محمد الماغوط الساخر حتى من السخرية

سلوى عبّاس- خاص فينكس:

يبدو الشاعر الراحل محمد الماغوط من خلال أعماله المسرحية والدرامية، رجلاً فكهاً مفعماً بالفرح، لديه جعبة من المسرات، ومصنعاً وفير الإنتاج للضحكات وأسباب الغبطة، وقد يظن البعض الذي لا يعرفه عن قرب أنه مجبول بطول البال والأناة والقدرة الدائمة على إضافة الهدوء والشاعرية على الوقت والأمكنة، وأنه يدخل البهجة دائماً إلى نفوس الآخرين، يسرّبها من بين أوجاعهم وهمومهم إلى السبل المودية إلى قلوبهم، هذا ما يلمسه من لا يعرفه عن قرب، لكن في الحقيقة الشاعر الماغوط كان شخص حزين مثقل بالأوجاع والهموم، هاو للنكد، صائد للابتسامات، يهادنه حزنه أحياناً ويصقل ابتهاجه بشفيف شاعريته التي تتبدى عادة في كلماته كضوء شاحب ينزف في روحه تراثاً من الوجع والاستكانات المؤلمة.

كان الماغوط يعرّف عن نفسه بعبارات "اسمي محمد الماغوط" أو "العصفور الأحدب" ووطني "غرفة بملايين الجدران"، "الفرح ليس مهنتي"، و"وجهي هو الكآبة"، فقد كان متمرداً على كل ما هو أعوج، ساخراً حتى من السخرية، متوحداً مع نفسه، يحب الحرية بكل صدق، تسيد المسرح العربي الحديث، وهو رائد أكبر تجربة سخرية سوداء عرفها العالم العربي في العصر الحديث، كان شخصاً متشائماً ولم يكن يرى سبباً واحداً يدعو للتفاؤل، و إن صدق الإنسان مع نفسه لا يفرض عليه أن يكون متفائلاً، لأنه بحسب معطيات الواقع كما كان يرى أن التفاؤل مرتبط بالكذب، وهو ضد الكذب.

كان يميل لقصيدة النثر أكثر من القصيدة الموزونة، وحول ذلك يقول: "أستطيع أن أكتب قصيدة موزونة خلال يومين وتكون أجمل من قصائد البحتري، لكنني لا أحب أن أوقع عليها اسمي، أما بالنسبة لقصيدة النثر فهي بقدر ما تعبر وبصدق عن تاريخ هذه الأمة تستمر وترسخ أسلوباً ونهجاً لذلك أميل إليها، ولو أنني لم أتعمد كتابة قصيدة النثر فقد عشت تجربة قاسية في السجون خرجت منها بمذكراتي التي كتبتها على ورق المحارم هرَّبت قسماً منها، وأحرقت البقية بعد إخلاء سبيلي، ولما رآها أنسي الحاج قال لي بأنها شعر نثري".

كان الماغوط شخصاً حياتياً يتميز نصه الشعري بموسيقا داخلية تحمل حميمية الحياة، لذلك خاف من الموت، وما الفوضى التي كان يعيشها إلا وجه آخر للهروب من الموت، وكانت مرحلة بيروت وعلاقته بمجلة شعر من أكثر المراحل التي تلح على ذاكرته، فقد كان يعتبر بيروت أمه الثانية، ودمشق أمه الأولى، أما سلمية فكان يعتبرها أم من تراب، ودمشق كانت ملاذه الذي استطاع فيها أن يحاور وجدانها، ووجدان الطبيعة، الربوة، الناس الفقراء والبسطاء، كان يشبه فيروز بقلة الكلام الذي يحكيه وغنى المعنى، وقد استفاد كثيراً من مسرح الرحابنة في تلك الفترة، واستثمر ماقدموه من أعمال في مسرحياته، فمثلاً سيارة ميس الريم المتوقفة تشبه "تراكتور" غربة إذ بنى عليها سخرية مؤلمة وممتعة بآن معاً.

في السنوات العشر الأخيرة تصدع جسد الماغوط، –حسب كلام من رافقوه بمراحل حياته الأخيرة- هذا التصدع الذي حوَّل اهتماماته الروحية إلى مادية بحالة أشبه بالطفولية تجاه الطعام والشراب، هذه الحالة أيقظت فيه ذائقة الطفولة الأولى، ذائقة القرية وأصدقائه الذين عاش معهم فيها. هكذا تحول اهتمام الماغوط الروحي والمشاغبات مع الأحلام والكوابيس، باتجاه المشاغبات مع الطعام والشراب، حتى أنه ترك المشي إلى مقهى أبو شفيق، وحتى إلى مقهى فندق الشام، وهذا كله بسبب خيبة روحية كبيرة مع الكتابة، إذ لم يعد يكتب، إذ كان يستوحي كل كتاباته من فارس الذي كان يقدم له طلباته في مقهى أبو شفيق.See the source image

