أنقذوا الثقافة و الفنون من خطط التنمية الارتجالية
يحيى زيدو- خاص فينكس:
في الأزمات الكبرى تبرز قيمة الثقافة و الفنون باعتبارهما حاجة انسانية يضفيان معنى إنسانيا و روحيا جماليا على كافة مظاهر الحياة و فعاليات المجتمع.
و في مجتمعات مأزومة كمجتمعاتنا يصبح السؤال عن جدوى الثقافة و الفن سؤالاُ ملغوماً بالنفي و الإنكار.
هل من الأخلاق المرافعة عن أهمية الثقافة و الفن وسط الموت، و الاستنزاف الاقتصادي، و الإفلاس الاجتماعي و السياسي؟.
هل يحق لنا أن ندافع عن الكتاب و أهميته وسط طوابير البشر المشغولين بتأمين أبسط احتياجاتهم اليومية؟
إن الثقافة التي نتحدث عنها هي تلك التي تعني تكريس العقل و الفكر النقدي و المساهمة في التنوير الذي يمكن أن يقاوم اليأس و محاولات التيئيس و التشييء، أما الفن فهو تلك الممارسة التي تسمح بخلق و توزيع قيم الجمال في بعدها الإنساني.
بهذا المعنى تكون المرافعة عن الثقافة هي مطالبة بمواجهة أشكال الثقافة الاتكالية، و الاستسلام، و "الدروشة" التي تقف خلفها دول و تنطيمات سياسية و إيديولوجية لتكريس ذهنية الانهيار و التبعية و القدرية.
لقد مرت أوروبا عبر التاريخ بأزمات هددت كياناتها و أنظمتها السياسية و الاقتصادية- الاجتماعية، لكنها كانت ترفض إخلاء ساحة معركة الفن و الثقافة، و لعل ظهور فلسفاتٍ و مدارس فنيةٍ و أدبيةٍ في قلب الأزمات الكبرى هو دليل على إدراك أوروبا لفداحة الخطر المستديم إذا طال غياب الثقافة و الفن.
و في أزمة كورونا، على سبيل المثال، فإن الارتباك الذي رافق انتشار الفايروس في إيطاليا و أسبانيا و دول أخرى، لم يؤدِ إلى إهمال أهمية الثقافة و الفن، بل وُضعت الخطط العاجلة و الضرورية التي تدعم الحضور النوعي و الوازن للثقافة و الفنون في المجتمع بكل مكوناتها (الكتاب والسينما والمتاحف والمسرح والموسيقى والفن التشكيلي) كما عملت على إنقاذ سلسلة صناعة الكتاب (المؤلف والناشر والموزع ومكتبات البيع والمكتبات العمومية والمطابع) بإجراءات عاجلة و نوعية.
أما في الدول العربية، و منها بلادنا بطبيعة الحال، فإن الكتاب مجرد استثمار اقتصادي و دورة تجارية موسمية و ثقافية، و هو يعاني اليوم من الإرباك أكثر من أي وقت مضى. دور النشر الكبرى تبتلع السوق فيما الدور الصغيرة تقتات على الفتات الذي يتركه حيتان السوق. يقابل ذلك أنظمة سياسية و حكومات لا ترى الكتاب جزءاً من عملية التنمية المستدامة، و خاصة الكتاب النقدي باعتباره يحض على الفوضى و الفتن،كما يعتقدون. و لذلك تطلق الحكومات شعارات "الخبز و الصحة و فرص العمل قبل الكتاب"، متناسين أنه لا صحة دون كتاب، فالمجتمع المريض سيبقى مريضاً و لو تم تجهيز أحدث مشافي العالم له، و المجتمع الجائع سيبقى جائعاً و لو أكل قمح العالم كله.
لذلك فإن الحكومات يجب أن تعي أن الكتاب النقدي التنويري هو جزء من عملية التنمية المستدامة.
معارض الكتب التي كانت مناسبة لتداول الكتاب متعثرة وشبه متوقفة نسبياً باستثناء بعض المعارض في دول الخليج، و هذا الأمر،باعتقادنا، ليس ناجماً عن عجز بقدر ما هو عملية سياسية مقصودة تهدف إلى نشر الفكر الغيبي الاتكالي و تعميم إيديولوجيا الطاعة التي تبحث عنها الأنظمة التي تعيش حالة عدم ثقة و سوء تفاهم مع شعوبها.
و لذلك لا بد من التأكيد على ضرورة دعم ثقافة الكتاب النقدي، و الفن الذي يبدع و يوزع قيم الخير و الجمال و السلام و المساواة كي لا تبقى ثقافة الجهل و الاتكال و الكسل العقلي.
فالثقافة جوهر التنمية المستدامة باعتبار أن الإنسان هو العنصر الأساسي فيها، و لا يمكن لأية عملية تنموية أن تكون ذات جدوى إذا تم استبعاد الإنسان منها، أقصد باستبعاد الإنسان هنا، استبعاد قيم العقل و الحرية التي تتيح ضروب الإبداع في كافة أشكال و مكونات الثقافة و الفنون.