الأدب الجنسي وسؤال الحريّة

أوس أحمد أسعد- خاص فينكس:

قد يبدو العنوان، مُلغزاً، متناقضاً أو بأحسن الأحوال معيباً بمنظور الأعراف الاجتماعيّة. إذْ أنّ الحديث بالجنس يعني الدخول في الممنوع والمهموس والمسكوت عنه، فكيف إذا اقترن بكلمة الأدب؟!. حيث كلّ ما يمتُّ لثقافة الجسد بصلةٍ هو "تابو" ومحظور، لأنّه يحاكي الغرائز ويوقظ الشّهوات، ويُذهِبْ العقل، ويخرّب نسيج الفضيلة، ويُغوي العباد، ويُقلق المقدّسات. ويؤسّس للإباحيّة و.. إلخ. لذلك يجب إبقاءه في المنطقة المعتمة، الرّطبة من النفس، والقفل عليه بالخزانة، ورمي المفتاح عميقاً في البئر. وإذا تجرّأ وطفا فوق سطح الأحلام ـ وهو سيفعل بالتأكيد ولن يستأذن أحداًـ كشأن كلّ مكبوت ومقموع، فثمّة شياطين يجب التّعوّذ منها وغواة وشرّيرون مقنّعون، يتربّصون بالكائن الضّال، سيجرّونه إلى مهاوي الرذيلة، والكفر بالأخلاق المقدّسة المتوارثة. وما على المجتمع وشرطته الرقابيّة سوى إخضاعه لدورات تنقية من الآثام، وعرضه على سدنة وأطبّاء الأخلاق القويمة، المنذورين لمثل هذه المهام الجليلة، لينظروا بأمره. متعهّدين بإعادته إلى الصّراط المستقيم طاهراً نقيّاً خالياً من الدّنس، ومحصّناً ضدّ الخطيئة. هذه عيّنة من اتهامات كثيرة تُصيب كلّ من يحاول فتح شرفة في الرّيح، ليكنسّ غبار الثقافة البالية والقيم المتواطئ عليها. شرفة تحاول استحضار هواءٍ جديد للتنفّس، سعياً وراء تخفيفَ الحالة الفصامية التي يعيشها كائن مجتمعاتنا الشرقيّة المغتربة عن ذاتها، وجسدها،وروحها،وهويّتها. فيا أيّها السادة المنافقون، "الشّفّافون " كماءٍ زلال، كفى كذباً وتعامياً عن الحقائق، لقد آن الأوان لفضح زيفكم وعيوبكم النّفسيّة وتعرية منظوماتكم المنغلقة، التي تشلّ كل إمكانيّة للخلق والإبداع لدى الكائن. آن الأوان لتنظيم شتات القوى الشبابيّة المهدورة وتوجيهها نحو كل ما يُغني ويفيد. فالاستمرار بإبقاء الجسد والروح في الظّلمات وخنق تطلعاتهما ورغباتهما الطبيعيّة والفطريّة، لن يساهم إلّا بمزيد من التشوّهات الاجتماعيّة والأخلاقية، وسيُبقي التربة خصبة و جاهزة لاحتضان الظواهر الشّاذة والغريبة التي تظنّون أنكم تحصّنون المجتمع من تبعاتها الخطرة.

الإنسان العربي، هو صورة لمجتمعه الممزّق، وثقافته المحنّطة، وخيبات مشاريعه التّنويريّة المجهضة، وقضيّة الجنس هي، مشكلته الأعقد إلى جانب همومه الإقتصاديّة والثقافيّة المختلفة، وما الأعراف والعقائد الجامدة التي تثقل كاهله وتشوّه روحه ووعيه، وتقتل كلّ طموح لديه بانفتاحه على ذاته ومكنوناته وبالتّالي على الآخر. سوى العائق الأكبر أمام هذه الانطلاقة الضروريّة جدّاً لارتقائه، في زمن التّغيّرات الجوهريّة والعواصف الكبرى.

سؤال الجنس، هو سؤال الحريّة ذاته، فكما الحريّة تتطلّب شروطاً ومناخات سليمة نفسيّة واجتماعية وثقافية، وكائنات راغبة بالتّطوّر ولديها نوع من الاستقلاليّة، وهاجس الانفتاح المعرفي، كذلك الأدب الجنسي كأحد تجليّات الحريّة الثقافيّة، سيبقى مشوّهاً إذا لم يُدرج ضمن السّياق الثقافي والإبداعي التربويّ الاجتماعي العام، الهادف لبناء مجتمع سليم بكائنات متوازنة، بحيث يكون هاجس المنظومة القيميّة البديلة المنشودة الأساسي، هو كيفيّة النّهوض بالطاقات الشبابيّة وتحريرها وتوجيهها لخدمة الحالة الخلاقة المأمولة منها .وهذه من المهام الجليلة التي يجب أن تتبنّاها المناهج التربويّة والتّثقيفيّة المعنيّة بتأسيس أجيال لا تهاب مناقشة محرّماتها، وتفكيك منظوماتها الفكريّة المتوارثة. فما الذي يجعل الطاقات الشبابيّة المخزّنة، تتّجه نحو التدمير الذّاتي والمجتمعي، وتبنّي الأفكار المتطرّفة كالذي نراه الآن؟ ألا يتمّ ذلك بوجه من وجوهه، بسبب الطاقات المقموعة، والمهدورة في العطالة والبطالة والفكر التّلقيني التّخديري، حيث يلجأ صاحبها في سبيل تأكيد ذاته وصنع أسطورتهـ ولكلّ كائن طبيعي هدف من هذا النوع ـ لإعطاء معنى لحياته العبثيّة بهدف بطولي ما؟ ألا يستغلّ دعاة التجهيل والظلام ذلك؟ بما يقدّمونه من حوريّات في الآخرة، ومغريات واقعية مادية، وتبرّعات جسديّة من مجاهدات النكاح، في محاولة استقطاب طاقات الشباب،وتوجيهها نحو الموت المجّاني، بحجّة الرسالة السامية؟! فما المانع أيّها الأكاديميّون والتربويّون من تدريس مادة الثقافة الجنسية بشكلٍ علمي صريح في المدارس، كمادة أساسيّة وأخلاقيّة. بنفس الوقت أليس من الأفضل أن تعرف أجيالنا ذواتها ومتطلّبات أجسادها و أرواحها، بالشكل الصحيح وأن تستعدّ بلا خوف "ذكراً كان أو أنثى" لتحوّلاتها الهرمونيّة والنّفسيّة الطّارئة، أليس الأفضل، أن يحدث ذلك بإشراف المؤهّلين وأصحاب الاختصاص، بدل أصحاب اللّحى المغبرة وقوى التّجهيل والموت؟. من هذا المنظور سيكون للأدب الدور الأسمى في إيصال مثل هذه الرّسالة الجليلة إلى أذهان الناشئة، شرط اللّاإسفاف، والسّعي إلى التكسّب والربح المجّاني عبر تحفيزالإثارة الحيوانيّة وإيقاظ الغرائز والشّهوات بالطرق التي لا تحترم إنسانيّة الإنسان.

