انحطاط روحي.. انحطاط ثقافي

كتبت ليندا ابراهيم- فينكس: 

"إن ما يحدث في أيامنا هذه يمكن تسميتُهُ بالانحطاطِ الثَّقافي. أما الآن فيمكننا أن نتحدث تماماً عن الانحطاط الروحي."، يتابعُ "فاسيلي شوكشين" الكاتب والمخرج والممثل السوفييتي الشهير، حول مسألة الضمير:

"إذا كانت الحقيقة تعيشُ في شخصٍ، إذا كان يسترشِدُ بالضَّمير في الحياة، فهو مفكرٌ حقيقيٌّ، "إن المثقف هو الحكمة والضَّمير"، "اليوم بات كلُّ شيءٍ واضحاً: كلَّما كان لدى الشَّخص ضميرٌ أقل، /وأضيفُ: وضحالة فكرية وثقافية أقل/ كلما كان لديه المزيد من المال وأكثر نجاحاً في حياته السياسية "مع بعض الاستثناءات."

يحدُثُ في مكانٍ ما من هذه الأرض، من عِشرينات القرن المُنصرم، أن يفترقَ موكبان، موكبٌ رسميٌّ كان يُقِلُّ أحدَ أفرادِ سلطةِ الانتدابِ البريطانيِّ على الهند، والآخرُ يُقِلُّ المحامي الشَّابَّ، ولاحقاً "الرُّوح العظيمة"، المهاتما "غاندي"، قادماً إلى بلدِهِ المُسْتَعْمَرَة، مُكَللاً بالفخار، باستقبال شعبي حاشد، على ما أبلاه في جنوب أفريقيا من تحدٍّ لمَحْوِ هُوِيَّة الشَّعب الهنديِّ، واحتقار بريطانيا العظمى له، واعتبارهم أناساً ومواطنين من درجة ثانية وثالثة...

لم يكن مشهدُ الافتراقِ اعتباطياً، وأنا أشاهدُهُ عبرَ فيلمٍ سينمائي، لدرجةِ أنَّهُ كانَ المشهدَ الوحيدَ الذي اخترقَ زُحامَ ذاكرتي وقفز إلى المقدِّمة منها، حيثُ أشهدُ ما أشهدُ من افتراقٍ وفَرْزٍ واضحَين بين حواملِ كلٍّ من المنخرطين في الشأن العام، السِّياسيِّ والثَّقافي، من جهةٍ، وبين المثقَّفين الذين يعملُون لصالحِ الفكر والثَّقافة الوطنية من خارج المؤسسة من جهة ثانية.

أنشطة بالعشرات، ومهرجاناتٌ مكثَّفة، بغض النظر عن الكم أو الكيف فهذا آخر ما يهم القائمين عليها، لكنَّ الحُضُورَ، أو قُلْ: شريحةُ المعنيِّين أو المخاطَبين بمثلِ هذه الأنشطة تقلُّ مع الزَّمن كَمَّاً ونوعاً، لدرجةِ الاهتراءِ والتَّآكُل، أما على المقلب الآخر فهي في كثافة حضورٍ قسريٍّ متعمَّد، في وقت يمكن الدَّمجُ والمزاوجة والتَّناغُمُ بين الجهتين فيما لو أردنا ذلك.

أنْ يكونَ النشاط ثقافياً بامتياز، يستقطبُ العديدَ من كلِّ أنحاء سوريا كمشاركين ومهتمِّين، ولا يحضرُهُ حتى "الرَّاعون"، أو معظم "القائمين" عليه، فهذا أمرٌ مُقلِقٌ، وأنْ يُنتَخَبَ للمشاركَةِ فيه من قليلي الموهبة إلى عديمي هذه الموهبة في موجة لتسطيح المشهد الثقافي الوطني العام، بإهمال، أو بقصد، فهذا أمر أكثر إقلاقاً وإيلاماً لدرجة القرف.

أما النفاق الثقافي فحدث ولاحرج، فهل يمكن اعتبار المنافق مثقفاً، أم الفاسد مثقفاً، أم الجاهل مثقفاً، أم السابح في تيارهم وفلكهم مثقفاً، أم الساكت الصامت مثقفاً؟ أم يجب أن يكون السؤال بالعكس: وهل يكون المثقف منافقاً أو فاسداً أو جاهلاً، أو صامتاً، أو سابحاً مع التيَّار؟

وعود على بدء، يحق لنا السؤال:

- مَنْ يُنَسِّقُ ويُحَضِّرُ ويَقْتَرِحُ لفعاليَّاتٍ كهذه...؟

- مَنْ وراءَ تقزيمِ المشهد الثَّقافيِّ الوطنيِّ العام لهذا الحدِّ المقصُود؟

- هل من الطبيعي حسب السياق الثقافي أن يقف على أهم المنابر من هم من النخبة، بالوقت الذي يتناوب على المنبر نفسه هذه "الشِّلَّة" أو تلك، هذا المخدوع بثقافته أو نظيره، على عراقة المنبر وتاريخيته في الذاكرة والذائقة والحاضنة الجمعية الثقافية التاريخية؟

- هل من الطبيعي، وحسب السياق أيضاً، أن يأتي ناقد أو صحفي من النخبة المعدودين لكي يحتفوا بمؤلف فلان الجدير، وليحتفوا هم أنفسهم وعلى المنبر نفسه بمؤلف فلان الآخر الذي يؤمنون بالعمق بأنه غير جدير؟

- ومَنْ هم أولئك الفاسدُون المُفسِدُون، الذين نموا وترعرَعُوا وطفَحُوا كالدُّودِ من جيفة الأزمة، وباتوا هم حماة ورعاة وأسياد المشهد الثقافي الوطني...؟

- من المستفيد من هذا التسيب في هذا المشهد المتردي؟

أسئلة محمومة، لفكر لا يستكين لتبرير، ولا يقنعه جواب، ولا يركن إلا للحقيقة المؤلمة الواضحة المُرَّة.

المشهد أكثرُ مِنْ نافرٍ: حيثُ ثمَّةَ مهرجاناتٌ بتسمياتٍ طموحةٍ لدرجةِ الخَرَاقَة والخُرافة، وتمويلٍ لدرجةِ الهَدر والإهدار، وإسفافٍ بالنَّوعيَّة، واحتقارٍ بالتَّناوُل والتَّداوُلِ والكيفيَّة، لتأتي الطَّامَّةُ الكبرى، وهي أن توزَّعَ الحِصَصُ كما يوزَّعُ دمُ "هابيل"، أو قميصُ "يوسُفَ"، حيث جِدارٌ مُثقلٌ بالأوسمَةِ، أو أضرحة تضُمُّ أكرم وأنبل الناس، هي صُور وأرواح الشهداء في هذه البلدة أو تلك، تقابِلُها قاماتٌ واطئةٌ لا تضاهي مرورَها بجانبِ اسمِ شهيدٍ صالحٍ مُضَحٍّ فقيرٍ عاف...