من قتل الغزال المقدس؟!

آس يوسف غاله-خاص فينكس

هل للدم القدسيّ أن يُنْبِت سوى شقائق النعمان؟!

وهل للثرى الظمآن أن يُسقَى سوى بقطرات قرمزية بلون الشفق الآيل للغروب؟!.. هناك عند حدود المدى المتعَب، حيث مرقدُ الشمس المحتضَرة.. وحيث انتظارٌ لفجرٍ قد لا يجيء..

تقول الأسطورة إنّ خنزيراً برياً قتل أدونيس إله الربيع والخصب وحبيب الإلهة فينوس (أفروديت)؛ فبكت فينوس وامتزجت دموعها مع دماء أدونيس، وروت الأرض لتبنت فوقها شقائق النعمان.

وتقول أسطورة أخرى إنّ أجاممنون قائد الجيش الإغريقي في حرب طروادة، قتل غزالاً في غابة الإلهة أرتيميس (إلهة الصيد والبراري)، فغضبت أشدّ الغضب، وهي التي حَرّمت الصيد في غابتها المقدّسة، فما كان منها إلا أن أوقفت الريح فمنعت سفن أجاممنون من الإبحار لإكمال طريقها باتجاه طروادة.

ولكي تسمح للريح بالهبوب من جديد، اشترطت أرتيميس على أجاممنون أن يقدّم أضحية غالية جداً، هي روح ابنته الكبرى إفيجينيا مقابل الغزال المقدس!.

رضخ أجاممنون لإرادة أرتيميس، وقدّمت إفيجينيا نفسها كأضحية عن طيب خاطر..

غريب جداً كم تتشابه الأساطير مع الواقع، وكم نتماهى مع شخصيات ربما لم توجد يوماً سوى على الورق، لكننا مع ذلك نتقمّص أدوارها ونعيش مآسيها وأحزانها وتضحياتها دون أن ندري.

عالم من الأساطير الدموية نعيشه منذ آلاف السنين، نُعيد صياغَتَه وتلوينَه وحَبْكَ سيناريوهاته بأسماء وشخصيات وصور جديدة، نسقطها على واقعنا الغارق بالدماء.

شخص ما قتل غزالاً مقدّساً منذ عشرة أعوام، فسكنت الريح لتوقف سفينتنا عن الإبحار، بل لتعكس اتجاهها تماماً، فتسير عكس المنطق، ويكون اتجاه الزمن فيها للوراء، في وطن امتلأ جسده المتعب بآلاف الجراح.

عشرة أعوام مضت كأنها حبل مشدود بين جبلين، يسير عليه شعب بأكمله محاولاً الوصول إلى ضفة الأمان، فاقداً عشرات الآلاف من الأرواح التي سقطت إلى الهاوية، ولم يكن مَن وَصَلَ إلى نهاية الحبل بأكثرَ حظاً ممن سقط.

شعب بأكمله كابد الويلات مما لا يتصوّره عقل ولا منطق، ومما لم يأتِ التاريخ بمثله من مآسٍ ومشاهد تقشعر لها الأبدان ويشيب بسببها الرضّع.

عقد من الزمن وَصَمَ جبهتنا بعار التفكك ليُسقِط الأقنعة عن وجوه الآلاف من أحفاد يهودا الإسخريوطي، الذين قلبوا وجه التاريخ، وحوّلوا سوريا التي كانت يوماً واحدة من أكثر بلدان العالم أماناً وجمالاً وخيراً ووفرة، إلى أكثر بلد في العالم -بلا منازع- خطراً ودماراً وجوعاً!!.

في كل بيت حكاية (لأدونيسها) الذي اغتاله خنزير بريّ ما، بشكل أو بآخر، فمن لم تقتله الحرب، اغتالته الغربة، ومن لم يُخطَف أو يُجرَح أو يُفقَد؛ نَفَتْهُ الحياة إلى ما وراء ستارٍ أسودَ من المجهول، فلا مستقبلَ يحلم به، ولا أمسَ يعود إليه، ولا واقعَ يستطيع أن يعيشه دون أن يكابد القهر والألم والدموع في هذا الوطن المتعَب.

هذا الوطن الذي يبلغ آلافاً من العمر وآلافاً من المجد وآلافاً من الجرح الممتد إلى ما قبل أن تكسو دماءُ المسيح صليبَه الخشبي.. وقبل أن يَضُمَّ الثرى دماءَ الحسين.. وقبل أن تُولَد شقائقُ النعمان على قبر أدونيس..

هذا الوطن المولود من رحم الحضارة الأولى، من حروف أوغاريت وسفن فينيقيا وأعمدة تدمر.. وطن أبولودوروس الدمشقي، وأبي العلاء المعري، وزنوبيا وأورنينا..

أصبح هذا الوطن اليوم أشبه ما يكون بمعبد بل، أثراً بعد عين، شاهداً على تاريخ تدميره، ويلفّه السواد والأسى من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه، ومن شرقه إلى حدود البحر في غربه.

كم إفيجينيا قدّمنا على مذبح هذا الوطن؟!.. كم من آلاف الأرواح البريئة قدّمت بدلاً من غزال ما في غابة ما؛ لا بقاء فيها سوى للوحوش؟!

في الذكرى المشؤومة لأول شرارة للنار التي أحرقتنا؛ نتضرّع لله أن يرأف بهذا الوطن وهذا الشعب، وأن يوقف نبع الدماء ويطفئ نار الحرب، لعلّنا ننعم ببعض الحياة، فقد اكتفينا من هذا الجحيم، ودفعنا جميعُنا الثمن غالياً بدلاً من كل أحمق قتل غزالاً مقدساً..