحظة الزمان تلك ليقطف نظرة من ذلك "الوجه البلُّوري"...

أكدت صديقتها التي درست الحقوق لاحقاً، بأنها كانت لا "تشبع" من النظر إلى ذلك الوجه النوراني، وتتابع قائلة: كنا نتقافز حولك في باحة المدرسة، لنستمتع بالنظر إلى محياك...

لاحقاً وبعد سنوات عديدة من وظيفتها ستسألها إحدى صديقاتها ترى هل خضعتِ لعملية تجميل في الأنف؟ وحين تجيب بالنفي القاطع وباستغراب شديد للسؤال، كانت تتابع لتقول لأن كل من يجرين عمليات تجميل إنما يجرينها لتغدو أنوفهن جميلة بديعة كأنفك...

كلُّ هذا ولم تكن قبله، تدرك "جميلة" أنها جميلة حقاً...

ويعود السؤال ليسيطر على عقلها وجوارحها من جديد: لم الآن... ولم مع هذا الشخص تحديداً...

تتذكره ناحلاً، بعينين ترشحان وجداً وخجلاً، وهو يديم النظر إليها  في فترة الدراسة الجامعية، لكن كبرياءها كان يضرب حولها حجاباً فلا يستطيع أحد، أي أحد، اختراقه دون أن يريق ماء خجله أو إحراجه على عتباته فيرتد خائباً...

ارتفع صوت المحاضر، ليعيد الفقرة الأساس في محاضرته، ضمن فعاليات المؤتمر الذي انتدبتها جهتها للمشاركة فيه، انتبهت "جميلة" إلى أنها في المقصورة العاشرة من قطار الذكرى، ترجلت وتخففت من ذكرياتها على وقع عطره يقترب منها، وأعماقها تصلي للإله أن يكون هو... فيقترب صوته ويسألها: هل تذكرتني... أنا زميلك في الجامعة، ألستِ أنتِ "جميلة"، ابنة دفعتنا... تدعي أنها تذكرت بعد تفكير وتذكر، وهي توضب مصنفها والأوراق، وفي شبه رجاء، يسألها: هل لي أن أدعوك إلى فنجان قهوة... يا "الجميلة"..؟