بانوراما شيخ البحر و مجذافه القلم

كتب يحيى زيدو- فينكس:

من لواء اسكندرون السليب في الساحل السوري على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، بدأت رحلة شيخ البحر "حنا مينه"، قاطعاً مسافات الشقاء حافياً نحو المجد.

"بلزاك الرواية السورية"، "زوربا الروائيين العرب"، "شيخ الرواية السورية"، و ألقاب أخرى كثيرة أُطلقت على "حنا مينه" الذي بقي اسمه أكبر من كل الألقاب. و ربما تماهى اسمه مع أسماء شخصياته الروائية، فعُرف بها، و اشتهر من خلالها.

من ينسى شخصيات مثل "زكريا المرسنلي" في "الياطر"، و"الطروسي" في "الشراع والعاصفة"، و"مفيد الوحش" في "نهاية رجل شجاع".. نماذج حيّة عن اشتباك التخييل الروائي بالتجربة الحياتية، ليختزل المسافة بين الرواية والسيرة الذاتية، معوّلاً على مفارقات الحياة وحماقاتها وطيشها، مصرَّاً على ضرورة إماطة اللثام عمّا هو مسكوت عنه في نص الحياة المتعدد القراءات.

ولد حنا مينه في (9 آذار 1924 )، و نشأ في أسرة فقيرة في حي "المستنقع" بمدينة اسكندرونة، وبسبب الفقر، توقف عن الدراسة بعد حصوله على الابتدائية عام 1936 وهي الشهادة الوحيدة التي حصل عليها.

يقول صاحب "المصابيح الزرق": "كانت أعلى شهادة حزت عليها "السرتفيكا" وبالكاد كان لدي "صندل" أنتعله في الشتاء، فيما أُمضي شهور الصيف حافياً".

لم يكن لوالده عمل ثابت يعتاش منه، مما اضطر "حنا" إلى العمل منذ نعومة أظافره للتخفيف من العبء على والده.

ومن بين ما رواه عن عمله، و هو يافع، في إحدى الكنائس في الاسكندرون قوله: "كنت أقوم بالخدمة في الكنيسة طوال أربع سنوات، أطفئ الشموع، أحمل الأيقونات، وأنام واقفاً أحياناً". عاش حياة بائسة بكل ما للكلمة من معنى. و يقول: "كنت أعاني البطالة والغربة والفقر والجوع وأحسد الكلب لأن له مأوى".

كما يروي شيخ الرواية السورية "إن الراحل الفيلسوف الدكتور عادل العوا، أستاذ الفلسفة في جامعة دمشق، سألني وأنا إلى جانبه في إحدى المناسبات: "دكتور حنا، من أي جامعة تخرّجت؟" أجبته بغير قليل من الجدية "من جامعة الفقر الأسود!" قال: "عجيب، أنا لم أسمع بهذه الجامعة!".حنا مينة 2

اشتغل"حنا مينه" في مهنٍ كثيرةٍ، من بحّار على المراكب، إلى أجير مصلّح دراجات، إلى مربّي أطفال في بيت أحد الأثرياء، إلى عامل في صيدلية، إلى حلاّق، إلى صحافي، الى عامل مقهى، وفي ملعب للتنس، وفي أحد الحقول. كما باع الجرائد قبل أن يبلغ السابعة عشرة من عمره، إلى كاتب مسلسلات إذاعية باللهجة العامية، إلى موظف في الحكومة ، إلى روائي، وهنا المحطة قبل الأخيرة.

في الخمسينيات، انضم حنا مينه إلى أسرة جريدة "الإنشاء" الدمشقية، محرراً تحت التمرين، مقابل مئة ليرة سورية في الشهر، فاضطر إلى أن يطلب سلفة عشر ليرات من صاحب الجريدة، وما إن حصل على المبلغ حتى توجه إلى مطعم قريب، للانتقام من جوعٍ متراكم.

في إحدى قصصه (الكتابة على الأكياس) يصوّر "حنا مينه" الظروف الصعبة التي ميّزت طفولته، وكيف جعل منه سوء التغذية صبياً نحيلاً غير قادر على القيام بعمل جسدي شاق، وحين أحس بضرورة مساعدة عائلته المعدمة مادياً، ذهب إلى الميناء، حيث اكتشف عدم قدرته على رفع الأكياس، فشعر بالأسى. وحين برزت حاجة لكتابة بيانات بسيطة على الأكياس اختاره «المعلم» لأنه يتقن الكتابة.

