مصباح ديوجين.. وفلسفة البرميل
علي المحرز:
ديوجين الأثيني، عاش خلال القرن الثالث قبل الميلاد، وكان يلقب بالكلبيّ، إما لأسلوب حياته، بالـ (Cynic) وهي كلمة إغريقية تعني بالإنكليزية (dog)، أو لأن برميله الذي يعيش فيه، كان في زاوية من زوايا ساحة الكلب المطلة على البحر وهي ساحة للصيادين وبياعي السمك، ويُذكر أن سبب الاسم يعود لمكان اسمه (الكلب السريع) كان الفيلسوف أنتستانس يجتمع فيه بتلاميذه. من هنا جاء اسم الاتجاه الفلسفي المعروف بالـ(Cynicism) أو الكلبية، في كلا الحالتين، لا ينسجم هذا الاسم مع روح هذه الفلسفة إذ الأنسب تسميتها الفلسفة الريبية أو فلسفة الشك.
أما الكلبيّ كما يقول "لالاند" في قاموسه الفلسفي هو: "شخص مستعد للهزء من الآخرين، أو للطعن عليهم، شخص يظهر ميلا إلى تحدي صحة أو قيمة دوافع الناس وأفعالهم، ومعتاد على التعبير عن ذلك بالهزء والسخرية والتهكم". أهم ما في الفلسفة الكلبية هو النقد الساخر لكل رواكد ورواقد الأفكار والمعتقدات.
عندما ذهب ديوجين ليتعلم الفلسفة في مدرسة الفيلسوف اليوناني أنتستانس (وهو أحد أتباع سقراط) وطلب منه أن يقبل به كتلميذ.. رفض الأستاذ، وعندما ألح ديوجين في طلبه، ضربه أنتستانس بعصاه، فقال ديوجين: "اضربني كما تشاء.. لكنك لن تجد أبداً عصاً أصلب من تصميمي على البقاء والاستماع لما تقوله.. طالما أنه يستحق الاستماع". وعندها أُعجب الأستاذ به وقبله بين تلامذته. ومنذ ذلك الوقت اعُتبر ديوجين أحد أهم الفلاسفة الكلبيين.
والكلبية هي أحد المدارس الثلاث التي تفرعت عن السقراطية(الرواقية، الأبيقورية، الكلبية)، لأنها أخذت بمبدأ سقراط القائل بأن الفضيلة (المعرفة) هي غاية الحياة وهي سر السعادة. أما السعادة فهي عندهم، المقدرة على التخلي عن كل شيء، وأنها تتحقق بالعيش وفقاً للطبيعة وعبر تحقيق الاكتفاء الذاتي بالاستغناء عن كل ما هو زائد عن الحاجة. ومن هنا يمكن اعتبار الكلبية، طريقة حياة أكثر من كونها نظام فلسفي. ترفض كل ما هو سائد من أعراف وقوانين وعادات وتقاليد ولم تكن نظرة الناس إليهم تهمهم في شيء.
كان ديوجين أشهر رواد هذا المذهب، وأكثرهم طرافة، لأنه كان يطبق نظريته عملياً، ليثبت للناس أن الفضيلة ليست مجرد نظريات فلسفية. وبما أنه لم يكن يملك أي شيء، فقد كان معتاداً على ضبط النفس والتقشف الصارم معرضا نفسه إلى البرد والحر الشديدين، مرتديا عباءة خشنة وبيده عصا ومحفظة صغيرة، ويعيش في برميل. عُرِف بازدرائه للغنى وذمه لمظاهر الترف والإسراف والتبذير، والاكتفاء بما يتفضل به الناس عليه من طعام.
كان يقول أنه فقط أولئك الذين اعتادوا على الحياة الناعمة، سيشعرون بالتذمر عندما يجربوا العكس. أما أولئك الذين اعتادوا على حياة خالية من المتع، فيبدو أنهم يجدون متعة أكبر في ازدراء مباهج الحياة.
تماماً كما يجد المحب قيمة ومتعة أكبر في البعد عمن يحب!
لم يكتب ديوجين الفلسفة، لذلك ليس بالضرورة أن كل ما قيل عنه يمكن ان يكون دقيقاً، والمؤسس الحقيقي لهذه المدرسة هو الفيلسوف أنتستانس، ويمكن تصنيفه مع ديوجين في خانة صغار السقراطيين بسبب نقدهم السلبي على عكس أفلاطون تلميذ سقراط. أفلاطون الذي وصف أنتستانس بأنه الشيخ البليد العقل.
مصباح ديوجين المضيء
أبحث عن رجل..
يقال أن ديوجين كان طوال حياته يحمل مصباحاً مضيئاً ويتجول به نهاراً بحثاً عن (honest man) وتترجم: (شريف.. محترم.. فاضل.. أمين.. مستقيم.. صادق.. صريح.. مخلص.. متواضع.. بسيط.. بريء)
بعض أقواله:
- سُئِل مرة: هل الموت شر؟
أجاب: كيف يمكن أن يكون شر.. ونحن لا نشعر به عندما يكون بيننا!
