ستون عاماً على المسرح القومي

جوان جان- فينكس- خاص: 

صادف العام 2020 ذكرى مرور ستين عاماً على ولادة المسرح القومي الذي جاء تأسيسُه في وقت كان فيه المسرح السوري بأمسّ الحاجة إلى تجمّع يجمع شتات العاملين فيه والناشطين على خشباته في الفرق المسرحية الخاصة التي كانت منتشرة و بشكل خاص في مدينة دمشق، ومنها باتجاه باقي المدن السورية في جولات فنية كان الهدف منها ربحياً بالدرجة الأولى، باعتبار أن عدداً كبيراً من أصحاب تلك الفرق و العاملين فيها كان يعتاش من عمله في المسرح.. و بطبيعة الحال فقد أفرزت تلك المرحلة نجومها و أعلامها الذين كان لهم رصيد كبير عند جمهور المسرح و متابعيه و محبيه، و قد جاء تأسيس المسرح القومي مناسبة للعديد من المسرحيين للانضواء تحت جناح هذا الكيانجوان جان المسرحي الوليد، بينما فضّل بعضهم الآخر الاستمرار في تجربته المسرحية عندما لم يجد في طبيعة العروض التي قدمها المسرح القومي في سنته الأولى مكاناً له ولأسلوب تعاطيه مع فنّ المسرح.

من جانبه وجد المسرح القومي نفسه أمام تحدّ من نوع مختلف، فما هو موجود على الساحة المسرحية آنذاك كان عبارة عن عروض يغلب عليها الطابع التجاري الذي يذهب بالعرض المسرحي باستمرار نحو الكوميديا باعتبارها الوسيلة الأضمن لاجتذاب الجمهور، و غالباً ما كانت الأعمال الكوميدية المقدمة على مسارحنا مقتبسة ومستقاة من نصوص أجنبية كان أصحاب الفرق الخاصة (يشوّمونها) أي يعملون على نقلها من بيئتها إلى البيئة الشامية، في الوقت الذي كان فيه على المسرح القومي أن يخترق أسوار هذا النمط من العرض المسرحي الذي اعتاد عليه جمهورنا ليقدم نمطاً آخر يعتمد على الأعمال العالمية الجادّة و تعريف الجمهور بها و تقديمها كما هي دون حاجة لنقلها من جغرافيا إلى جغرافيا إلا في حالات نادرة.

لم تكن مسيرة المسرح القومي مفروشة بالورود، إذ مرَّ المسرح القومي بالعديد من الأزمات سواء على الصعيد الإداري أم على الصعيد المادي، و هذا الأخير ما زال يشكل العقبة الكأداء التي تقف في وجه تطور المسرح القومي، فالميزانيات المرصودة لعروضه سنوياً تبدو قاصرة عن الإيفاء بالالتزامات المترتبة على تقديم عروض مسرحية على درجة عالية من السوية الفنية.

و من جانب آخر ساهم بعض المخرجين الذين عملوا في المسرح القومي في تقويض العلاقة بين هذا المسرح والجمهور عندما حاولوا تقديم عروض لا ترضي سوى طموحاتهم الفنية الضيقة ذات الطابع الشكلانيّ بعيداً عما يمكن أن يرضي الذائقة العامة، بل وحتى الذائقة الخاصة، مما يدفع بالعديد من رواد المسرح الدائمين والطارئين إلى مقاطعة عروضه بعد عروض لم يكن همّها سوى صدم الجمهور من خلال الاستعلاء عليه، الأمر الذي يدعو إلى ضرورة التشدد فيما يتعلق بطبيعة النصوص التي يتم اختيارها من قبل المخرجين لتقديمها كمشاريع للمسرح القومي الذي اكتسب على مدى تاريخه الطويل سمعة طيبة من خلال تقديمه أقوى النصوص المسرحية المترجمة والعربية والمحلية، ومن حقه ومن واجب المسرحيين أن يحافظوا على هذه السوية.

إن مرور ستين عاماً على تأسيس المسرح القومي يجب أن يشكل دافعاً قوياً لكل العاملين فيه من إداريين وفنانين وفنيين للانطلاق به من جديد على أسس ثابتة وراسخة تأخذ بعين الاعتبار أن هذا المسرح يشكل الضمانة الأساسية ليبقى المسرح في سورية محافظاً على السوية الجيدة التي بلغها فكرياً وفنياً.