ويذكر في القصة أنه حين التقى «بمعلمه» في دمشق بعد مرور سنين طويلة، وكان بصحبته صديق يعرف كليهما، قال ذلك الصديق للمعلم: إن حنا كاتب معروف اليوم، قال ذلك الرجل البسيط: نعم، أعرف ذلك. لقد بدأ الكتابة عندي، على الأكياس!

استطاع حنا مينه أن يجمع بين السياسة والثقافة، واكتسب حب القراءة في المدرسة عن طريق بعض المجلات مثل مجلة "المكشوف". و في صالون الحلاقة الذي عمل فيه تعلم صياغة بعض النصوص المدرسية ونظم بعض المقاطع الشعرية، إلا أن الصحافة سرعان ما استهوته، فشرع في مراسلة بعض الصحف في دمشق وبيروت والقاهرة. وأصبح شيئاً فشيئاً صحافياً معروفاً. و كانت مقالاته السياسية شهادة على التزامه السياسي.

أدى عمله في السياسة إلى الرحيل إلى بيروت، ثم إلى المجر، وفرنسا هرباً من "المباحث" في نهاية الخمسينيات و بداية الستينيات، ويتذكر "حنا" النوم تحت الجسور في سويسرا، وأخيراً إقامته في الصين خمس سنوات، قبل أن يعود ليستقر في وطنه مجدداً.

كان له دور كبير في تأسيس "رابطة الكتاب السوريين" عام 1951، و في تأسيس الاتحاد العام للكتّاب العرب عام 1969.

حياته الأدبية

كانت قصة «طفلة للبيع» بمثابة البداية الأدبية له، و يجزم محمد دكروب رئيس تحرير مجلة الطريق: "إن قصة "طفلة للبيع" هي أول نصّ إبداعي يُنشر للشاب حنا مينه" الذي كان يعمل حلاقًا في دكان صغير في حيّ شعبي في مدينة اللاذقية".

كتب "مينه" باكورة أعماله الروائية "المصابيح الزرقاء" عام 1954 لتكون فاتحة أعمال أدبية بلغ عددها أكثر من أربعين رواية، وضعته في مقدمة المشهد الروائي العربي.

استفاد حنا مينه في روايته الثانية "الشراع والعاصفة" التي صدرت عام 1966 من العمل في البحر. و لهذه الرواية رواية، فقد ضاعت المخطوطة ثلاث مرات، ثم أرسلها من الصين إلى صديقه سعيد حورانية، فتاهت مرّة أخرى في البريد البحري بين شنغهاي وبيروت، لتصل بعد ثلاثة أشهر مبلَّلة، وأُنقذت المخطوطة على يد كوّاء قام بتجفيفها على مهل.

ولعل صاحب "الياطر" (أي مرساة السفينة) التي تعتبر من أجمل روايات البحر في الأدب العربي، هو من أكثر الروائيين العرب الذين كتبوا عن البحر والأجساد التي حرقتها الأملاح والشمس. وقد منح البحرُ حنا مينه إنجاز ثلاثيته الأولى "المرفأ البعيد" و"حكاية بحار" و"الدقل"، ثم تلتها روايات أخرى عن البحر و عوالمه.

إقامته في الصين خمس سنوات، تمخضت عنها رواية الصين الكبرى في ثلاثية تقع في ألف صفحة بعنوان: "حدث في بياتخو، عروس الموجة السوداء، المغامرة الأخيرة". رصد فيها واقع الصين في بداية الستينيات، والثورة الثقافية في بناء الصين الاشتراكية، في قمة الاضطراب والنكوص والإقدام والحماس، والخلاف الذي استحكم بين موسكو وبكين آنذاك.

كما كتب "مينه" رواية "الربيع والخريف" عن «بلاد المجر-هنغاريا» وعن الثورة المضادة فيها عام 1956.

أما رواية «فوق الجبل وتحت الثلج» فقد كتبها عن بلغاريا، و تحدث فيها عن سبب انهيار بنائها الاشتراكي عام 1990. و في "المرأة ذات الثوب الأسود" تحدث عن المجتمعات الغربية (الفرنسية والإنكليزية)، وما تعانيه من آفات ومشكلات اجتماعية من خلال شخصيتي مارغريت الفرنسية وسميث الإنكليزي.