- سأله أحدهم: لماذا تدرس الفلسفة؟
فأجاب: ما أهمية أن تعيش.. إن لم تتعلم كيف تعيش بشكل جيد.
- رأى ذات مرة شاباً متأنقاً بشكل مبالغ به فقال:
هو حمقٌ للرجال.. وسذاجةٌ للنساء.
- سُئِل مرة: لماذا يتصدق الناس على المتسولين ولا يفعلون ذلك مع الفلاسفة؟
قال: الناس تتصدق على المتسولين لأنهم يخشون أن يصبحوا مثلهم.
لكن لا أحد يتوقع أنه سيصبح فيلسوفاً يوماً ما.
- سأل يوماً بخيلاً شيئاً من الطعام ..
فقال له البخيل: سأعطيك لو استطعت إقناعي
فقال ديوجين: لو كنت أستطيع إقناعك.. لأقنعتك بشنق نفسك.
- ذات مرة كان مسافراً فأمسك به قطاع الطرق وساقوه إلى سوق النخاسة لبيعه كعبد.. وعندما سألوه: ماذا بإمكانك أن تفعل؟
قال: أحكم الرجال.. بيعوني لمن يريد سيداً له.
وعندما سمعه أحدهم، أخذه إلى بيته وجعله معلماً لأولاده.
ديوجين وأفلاطون
كانت هناك عدواة بين أفلاطون وديوجين، حيث كان أفلاطون يمجّد المدينة الفاضلة وحكامها. وكان يرفض أي نوع من الآداب والفنون، إن لم يتغنوا بالحاكم والمدينة الفاضلة. أما ديوجين فقد كان يرفض كل هذه المظاهر الكاذبة وكان يسخر من المدينة الفاضلة، وينقد قوانين المجتمع والحضارة السائدة، وكان يعبّر عن رفضه هذا عملياً بأسلوب حياته.
ذات مرة رآه أفلاطون يغسل الخس(كان يفعل ذلك للحصول على لقمة عيشه)
فقال له أفلاطون: لو توددت للحاكم لما اضطررت لهذا العمل.
أجابه ديوجين: لو غسلت أنت الخس.. لما اضطررت لتملق الحاكم.
نعت أفلاطون مرة ديوجين بالـ ( dog ).
فأجابه ديوجين: هذا صحيح ... لأنني دائماً أعود إلى أولئك الذين يبيعونني.
كان ديوجين يقول عن محاضرات أفلاطون بأنها إضاعة للوقت، وذات مرة كان أفلاطون يحاضر بين طلابه ويعرّف الإنسان بـ(حيوان بلا ريش ويمشي على قدمين)، فدخل ديوجين حاملاً بيده(صوص) وقال: انظروا.. ها هو إنسان أفلاطون.
كان ديوجين يأكل تيناً مجففاً، فرآه أفلاطون وسمح له أن يشاركه بها، فتقدم أفلاطون وأكل التين.
فقال ديوجين: قلت لك أن تشاركني به لا أن تأكله كله.
ديوجين والإسكندر المقدوني
يقال أن الاسكندر مر يوماً بديوجين فوجده جالساً في برميله يستحم بأشعة الشمس، فوقف الاسكندر أمامه قائلاً:
- أنا الملك الإسكندر الكبير..
- وأنا ديوجين الكلبي ..
- ألست خائفاً مني؟
- هل أنت رجل صالح أم شرير؟
- بل أنا رجل صالح.
- ومن يخاف من الصالح إذاً؟
ثم سأله الاسكندر: هل تعيش في هذا البرميل فقط لكي تلفت انتباه الناس وإعجابهم بك؟
قال ديوجين: وهل فعلاً تريد أن تفتح بلاد فارس وتوحيد كل بلاد الإغريق. أم تفعل ذلك فقط لتنال الإعجاب؟
ابتسم الاسكندر وقال: هذا برميل مليء بالحكمة.
فقال ديوجين: أتمنى لو كان لدي بدل هذا البرميل المليء بالحكمة، نقطة واحدة من الحظ الجيد. للحكمة طعم مر، وأحياناً تودي بك إلى الهلاك، بينما الحظ يفتح لك أبواباً ويحقق لك سعادة ما كنت تحلم بها. أعجب الإسكندر، الذي يعرف جيداً معنى الحظ، بكلام ديوجين، ثم أخبره أن يطلب منه ما يشاء ليلبيه له. فأجابه ديوجين بهدوء: أريد منك شيئاً واحداً:
- إنك الآن تقف أمامي وتحجب عني أشعة الشمس، لذا لا تحرمني من الشيء الوحيد الذي لا تستطيع منحي إياه، لا تحجب شمسي بظلك.
- يقال أن الإسكندر تمنى أن يكون ديوجين لو لم يكن الإسكندر، وكما يقال أنهما ماتا في نفس اليوم. ديوجين عن عمر يناهز التسعين والاسكندر عن عمر لا يتجاوز الثلاثة والثلاثين.
و عندما قرر ديوجين الموت، منع الهواء من الدخول إلى رئتيه حتى مات.