"ناجي العلي" حق لا يموت
تمّام علي بركات - خاص فينكس:
عام 1961 سيزور الروائي والأديب الفلسطيني الراحل "غسان كنفاني" -1936-1972-مخيم عين الحلوة في بيروت، وهناك سيتعرف على موهبة تشكيلية فذّة، وذلك من خلال بعض الرسومات، المشغولة بقلم الرصاص، والمعلقة على حيطان البيوت وعلى الجدران، تلك الرسومات لم تكن إلا للفنان الفلسطيني الكبير "ناجي العلي" 1937-1987-الذي تحل في هذا اليوم ذكرى اغتياله الـ34-رصاصة قاتل صهيونية.
قضّ "العلي" ولم يزل حتى اللحظة، مضجع ومنام الصهاينة، برسوماته المقاتلة، تلك التي كان لها عظيم الفعل، في تبيان حقيقة الحق الفلسطيني، الوجع الفلسطيني على المستوى الدولي، وبفن من أهم الفنون التعبيرية والأكثر قدرة على حمل المشاعر والأحاسيس حتى تلك الدفينة، فن "الكاريكتير"، فهو من الفنون الأوروبية المنشأ، والتي يهتم به العالم برمته، فقد صار من سمات الصحافة العالمية، ومن أكثر منشوراتها متابعة، وتفوق تأثيرها –ولم يزل-على لغة الكلمات والخطابة والمؤتمرات.
هذا بالضبط ما جعل القتلة، يقررون إنهاء حياته، فالتأثير الذي مارسته تلك الرسوم، كان له وقع طبول الحرب التي لا تنام عليهم، وعلى هذا فليس من الغريب أن يكون كل من "كنفاني" و"ناجي"، ماتا اغتيالا وعلى يد نفس الجماعة المجرمة، خصوصا أنهما كانا يحملان صفات نفسية وإنسانية وفنية متقاربة، وكليهما من أصحاب الأسلوب الإبداعي الأصيل، ومن خلاله استطاعا النفاذ إلى الأفئدة والضمائر، عربيا ثم عالميا، وليس عن طريق الخطب الحماسية المفرغة من مضمونها سلفا!
حتى اليوم لا تزال واحدة من شخصيات "ناجي" الكاريكاتيرية، تنبض بالحياة ليس فقط على الصحف والمواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي، التي يوجد عليها أكثر من 3000صفحة، تحمل اسم "ناجي العلي" ، بل أيضا على جدران مخيمات النزوح الفلسطيني القسري، وأيضا على السواعد والزنود وفي القلوب، وواحدة من أهم تلك الرسومات، هو "حنظلة" الفتى الذي لم يزل في العاشرة حتى بعد أن تجاوز ال 50 من العمر، الفتى المولود تحت برج النكسة الدامية، من قلم رصاص، أما سبب بقاءه في العاشرة حتى اليوم، فذلك لسبب وجيه ولا يرد أخبر به "ناجي" عندما سئل عنه: "ولد حنظلة في العاشرة من عمره وسيظل دائما في العاشرة من عمره، ففي تلك السن غادر فلسطين وحين يعود حنظلة إلى فلسطين سيكون بعده في العاشرة ثم يبدأ في الكبر، فقوانين الطبيعة لا تنطبق عليه لأنه استثناء، كما هو فقدان الوطن استثناء"، ولليوم لا يزال حنظلة يحمل عصا شتاته في أصقاع العالم، بانتظار أن يلّم الزمان شمل قلبه، فيعود.
لكن رسوما أخرى ليست أقل شأنا في التأثير، ستظهر في الصحف العربية، التي زودها "ناجي العلي" برسوم كاريكاتيرية تحمل صفة هامة من الناحية التقنية والفنية، فرسومات ناجي العلي تحمل صفة الأصالة أولاً، في المظهر والمخبر، ومن أهم ما يميزها، سهولة التذوق الفني من قبل الجمهور، كونها تحمل شحنة كثيفة من التواصل المعرفي والعاطفي، الأمر الذي جعلها سهلة المشاهدة والفهم والإحاطة التي تتحقق ما إن تقع العين عليها؛ من تلك الشخصيات التي لم تنم: شخصية الأم الفلسطينية القوية الصادقة “فاطمة” وشخصية زوجها المُنكسر، ثم قام بإضافة شخصيات أخرى بعد أن تعاقبت مؤتمرات القمة العربية وظهرتْ بوادر التسوية، مثل شخصية السمين الذي يقف على الأرض بمؤخرته وليس على أقدامه في إشارة إلى بعض القيادات الفلسطينية والعربي.
عنصر "الشخصية" في لوحات ناجي العلي، هو من العناصر التي ينطوي عليها الفن الأقرب للوجدان العربي، فن "القص"، ففنان بحجم ومقدرة وتفكير "ناجي" يدرك أن عنصر "الشخصية" هو من سيعطي للوحاته سمتها المميزة، سهلة الفهم، مقولتها واضحة، شكلها أليف وقريبة من الوجدان الجمعي، وذلك ما جعلها تحيا حتى اليوم، على عكس الشؤون التي كانت القضية الفلسطينية حاملها الأساس، ذبلت القصائد وتفرقت الخطب، نامت الأفلام وتجمد الزمن في عروق العروض المسرحية، جف حبر المقالات وبهتت صورة الواقع، وحنظلة لم يزل مديرا ظهره للعالم، رافضا أية تسوية، ولا يرضيه ولن يدير ظهره، إلا حين يعود إلى فلسطين,