و في "حمامة زرقاء في السحب" كشف عن الديمقراطية المزيفة التي وجدها "جهاد مروان" في كل من حي "سوهو" وحدائق "الهايدبرك" في لندن. أما في «الرجل الذي يكره نفسه» فقد كتب عن سبب انهيار الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي وصمودها في الصين.

تُرجِمَت روايات مينه إلى سبع عشرة لغة أجنبية، و أدرجت أعماله في الدراسات الأدبية في جامعات عربية و أجنبية. و اعتبر النقاد روايته "المستنقع" أنها "أعظم سيرة ذاتية في كتابة الرواية العربية". تحولت بعض رواياته إلى أفلام سينمائية حصدت جوائز هامة، و مسلسلات تلفزيونية حصدت إعجاباً شعبياً كبيراً.

لكن الموضوع الرئيس الذي ظل يشغل حنّا مينه ككاتب روائي طوال حياته هو البحر و عوالمه، و الصراع الطبقي وثنائياته المتناقضة: فقر-غنى/ ظلم-عدالة/ حرية- قهر..الخ.

يحلو لـ"حنا مينه" أن يصف نفسه بأنه "كاتب الكفاح والفرح الإنسانيين"، و يضيف: "مهنة الكاتب ليست سواراً من ذهب، بل هي أقصر طريق إلى التعاسة الكاملة".وصية حنا مينة

وعن البحر يقول مينه: "إن البحر كان دائماً مصدر إلهامي، حتى إن معظم أعمالي مبلًّلَة بمياه موجه الصاخب، وأُسأل: هل قصدت ذلك متعمّدا؟ في الجواب أقول: في البدء لم أقصد شيئاً، لحمي سمك البحر، دمي ماؤه المالح، صراعي مع القروش كان صراع حياة، أما العواصف فقد نُقشت وشماً على جلدي، إذا نادوا: يا بحر أجبت أنا! البحر أنا، فيه وُلدت، وفيه أرغب أن أموت.. تعرفون معنى أن يكون المرء بحّاراً؟"

و يتابع: "أمنيتي الدائمة أن تنتقل دمشق إلى البحر، أو ينتقل البحر إلى دمشق، أليس هذا حلماً جميلاً؟! السبب أنني مربوط بسلك خفي إلى الغوطة، ومشدود بقلادة ياسمين إلى ليالي دمشق الصيفية الفاتنة، وحارس مؤتمن على جبل قاسيون ، ومغرم متيّم ببردى، لذلك أحب فيروز والشاميات".

و كما كان شغف مينة بالبحر كبيراً، كذلك كان شغفه بالمرأة و حبُّه لها ، يقول: "لو خيروني بكتابة شاهد على قبري، لقلت لهم اكتبوا هذه العبارة، المرأة.. البحر.. وظمأ لم يرتوِ".

في أوائل الثمانينيات، أطلق نبوءته الشهيرة: "ستكون الرواية العربية ديوان العرب في القرن الحادي والعشرين". بدت هذه النبوءة حينذاك مجرد صيحةٍ في وادٍ. التقط النقّاد الفكرة، وانتشرت مقولة "زمن الرواية" على نطاقٍ واسع، وإذا بجيل جديد يبزغ في المشهد الروائي العربي. بعض هؤلاء عاجل إلى "قتل الأب"، و كان "مينه" في مقدمة الآباء المقتولين.

في (21 آب 2018) رحل "حنا مينه" الحلاق الذي ملأ رؤوسنا بالحكايات، حمل شيخ البحر مجذافه- القلم و غادرنا، تاركاً خلفه عالماً من الجمال و البهحة الذَين عمّدهما بموهبته و شقائه في آن.

و قبل أن يغادر كتب وصيته بخط يده، طالب فيها بعدم نشر خبر وفاته عند حصولها: "عندما ألفظ النفس الأخير، آمل، وأشدّد على هذه الكلمة، ألا يذاع خبر موتي، في أية وسيلة إعلامية، فقد كنت بسيطاً في حياتي، وأرغب أن أكون بسيطا في مماتي".

و كأنه أراد أن يقول: أنا لم أمت.. أنا لن أموت.. أنا أرتحل فحسب.