قديماً اعتقد الإغريق من عبدة "ديونيسيوس" أنّ الجنس هو الطريق الموصل إلى المتعالي. والقدّيس "بولس" اعتقد أنّ الخطيئة الأولى التي أدين بها البشر هي الطريق الموصل إليه. كما اعتقد أبو الطبّ النفسي "فرويد" بأنّ الدافع الغامض وراء كلّ النشاط البشري وجميع الاضطرابات العقليّة مرجعها الإحباط الجنسي. أمّا على صعيد الأدب، فقد دشّنت رواية "عوليس،لجيمس جويس" عهداً جديداً بهذا المجال رغم بذاءتها.لكأنّ الكاتب تقصّد ذلك، ليصدم ويخلخل وعي الناس. حيث يسجّل بروايته العبارات المنفّرة التي لا نراها عادة إلّا على جدران المراحيض .كما يقول "كولن ولسن" وهاهو يُنهي روايته بهذا التّوصيف "بجعل البطل يقبّل مؤخّرة زوجته" ممّا شجّع الآخرين على ارتياد هذا المجال /الأدب الجنسي/ الذي مازال يُكبَتُ بقوّة حتى الآن. وقد وسمَ النّقاد الرواية بالأهميّة الشّديدة وأنّها تنضحُ بالعبقريّة والأصالة .و تابع "فوكنر" خطى "جويس" الصّادمة ساعياً لضرب قارئه في الصميم، وتلك طريقة البعض في تعميق الإحساس بسلبيّات الواقع وفضح فساد المعايير المزدوجة والفصاميّة التي تحكمه، وتمهيد التربة وحرثها بالأفكار الجديدة. ولعلّ ثورة الأدب الجنسي التي بدأت بخمسينيات القرن الماضي، برواية "لوليتا" لـ "فلاديمير نابكوف" لم تنتهِ. حيث بيعت الرّواية بكثافة للسّائحين الأمريكيّين في باريس 1955م كما قيل. ومحورها يدور حول "رجل بالغ يغوي فتاةً قاصراً". هناك الكثير مما يمكن قوله مدحاً بالرّواية وأسلوبها الجيّد ،فكاتبها ساخر أصيل، وهي ليس كما رأى بها البعض مجرّد انحراف لرجل في منتصف العمر بل هي تفضح، كلّ الجوع الجنسي الذي يعتبر الذكر أنه لا يستطيع تحصيله بامرأةٍ واحدة. وهذا بدوره تنويع على كلمات "هنري باريوس" برواية "الجحيم" يقول :/ ليست امرأة التي أريدها ،بل كلّ النّساء/. لم تسعَ الرواية لتحفيز الإثارات الجنسيّة،مجّانيّاً بل تُركتْ معظم الإشارات والإيحاءات فيها لذكاء المخيّلة، احتراماً لذائقةُ القارئ.

أمّا على الصّعيد العربي فربّما تكون الدكتورة "نوال السّعداوي" الرائدة الأولى في كتابة هذا النوع من الأدب، بروايتها / امرأة عند نقطة الصفر / وغيرها. حيث استطاعت اقتحام التابوات الاجتماعيّة بجرأة علميّة وخلفيّة ثقافيّة متطوّرة، محمّلة مواضيعها الأدبيّة الكثير من المضامين التّحرّريّة العالية وحالات القهرالاجتماعي الممارس على المرأة تاريخيّاً. هكذا لعلّنا نرى بعد هذه العجالة التي طرحتْ موضوع بغاية التعقيد بأنّ الأدب يستطيع، أن يتنطّح لأعقد المواضيع ،ويتخطّى الحدود الحمراء المرسومة من قبل حرّاس الجهل، وعبدة العقائد الصّدئة، ليساهم في صنع ثورة القيم الجديدة الدّاعية لتحرير الطّاقات الشّبابيّة وتوجيهها واستثمارها في المجال الإبداعي،وإشباعها بكلّ جميل وراقٍ .مع المحافظة على وظيفته الأدبيّة والجماليّة بالدّرجة الأولى والأخيرة.