إشكالية العلاقة بين الشعر والفكر
الدكتور محمد ابراهيم علي- خاص فينكس:
استوقفني أحد الشعراء الأصدقاء خلال حديث عابر عن العلاقة بين الشعر والفكر، منكراً عليّ إيلاء العامل الفكري أهمية خاصة في صياغة القول الشعري، وحجته في ذلك أن الشعر يصدر عن عاطفة أو شعور قبل أي شيء آخر، وبذلك فهو يرفض ممازجة الشعر بالعقلانية الفكرية التجريدية على نحو مطلق، وهذا رأي فيه نظر.
مما لا شك فيه أن الشعر يصدر عن تجربة شعورية يحاول الشاعر التعبير عنها باللغة، ولكن هذه التجربة تستدعي بالضرورة موقفاً فكرياً يحدو الشاعر خلال محاولته مقاربتها شعرياً، وهكذا يتموضع الفكر بين السبب (التجربة) والنتيجة (الشعر)، ويحتاج هذا الإجمال إلى تفصيل نستنطق فيه أبعاد إشكالية العلاقة بين الشعر والفكر تاريخياً وفنياً.
لقد رسّخ بعض النقد العربي القديم مقولة الفصل النسبي بين الشعر والفكر، وقد ناقش أدونيس ذلك قائلاً إن الفصل بين الشعر والفكر في الموروث النقدي العربي عائد إلى أن الشعر يُضلّ، ليس لأنه يعتمد على الحواس الخادعة وحسب، وإنما لأنه كذلك يفكر بطريقة لا يمكن ضبطها في نظام محدد. فهو يفكر بالرمز والصورة، وفيهما وبهما تبدو المنظومات المعرفية أنها ناقصة، وأنها عاجزة عن تقديم المعرفة الكلية التي تزعم أنها جاءت لكي تقدمها، فالمعرفة الشعرية إذن ليست يقينية، أو ليست جواباً، وهذا ما يجعل الشعر في معزل عن الفكر وفق التقليد المعرفي العربي الذي يرى أن الفكر جواب. ويلوح في هذا السياق طيف أفلاطون الذي أبعد بعض الشعراء عن مدينته الفاضلة لأنهم ينظمون الشعر عن إلهام وجنون يشلّ العقل.
وعلى هذا الأساس كانت المضامين الفكرية العميقة في الشعر القديم شذرات تحتفي بقضايا الزمن والموت وغير ذلك، ضمن إطار شعري يتوسل القصة الشعرية والمعادلات الموضوعية، وفي حين أن جلّ الشعر القديم يدور في مدارات المديح والهجاء والغزل والفخر والوصف، وهي مدارات لا نعدم فيها المواقف الفكرية، فإن الشعر الحديث هو - قبل أي شيء آخر- حدْسٌ نفسي فكري، والشاعر لن ينجح في عالمنا الحديث إلا حين يكون شاعراً ومفكراً في آن واحد كما يقول إحسان عباس، وتذهب يمنى العيد إلى أن الشعر الحديث هو عناق عضوي شفاف بين الفكر وشكل تجسده قولاً شعرياً.
وهكذا تتحدد أبعاد إشكالية العلاقة بين الشعر والفكر، فالشعر عامة, بقديمه وجديده، لا يخلو من الأيديولوجيا بنسب متفاوتة، إذ ترتبط الأيديولوجيا - بوصفها مجموعة المبادئ والأفكار والمعتقدات التي يؤمن بها الإنسان - بعلاقة وثيقة مع الشعر، تنبع من أن الشعر بشكل عام يمثّل موقفاً من الحياة، إلا أن هذه العلاقة مشوبة بجملة من الإشكالات التي تتمحور حول مفهوم الالتزام في الشعر، فقد نظر النقد الحديث إلى الأدلجة بوصفها أحكام قيمة من خارج النص غالباً، وذلك بتأثير هيمنة السياسي والفكري على البنية النصية كما يقول عبد الله أبو هيف، وهنا جوهر الإشكالية، فالإيديولوجيا - بتعبير عز الدين إسماعيل - تمثّل تفكيراً أو موقفاً فكرياً محدوداً، في حين أن الشعر أفق طليق بلا حدود، فإذا نحن أخضعنا الشعر للإيديولوجيا فإن هذا يعني إخضاع المطلق للمحدود، أو إخضاع الحرية للقيود، ونحن بهذا إنما نضحي بالفن من أجل الفكرة أو الموقف. وهنا يبرز السؤال: ألا يمكن أن يتحقق التآزر بين الموقف الأيديولوجي والإبداع الشعري في سبيل إنتاج الجمال الفني؟
إن تعالق الإيديولوجيا مع الشعر يستلزم من الشاعر مهارة خاصة تُوازن بين الموقف الإيديولوجي والإبداع الشعري بحيث لا يطغى جانب على آخر، فالوعي الأيديولوجي- كما يؤكد شكري عزيز ماضي- لا يخلق أدباً وفناً، كما أن اللعب بالزخرفة والتشكيل وعدم الاهتمام بالفكرة يؤدي إلى فقدان الأدب لدوره وفعاليته.
إذن, يمكننا القول إن العلاقة بين الموقف الإيديولوجي والرؤيا الشعرية هي علاقة قائمة على مبدأ التأثر والتأثير، فالشاعر المنفعل بالموقف الإيديولوجي يغدو فاعلاً في رؤياه الصادرة عن هذا الموقف، وعلى الرغم من الانفصال الزمكاني بين الموقف والرؤيا؛ من حيث ارتباط الموقف بالحاضر والواقع، وارتباط الرؤيا بالمستقبل والحلم، إلا أن هذا الانفصال يتلاشى على مستوى الشعر إذا ما استطاع الشاعر ضبط استعلاء الموقف على الرؤيا، أو العكس، لتغدو المسافة بين الشعر والفكر مشحونة بالإشارات الدالة والانزياحات المكثّفة والمجازات المحفّزة التي تضمن للنص شعريته الجمالية وتُجنّبه الوقوع في المباشَرة الدلالية.
لا يمكن للشعر أن يكون تجريداً ذهنياً، ولا يمكن أن نقصر وظيفته على بعدٍ إيديولوجي صرف، ولذلك فإننا نرفض الإيديولوجيا بوصفها نصاً شعرياً، أما اشتمال النص الشعري على الخطاب الأيديولوجي فهو أمر مقبول- كما نحسب- إذا ما استطاعت شعرية النص النأي به عن النزعة الخطابية المباشرة، مستعينةً في عرض الأفكار باللغة الشعرية والصور والخيال، فالشعر رسالة إنسانية عظيمة تشتمل، فيما تشتمل، على أبعاد فكرية تُسائل الواقع بواسطة جملة من المواقف التي يتخذها الشاعر إزاءه، إذ تتماهى في هذه المواقف الذات بالموضوع.
وبعد, إن اشتمال الشعر على الإيحاء الخفي والغموض الشفاف ضرورة أساسية من ضرورات ارتقاء الخطاب الشعري نحو الجمال الحقيقي، فالشاعر لا يتوخّى في شعره الإفهام أو الإقناع بالمعنى المباشر لهاتين الكلمتين، وإنما غاية الشاعر هي الفهم الجمالي لنصوصه التي تستقي كلماتها من التجربة الشعورية والموقف الفكري في آن.