الروائي الاسباني كارلوس زافون بين الأدب و الموسيقا
عماد الدين إبراهيم- خاص فينكس:
حين تصبح المكتبة فضاء روائياً لأحداث متشابكة، و يصبح الكتاب بطلاً رئيساً في العمل الأدبي، فلا شك أن لعبة ذكية و جذابة ستدعوك إليها، و أن لاعباً ماهراً و ماكراً سيُمسك بتلابيبك و سيأخذك إليه ليستنفد طاقتك حتى الرمق الأخير، و حتى الكلمة الأخيرة، و هذا ما فعله الروائي الاسباني كارلوس زافون في رباعيته – ملحمته الروائية "مقبرة الكتب المنسية" بكتبها الأربعة (ظل الريح – لعبة ملاك – سجين السماء – متاهة الأرواح).
منذ زمن بعيد لم أقرأ عملاً أدبياً بهذه الجاذبية و السحر، و القدرة على شدِّ القارئ، و لن يكون ذلك شدَّاً مجانياً و عبثيّاً، حيث تأتي الخاتمة مخيبة للآمال المتوقعة، بل هي نهايةٌ مشوِّقة تمهِّد لبدايةٍ جديدة، علماً أنَّ كلَّ كتاب من الكتب الأربعة يمكن قراءته كعملٍ روائيٍّ مستقلٍّ عن الآخر.
المكتبة، مكتبة سيمبيري و أبنائه، في رباعية كارلوس زافون مكان سفليٌّ غامضٌ مجللٌ بالظلمة و العتمة، أنفاق و سلالم، هي متاهة بكل معنى الكلمة، تقبع أسفل شوارع مدينة برشلونة، تسرح فيها الأشباح و الأرواح، أرواح الكتَّاب و القرَّاء و خيالاتهم و أوهامهم، برفقة الشخصيات الحقيقية التي تعمل في المكتبة، إنها بيئة مناسبة جداً لعمل بوليسي.
يقول الطفل دانيال: (لن أنسى أبداً ذلك الصباح الذي اقتادني فيه والدي إلى مقبرة الكتب المنسية، حدث الأمر في أوائل صيف عام 1945 كنا نمشي في شوارع برشلونة التي ادلهمَّت فوقها سماواتٌ من رماد، و انصبَّت الشمس من بين الضباب مثل إكليلٍ من نحاسٍ سائلٍ على حي "رامبلاس دي سانتا مونيكا".
- إياك أن تخبر أحداً بما ستراه اليوم يا دانيال. قال والدي: حتى لو كان صديقك توماس. (ظل الريح ص 13)
تبدأ الرواية من الدعوة للكتمان و كأن هناك سرَّاً يجب أن يبقى دفيناً في المكان و في الصدر أيضاً بين الأب و ابنه، يتابع وصف المكتبة: (كان البناء كمعبد غارق في ظلام دامس، متاهة من الأروقة و الرفوف العالية المكتظة بالكتب، خلية نحل هائلة مشيدة من أنفاق و سلالم و منصات و دعائم، مكتبة ضخمة معجزة في هندستها و بنيانها، نظرتُ إلى أبي و فمي مفتوح من شدة الذهول بينما كان يبتسم و يغمز، "أهلاً بك في مقبرة الكتب المنسية يا دانيال" ظلُّ الريح – ص 15).
فالمكتبة سرٌّ، معبدٌ، حرمٌ خفيٌّ، و كل كتاب فيها أو مجلد تعيش فيه روحٌ ما، و كارلوس زافون يطارد تلك الأرواح.. يلاحقها.. يستدرجها إلى صفحات رواياته التي لا يمكن تلخيصها، "فكيف يمكن تلخيص براعة اللغة، شعريةً كانت أم تقريريةً، كيف يمكن أن نلخص فرادة البناء و جِدَّته؟ أو تميُّزَ الأسلوب و غيرها من عناصر الرواية الجيدة" هذا ما قاله أحمد مجدي همام في تقديمه لرواية لا تحتاج إلى تقديم – ظلُّ الريح – ص 5.
كارلوس زافون يخط في رباعيته الروائية مجداً جديداً للرواية عموماً، و للرواية الأسبانية خصوصاً، متكئاً على إرث أدبيٍّ غنيٍّ، يعيد لهذا الجنس الأدبي ألقه و بهاءه، و يؤكد أن مستقبل الرواية كان و سيبقى غنياً و خصباً و حيّاً رغم كلِّ التقنيات العصرية المدهشة و إنجازات السينما و التلفزيون و وسائل التواصل الاجتماعي و بقية المنجزات التكنولوجية التي تسرق المرء من القراءة لتأخذه إلى فضاءاتها.
الملفت للنظر أن المؤلف لم يكتفِ بالكتابة الروائية، بل عمد إلى تسجيل و تدوين و عزف ما تناهى إلى سمعه من أصوات و موسيقى متخيَّلة و هو في خلوته الروائية، و هذه سابقة لم يلجأ إليها كاتب روائيٌّ آخر على حدِّ علمي، قال زافون في مقابلة معه، إن مقاطع موسيقية كثيرة كانت تتناهى إلى ذهنه و هو يؤلف " ظل الريح" فيجلس و يدوِّنها أو يقوم بعزفها، و قد قام بتنزيل تلك المقطوعات الموسيقية على موقعه، و زادت رغبتي و فضولي لسماع تلك الموسيقى بعد أن قرأت الروايات الأربع، و استمتعت بأجوائها و شخصياتها، فقد منحتني لذة كبيرة افتقدتها منذ زمن، و كلُّ مَن لديه إدمانٌ على القراءة يعرف هذا الشعور، و كم يشعر بالغبطة و السعادة حين يعثر على نصٍّ أدبيٍّ يلامس قلبه و يمسح الغبار عن روحه، و ينشر في نفسه و فكره متعة روحية خالصة تُعينه على الاستمرار في الحياة و تحمُّلها.
استمعت إلى موسيقى زافون المستوحاة من أجواء كتابته لـ"ظل الريح" و لاحظت أنها قريبة الشبه كثيراً بمقطوعة "أغاني الأندلس" للموسيقار الاسباني مانويل دي فايا، و يشعر المستمع بأن المزاج الموسيقي الذي انبثقت منه هذه الموسيقا واحد، حيث تدغدغ آلة البيانو المشاعر بشيء من الرشاقة، مع جملةٍ موسيقيةٍ مفعمةٍ بالتفاؤل و المرح و التأمل، كارلوس زافون أمتعنا برواياته و بموسيقاه، و هكذا يكون الأدب الذي ينعش المشاعر، لتأتي الموسيقى استكمالاً للذة التلقي قراءةً و سماعاً.