المجتمع المغربي كما صورته الروايات الأدبية
عماد الدين إبراهيم- خاص فينكس:
سمحت لي الظروف أن أقرأ خلال الفترة الماضية عدداً من الروايات المغربية الصادرة في فترات زمنية متباعدة، يمكننا أن نقول إنها تغطي العقود الخمسة الأخيرة، بدءاً من رواية "الخبز الحافي" لمحمد شكري الصادرة عام 1972، ثم رواية "الشطار" و التي تعتبر استكمالاً لسيرته الذاتية، و رواية "صلاة الغائب" صدرت عام 1981 للكاتب المغربي الأصل، الفرنسي الجنسية و الانتماء الطاهر بن جلون، و روايتي "مخالب المتعة" 2009 و "الملهمات" 2011 لفاتحة مرشد، رواية "المغاربة" 2016 لعبد الكريم جويطي، و آخرها رواية "القوس و الفراشة" صدرت عام 2010 لمحمد الأشعري و التي انتهيت من قراءتها قبل أيام قليلة.
و أحسب أنني كونت فكرة عن المجتمع المغربي و ما فيه من سلبيات و إيجابيات، فالأدب كما قال المفكر الروسي جيورجي بليخانوف: "مرآة الحياة الاجتماعية"، أي أنه يقدّم للقارئ صورة عن المجتمع و البيئة التي عاش فيها المؤلف، و أبدع فيها، و متح منها إنتاجه الأدبي، لا يعني ذلك أن الأدب توثيق دقيق لصيرورة المجتمع و حركته، و لكنه ليس مفارقاً له أيضاً، و قد عبَّر عن هذه العلاقة الدقيقة بين الأدب و المجتمع الروائي الراحل عبد الرحمن منيف، حين وصف الرواية بأنها "تاريخ من لا تاريخ له، تاريخ المهمَّشين" و بالتالي يمكننا تكوين صورة عن المجتمع من خلال الأدب و الرواية خصوصاً.
تأكيداً لذلك، و في حوار صحفي مع الروائي المغربي – الفرنسي الطاهر بن جلون قال: "إن الكتابة تحتاج إلى واقع و خيال معا. و إذا نحن حكينا الواقع دون خيال فسيبدو كلاماً بسيطاً ومباشراً. لكن عندما تأخذ واقعاً يومياً و تدمجه في لعبة الخيال، يمكن أن تمّسَّ القارئ مباشرة، و أن تثيره أكثر مما يثيره الواقع. للرواية قدرة على معرفة روح الشعوب، و إذا أنت أردت أن تتعرف إلى روح المجتمع المصري ما عليك إلا أن تقرأ نجيب محفوظ، و إن أردت أن تقوم بزيارة إلى كولومبيا، أمكن لك أن تجعل من روايات غابرييل غارسيا ماركيز أفضل دليل سياحي".
بالعودة إلى موضوع المقال، الملاحظة التي تلفت انتباه القارئ للأدب المغربي هي انعكاس الفقر الشديد و الواسع لشريحة كبيرة من المجتمع، و هذا بدوره عامل لانتشار الكثير من المثالب التي تنتج عنه كالجهل و الأمية و الشعوذة و الدجل، و السرقة و النشل و الانحلال الأخلاقي، و كل هذه الآفات الاجتماعية موجودة و بكثافة في المجتمع المغربي و في الرواية المغربية، و بالتأكيد هذا لا يقتصر على الأدب المغربي، بل يسود في أدب عدد من الدول العربية التي يعاني أغلب سكانها من الفقر أو الإفقار، و ينعكس في أدبها.
لقد كان محمد شكري صادماً و مفاجئاً في روايته "الخبز الحافي" حتى إنها مُنعت في معظم الدول العربية بحجة جرأتها الزائدة، و قد صوَّر فيها البؤس و الفقر و التشرد و الصعلكة و السرقة، و حتى الانحلال الأخلاقي. فمشهد الولد المراهق الذي يأخذه العجوز الإسباني الثري في سيارته في جولة قصيرة ليُمارسَ معه فعلاً مُشيناً، مازالت حاضرة في ذهن كل من قرأ الرواية.
قال ذاك الولد حينها: "حوالي خمس دقائق يمصون خلالها للواحد شيئه و يعطونه خمسين بسيطة، هل كل من مثل هذا العجوز يمصون؟ حرفة جديدة تضاف إلى الحرفتين الأخريين: التسول و السرقة، أخرجت ورقة الخمسين بسيطة و فحصتها، أعدتها إلى جيبي، إن شيئي يمكن له أيضاً أن يرتزق ليُعينني على العيش. الخبز الحافي ص 107"، حتى الكاتب نفسه يعترف في حوار معه فيقول: "أنا إنسان عاش التشرد، و أكل من القمامة، فهل تنتظرون مني أن أكتب عن الفراشات؟"
الملاحظة الأخرى التي وجدتها في هذه الروايات هي العلاقات الجنسية الواضحة و الكثيرة و المتعددة لأبطال الروايات، و السهولة في ممارسة هذه العلاقات تحت مسميات كثيرة و عديدة، لا بل نجد الحديث عن المثلية الجنسية أيضاً، و هذا الموضوع مازال محفوفاً الحديثُ عنه بالكثير من المخاطر و الكتمان و الحذر أيضاً، فالمجتمعات العربية لم تتقبله بعد، و يبدو أن الإعلام الغربي و بعض الإعلام العربي اللاحق به، عَمَدَ و عن قصدٍ إلى تناول هذه الموضوعات و نشرها و الحديث عنها، و ليس ذلك لوجه الله كما يقال، بل مقصودٌ لغاياتٍ يعرفها من يقف وراء ذاك الإعلام، حتى الجوائز الغربية و العربية، تُمنح بسخاء لمن يكتب عن هذه الموضوعات، و قد تطرّق الأدباء المغاربة و بشكلٍ ملفتٍ للنظر إلى هذه الموضوعات في رواياتهم و أدبهم و لأسباب كثيرة، منها لنقل الواقع كما يرونه، و منها أيضاً أنها طريقٌ مضمون للترجمة إلى اللغات الأوروبية حيث يفضلون ترجمة مثل هذه الأعمال الأدبية.
المترجم المصري الذي رحل مؤخراً رفعت سَلَّام، لفتَ انتباهه أن الأعمال الأكثر ترجمةً في الغرب، هي القصص و الروايات الدرامية عن وضع المرأة المقهورة و المهمشة نفسياً و جسدياً، و هي أعمال يرى أنها تكرّس وجهة نظر الغرب عن الشرق المتخلف. و أكّد سلام أن الغرب يتعامل مع الأدب العربي كوثائق اجتماعية و ليس كأدب ناضج. و أضاف أن كتاب "ألف ليلة وليلة " الذي كان مصدر إلهام لعدد كبير من الكتاب الغربيين، لا يزال حاضراً بقوة في الغرب و بالتالي فإن الذائقة الغربية تفضل الأدب الذي ينحو هذا المنحى، أدب الجنس و الحريم و الغرائبيات و غير ذلك، و الملاحظ أن الكاتبات العربيات قد دخلن و بكل حماس إلى هذا الميدان بروايات جريئة فاقت ما كتبه الرجل و تجاوزته بأشواط، فأقلام النساء كانت أكثر جرأة و تفصيلاً و دقة في تصوير عوالم المرأة النفسية و الجسدية و الجنسية، و هذا الأمر يستحق مقالاً خاصاً.