"إلى أين يا عايدة؟".. عن أهوال الحرب والنسيان الشاق
رزان عمران- خاص فينكس:
ألهمت حرب البوسنة والهرسك العديد من الكُتّاب فكرة الإضاءة على الصراع العرقي سينمائيا، عبر تناول جزئيات غالباً فيما يخص تداعيات الحرب، وأحياناً، محاولة تفسير ما حدث. وبينما قدم فيلما "بليفدير ٢٠١٠"، و"الوقت الضائع ٢٠١٧" ملامح من مجزرة سربرنيتسا، الفصل الأشد ترويعا، جاءت المقاربة أكثر تفصيلا ودراماتيكية في فيلم "إلى أين تذهبين يا عايدة؟"، الذي عرض لأول مرة في الخريف الماضي، وحصل على عدة جوائز في مهرجانات مختلفة، وصولاً إلى ترشيحه لأوسكار أفضل فيلم ناطق بلغة أجنبية.
توثّق الكاتبة والمخرجة البوسنية جاسميلا زابانيتش، القصة التاريخية بعيني المدرّسة "عايدة" ابنة سربرنيتسا، والتي تعمل مترجمة لدى الأمم المتحدة خلال سنوات الحرب (١٩٩٢-١٩٩٥) بين صرب البوسنة ومسلميها. إلا أن الفيلم يبدأ تحديداً من يوم ١١ يوليو/تموز ١٩٩٥، حيث البلدة تعيش آخر موجات النزوح الجماعي باتجاه مقر الأمم المتحدة، على اعتقاد أن ذلك سيكون أفضل من مصير من فروا باتجاه الغابات، وحيث عمدة سربرنيتسا يحاول في مباحثات يائسة، تترجمها عايدة، اعتصار تعهّد أممي شجاع وقاطع بحماية المدنيين، ليجيبه قائد الكتيبة الهولندية المشرفة على المنطقة: "أنا مجرد عازف بيانو"
ينبئ المشهد بالأهوال المقبلة التي خلفت نحو ثمانية آلاف ضحية. تتنقل عايدة بين النازحين المحتشدين داخل وخارج المقر الأممي باحثة عن زوجها وابنيها، مستميتة طوال الفيلم للحصول على استثناء لهم لاحتسابهم ضمن البعثة الدولية مثلها أملاً في نجاتهم، إذ تبيّن لها المصير المحتوم بعد سلسلة رسائل موحية بالعجز لقنها إياها ضابط هولندي لتترجمها لجموع المستغيثين. هنا أظهرت الممثلة ياسنا ديوريسيتش قدرة رائعة في أداء دور المترجم الذي يعيش الصدمة مرتين، مرة عند تلقيه الرسالة وأخرى عند ترجمتها للحشد الذاهل، مجبرا نفسه على اصطناع مظهر هادئ يتطلبه عمله في منظمة دولية.
في المقابل، يظهر قائد الوحدات الصربية راتكو ملاديتش (قام بالدور بوريس ايزاكوفيتش) كشخص مألوف ومرعب في الوقت ذاته، حريص على تفاصيل البروباغندا. يستعرض قوته وخطاب انتصاره أمام كاميرا ترافقه على الدوام. يهدي الأرض المحروقة للصرب، ثم يسأل ما اذا كان كرر كلمة "صرب" أكثر من اللازم، فيجيبه المصور بإمكانية التعامل مع ذلك بالمونتاج.
تتواصل تمثيلية "التفاوض" مع الخصوم بحضور القائد الهولندي، في مشهد هزلي اختُتم بتبادل للأنخاب احتفالا باتفاق اتضح أنه لم يكن اكثر من دعاية، وصولاً إلى المشهد الأكثر سوريالية، عندما يوزع الشوكولا والمياه الغازية على النازحين بعد إعلان "تسامحه" معهم، ثم فرزهم في الحافلات نحو النهاية المقررة لهم. وبين هذه المحطات المتوترة، تمرر المخرجة بسلاسة سلسلة من المواقف المؤلمة التي تذكّر بالتعايش المفقود، كاللقاء الودي الحذر بين عايدة وأحد طلابها، الجندي في قوات صرب البوسنة، واجتماع امرأة بوسنية بزميلها الجامعي الصربي في مشهد المفاوضات، وسَرَحان عايدة في ذكرى من الأيام الجميلة، مسابقة اختيار (أجمل تسريحة شعر) في البلدة، ذلك الحفل الذي ضم بعضاً ممن يحملون السلاح اليوم متأهبين للقتل.
تميزت بعض المشاهد بمونتاج معبر، كاللقطة المقربة للورود الصناعية على طاولة ملاديتش، لإكمال الديكور السلمي الزائف، ومشهد محاولة الضابط الهولندي طمأنة مسلمي البلدة بالقول انه سيمحو مناطق صرب البوسنة عن الخارطة، ثم نفض بيده رماد السجائر عن الخارطة حيث تقع سربرنيتسا تماما. أظهرت المخرجة حرصاً على محاكاة الصور والمشاهد الحقيقية التي جرى توثيقها من قبل، ومن ضمن ذلك خطابات ملاديتش الاستعراضية، والفرن الذي قُتلت صاحبته أثناء إعدادها الطعام، ومسرحية توزيع الخبز في المقر الأممي، وصولاً إلى بكاء جندي هولندي عاجز أمام مشهد فراق النساء لأزواجهن وأولادهن، في الوقت نفسه، لم تحاول المخرجة تخدير الجمهور بمشاهد الدماء أو العنف المباشر كما هو الحال عادة في الأفلام الحربية، بل عبرت عن حوادث القتل من خلال الروايات، أو أصوات الرصاص، كما حدث في مشهد المجزرة الأخير، عندما قال أحد القتلة: "الآن سيبدأ الفيلم فعلاً".
تكرس المخرجة فيلمها للمرأة البوسنية التي عاشت المأساة بكل أبعادها، ولا تأبه لتفسير أسباب ما حدث، بل تلفت النظر إلى السؤال المتكرر في جميع المآسي التي ما زالت تحصل (كيف حدث) على مرأى من العالم. ومن مشاهد رجوع عايدة إلى سربرنيتسا كمعلمة لأطفال لم يشهدوا أياً من الفظائع التي ارتكبها او عانى منها آباؤهم، يخطر السؤال الآخر حول مدى صعوبة النسيان والتجاهل وعودة التعايش في ظل الخسارات التي لا تُعوض، وغياب العدالة، وإنكار ما يستوجب العقاب.