المردة الثقافيون

 علي الراعي- خاص فينكس:

يحدث أن ينشأ الكثير من الطغاة الثقافيين الكثير، والتاريخ الثقافي يشهد على تصنيع العديد من هؤلاء المردة، حيث وجدوا في ظروفٍ استطاعوا خلالها، أن يصيروا كأوثانٍ وأصنام، لهم عبيدهم الصالحين منهم، وغير الصالحين.

 وعلى مدى طغيانهم الطويل، ليس بالضرورة أن يأتي مقابلهم ذلك "النبي" الذي يحمل فأسه، ويُحطم تلك الأصنام الثقافية بلا هوادة، ودون خشية من نارٍ ستلتهمه، ولا طمعاً ببردٍ وسلام!!

ببساطة أن ذلك "الوثن"؛ هو من سيحطم نفسه، وبفأسه هو، وليس بفؤوس الآخرين، غالباً يُقدم على ذلك "الانتحار الثقافي" عندما يُمسي في أرذل العمر.‏‏

الساحة الثقافية السورية وحدها، شهدت الكثير من هؤلاء الذين جرى تصنيمهم وتوثينهم، وكان لهم مُريدوهم طول الوقت، وها هم اليوم يتهاوون وهم يحطمون أنفسهم، لاسيما مؤخراً خلال المقتلة السورية بسنواتها الدامية، ونحن نشهدهم بكامل الخيبة والمرارة ينقلبون على تاريخهم الثقافي، ويقدمون على تحطيم تلك الأوثان الثقافية لأنفسهم، وبفؤوسهم.‏‏‏

وهم اليوم عدد لا يُستهان به، بعضهم رحل، وبعضهم مايزال ينتظر.. هؤلاء الذين كذبوا علينا على مدى أكثر من نصف قرنٍ من السنين على أنهم "آلهة الثقافة"، وتمّ تصنيمهم من قبل الكثيرين؛ مؤسسات وأفراد، يتعبدونهم ويذكرونهم ليل نهار، وبكل (النوافل)، ولم يكتفوا بأوقاتٍ خمس فقط.‏‏‏

تحطموا عندما أطلقوا ذلك "السلفي" البغيض الذي كان محبوساً في دواخلهم، "كتابعة في قارورة"، ثم خلال الحرب على سوريا؛ لم يعد باستطاعتهم التحكم بإسكاته، أو جعله يبقى هادئاً حتى تنتهي سنوات أعمارهم كأصنام وأنصاف آلهة، فانطلق ذلك السلفي المتوحش يكشف عن صاحبه، ويحطمه، وكأن كائناً آخر ولد وخُلق للتو، وليس ذلك الساحر الجريء الذي وقف ذات زمنٍ جميل؛ في وجه الظلامية ونقد الفكر الديني، دون خشية من تكفيرية دينية، أو سياسية، وحتى اجتماعية.!‏‏‏

سنون طويلة، وهم "يطلعون من أنوفنا" صباح مساء على أنهم أباء العلمانية واليسار والشيوعية، وبرمشة عين؛ يصير شيخ وهابي أو عثماني، كتفاً إلى كتف معهم.. في ظاهرة تعجز العبقرية الإنسانية عن تفسيرها، وتعرف أسبابها..!‏‏‏

هنا يصير الصنم يتهاوى ويتآكل، رغم بقاء الكثيرين من الذين مايزالون يزعمون أنهم باقون على تخوم اليسار، يؤمنون بمولاهم الثقافي، و(القبضاي) من يستطيع أن يحاورهم، أو يُحاول أن يزيل الغشاوة عن أعينهم.!‏‏‏

قد يُصرح أحدٌ، ويقول أنت تتحدث بالعام، فهل من أمثلة على ما تقول؟ ربما قد لا يخطر بذهنه - إن لم يكن مُتابعاً - تلك الأصنام الثقافية، التي تجرأت يوماً ونطقت، ثم سكتت، حتى سنوات الحرب على سوريا، لتنقلب على كل ما جعلت (موالاتها) تؤمن بما قالت وتحدثت، هنا لن أذكر أسماء، ولكن لكم أن تفتحوا على قنوات العدوان ومطبوعاتهم لتقرؤوا في "واحة الديمقراطية، الديمقراطية المزعومة بشكلٍ عام والعثمانية بشكلٍ خاص" تصريحاتهم وأقوالهم، وما أقدموا على كتابته؛ لتعرفوهم حق المعرفة بوجوههم الجديدة.‏‏‏

يحكي أحد الروائيين: عن واقعٍ ثقافي تحكمه مافيا تافهة حيث "لابد لأي كاتب مهما بلغ من عبقرية من دفشة مافيوية، وفي حال طمح إلى مكانة، فلا مفر من تعاونه معهم، أي أن يكون عميلاً ريثما يضمونه إلى بطانتهم، وإلا كان مصيره السحق والمحق، وفي أحسن الأحوال؛ البقاء ناشئاً في عالم الأدب والإبداع، ولو بلغ من العمر عتياً.." واقع يبدو فيه المثقفون طغاة أكثر من أعتى طغاة العالم، ولو لم تجردهم الأقدار من الأسلحة الجارحة والنارية لما توانوا عن استعمالها.. ومع ذلك يبقون طغاةٍ صغار.‏‏‏

بمعنى أن (النشمي) يبدأ مُفكراً شيوعياً لا يشقّ له غبار الأديان، ونصير نقرأ منشوراته وكتاباته؛ ب(شبق) قراءة منشورات سريّة سياسية معلقة على الجدران، لكن لن يمضي الوقت طويلاً حتى نراه، وقد كوّع (3000) درجة كمنظر ديني وسياسي لجبهة النصرة، وبعد ذلك نكتشف تمويله من المملكة "الديمقراطية" السعودية، ثم نكتشف الصدمة الأخيرة، وقد انتهى مذهبياً في زريبته الدينية، أو أداة بيد المخابرات الأمريكية، يتوسل أمريكا لقصف ما يصفه (وطنه)..

حالات سورية (فكرية)؛ تقشعر لها الأبدان في خواتيمها..