يحيى زيدو: بوابات الضوء

(ياللجَرْوِ الحقير!
إنه لا يكفّ عن ادّعاءِ الألم
لأنّ أسيادَهُ «الحقيرين» قالوا له:
واصِلِ التألُّمَ قدر ما تستطيع
كي يظنّ العالمُ، كلُّ العالم،...
أنكَ تتألّمُ مِن أعدائنا «الحقيرين»)-
نزيه أبو عفش

الألم و المعاناة و الوجع عتباتٌ تقود إلى بواباتِ الضوء و الأمل..
الألم سواء كان جسدياًّ أو نفسيّاً، روحيّاً أو فلسفياًّ لا بد من معاناته للولوج إلى عَتَبَتِهِ، ليصبح الوجعُ معيارَ و مقياسَ المعاناةِ المتأتِّيَةِ من الألم.
الشعور بالألم قد يكون محدوداً و محدّداً بموضوعه لكنّ طيف الوجع أوسع لأنه يشمل الألم و المعاناة معاً من جهة، و يفتح نافذة الرجاء للخروج منه نحو ما ينفيه من اللَّذة أو الغبطة من جهةٍ أخرى.
هل يحقُّ لأحدٍ أن يتنازل عن ألَمِهِ الخاص، أو يؤجِّله من أجل التفكير بآلام الآخرين و أوجاعهم؟ هل يحقُّ لأحدٍ أن يُغيّر موضوع ألَمِهِ ليخدع الآخرين بألم مُبْتَكَرٍ أو مُصْطَنعٍ؟ و هل يحقُّ لِمَنْ كان سبباً في الألم أن يُلزم غيره بتغيير اتجاه الوجع إلى أحدٍ آخر؟
لماذا يتحوّل الألم الذي يعانيه البعض إلى لذّةٍ لآخرين متسلّطين أو مسيطرين عاطفيّاً أو أخلاقيّاً أو سياسيّاً أو دينيّاً؟ هل لأنَّنا افتقدنا المعنى الإنساني للحياة لصالح معانٍ زائفةٍ ذاتيَّةٍ محضةٍ حوَّلت الإنسان إلى شيءٍ ليس له كينونته و لا ماهيّته الخاصة  التي يُعْرَفُ بها باستقلالٍ عن محيطه القطيعي و غرائزه البهيمية؟ أم لأن الإنسان قتل صورة الإله فيه ليضع صورته الذاتيَّة مكانها؟
قيمة التفكير بالألم  – في اعتقادي- أنّه يحيلُ إلى ضروبٍ من التشاركيّة مع آلام الآخرين، ليكتسب منها هُويَّتَه و فردانيته كخطوةٍ أولى لولوج عتبة الأمل. فلنفكِّر  بالألم، و لنؤمن بما نفكَّر به بقدر ما نستطيع، و بأعمق ما نستطيع لعلنا نكتشف الدروبَ التي تحيلُ إلى (تخارجيَّةٍ) مبتكرةٍ من الألم إلى الفرح و الغبطة. و ليكن الألم مفتاحاً للتفكير بأن الحياة أعطتنا دروساً مُكْلِفةً لكنّها ليست مجانيةً حول معنى الفرح و اللّذة و السعادة. و لتكن الحياة مقدّسة أكثر من تقديس الموت من أجل الحياة.

(وأنت تعدّ فطورك، فكّر بغيرك
لا تنسَ قوتَ الحمام
وأنت تخوض حروبَك فكّر بغيرك
  لا تنس من يطلبون السلام..)- محمود درويش