 كان فارس يحب الماغوط الذي كان يستوحي منه إحساسه الجميل وأوجاعه التي قدمها في "غربة" و"ضيعة تشرين" و"كاسك ياوطن"، وتعود أسباب هذا التحول لدى الماغوط –أيضاً حسب المقربين منه في تلك الفترة- بالرجوع إلى الطفولة والحنين الأول من جانب، واستسلامه لكآبة الجسد التي عاناها لسنوات طويلة، بعد أن كان يحاور جسده، بالمشي، يحاوره بمجاورة نهر بردى ومن ثم تخلى عن هذه الحوارية، إذ كانت الطبيعة تهدي لجسده حرية خاصة، وعندما تخلى عن هذه الحرية بين روحه وجسده تحول إلى كائن منكسر كئيب ومفجوع بحريته التي أهدته إياها الطبيعة، تخلى عن هذه الحرية وهذه الشراسة التي عاشها مع وجدانه وكوابيسه وروحه لصالح فتنته بالمأكولات وهذا يخالف ما عرفناه بالماغوط، فالأديب كائن أحلام وتأملات، وهذا ما عاناه الماغوط في أيامه الأخيرة، هذا الشاعر الذي كان يمثل خليطاً من وطن بسيط وحب وقهر.

رافق الماغوط في سنواته الأخيرة ابن أخته الطبيب محمد بدور الذي كان معجباً بكتاباته، فأقام  معه يشرف على أدويته ويؤمّن له احتياجاته الحياتية، ويحدثنا عن علاقته بخاله، تلك العلاقة التي استمرت بشكل متواصل منذ عام 1998 حتى وفاته عام 2006، وعن التغيير الذي طرأ على حياته يقول د. محمد: "على الصعيد الإبداعي لم يتوقف عن الكتابة التي ظلت تشكل هاجسه الأول، فكثيراً ما كان يستيقظ في الليل ليكتب فكرة تراوده ثم يتناول رشفة قهوة ويعود إلى النوم، فقد كان موضوع الإبداع يؤرقه أكثر من موضوعه الشخصي، وقد علّق آمالاً كبيرة على مسرحية "خارج السرب" لكن الخيبة كانت حصيلته، بعدها نشر عدة موضوعات في مجلة الوسط، ومن ثم اعتزل من عام 2000 إلى عام 2001 لكن الكتابة بقيت ملاذه".

كنت أتحدث معه –يتابع محمد- بموضوعات حياتية وفكرية كثيرة كالأكل والطرب والسينما، كنا نتناقش بالأدب والحياة وكل شيء، فأنا رهنت لأجله حاضري ومستقبلي لأنه شخص لا يعوض، وأهم إنسانة بحياته كانت الراحلة سنية صالح، وبقدر ما كان نزقاً كان سلساً وطيباً حتى أنه يمكن أن يفتح قلبه ويتحدث بأوجاعه لأي إنسان يشعر أنه قريب منه، وقد بدأت عزلته بالتدريج عندما خسر مادياً، فأصبح  يبتعد عن الناس حتى دخل بحالة من الزهد، والشرود، وسيطرت عليه حالة من الحزن وكأنه يحمل حزن العالم كله، وكان يعتبر محبة الناس مسؤولية كبيرة ممنوع الغلط فيها.

تنوعت أعمال الماغوط بين فنون الأدب المختلفة ففي المسرح كتب: "ضيعة تشرين- غربة- كاسك يا وطن- شقائق النعمان- خارج السرب - العصفور الأحدب- المهرج".

وللسينما كتب: الحدود- التقرير

أهم مؤلفاته الشعرية: "حزن  في ضوء القمر-- غرفة بملايين الجدران- الفرح ليس مهنتي"- سأخون وطني، مجموعة مقالات- سياف الزهور- نصوص- شرق عدن غرب الله -البدوي الأحمر- العاشق المتمرد- اغتصاب كان وأخواتها. ورواية "الأرجوحة".

أعماله التلفزيونية: حكايا الليل- وين الغلط- وادي المسك

كما نال العديد من الجوائز هي:

جائزة "احتضار" عام 1958- جائزة جريدة النهار اللبنانية لقصيدة النثر عن ديوانه الأول "حزن في ضوء القمر" عام 1961- جائزة سعيد عقل- وسام الاستحقاق من الدرجة الممتازة- جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية للشعر عام 2005.

اليوم في ذكرى وفاته الخامسة عشرة نقول: "موت الشعراء مؤلم، وعلى الشعر أن يلبس ثوب الحداد على كل شاعر يرحل".