كائناتُ الوهم اللذيذ.. والمرايا!
جواد ديوب- خاص فينكس
كتبتُ يوماً في دفتر ملاحظات قديم قولَ أدونيس: "إنْ كنتَ لا ترى وجهكَ إلّا في المرآة؛ فأنتَ لا تراه"، وكتبتُ بعدها الجملة التالية: "وإنْ كنتَ لا ترى إلّا وجهَكَ في المرآة فأنتَ لا تراه" وبحثتُ طويلاً لأعرفَ إنْ كانت الجملة الثانية لأدونيس أيضاً، لكنني لم أعثر عليها في أيٍّ من كتبه فانتهيتُ إلى أنني أنا من كتبتها تحت تأثير سِحره الآسر.
وكلما قرأت قولَه أطوفُ على غيمة ذكريات فأرى نفسي مراهقاً أقف أمام مرآة غرامياتي العذريّة المرحة، ألمّعُ شعري، أصفّفُه وأعيدُ ترتيبه، أطيلُ الوقوف وأكرّرُه عشرَ مرات في اليوم الواحد إلى درجةٍ تجعلُ جدتي "غزالة" تؤنبني بضحكةٍ مُلغَزةٍ: "يا ستّي لا تطلّع بالمراية كتير بعدين بتجنّ"!
يا إلهي.. أيُّ تبصُّرٍ هذا؟ أيّ كلامٍ فلسفيّ.. كأنّ جدتي اختزلتْ بقولها حكمةَ أسلافها من حكماء عرفوا معنى الجنون كتجربة فقدانٍ للذات/للشخصية، كتفتّتٍ لـ"الأنا" وهي تواجه أشباحَها، كانفراطٍ لمعنى الكينونة إذْ تُسلّطُ على مِحرَقِها أشعّةُ التأمل فتحيلها رماداً أو بقايا نفسٍ واهمة.
الشاعر عابد اسماعيل في كتابه "أشباح منتصف النهار/دار التكوين" ينسج قصيدةً من نسْغ المعنى في قول أدونيس المفتاحيّ ذاك، فيقول: "حين أنظرُ إليكَ في المرآة لا أرى وجهَك. أرى صوراً كثيرةً تتناسخُ وتتعدّد (...) ولأنكَ مرايا كثيرةٌ تهرعُ الهلوساتُ داخل ذاتكَ المجلوّةِ كمرآةٍ (...) أيها المُدجّجُ بالمرايا. احذر أنْ تطأ قدمُك النجمةَ التي هوتْ على الرصيف. النجمةُ أيضاً روحٌ ارتفعتْ إلى شاهقِ بلوّرها وها هي تهوي الآن فوق ساحة الأمويين مضرّجةً بدمائها".
ويقول الشاعر محمد عضيمة: "المرايا، كما تعرفون، هي للتحقق من سلامة الوجه والملامح، من سلامة الابتسامة،المرايا للسعادة وليست للحزن وفق الأعراف النفسية.. فالحزين لا يودُّ رؤيةَ وجهه الحزين.. الحزين يعرف أنه حزينٌ من دون مرايا.. وعندما نقف قدام المرآة فنحن سعداء. نحدّقُ، ما استطعنا، إلى كلِّ تفصيلٍ في الوجه وما يتصل به.. نحدِّق إليه ونتأكد منه (...) تُعلّمُكَ المرايا أنْ تعرفَ نفسك أولاً قبل أن يعرفك هو أو هي أو هم. فَكَمْ سؤالاً تطرح على نفسك أثناء الوقوف قدَّام المرآة، وكم صديقاً يخطر في البال؟".
انتبهتُ الآن وبشكل مفاجيء إلى أنّ معظم الاقتباسات التي استعرتُها أو استعنتُ بها هي من الشعراء. كأنّ هناك طاقة كونية غير مرئية، إنما محسوسة بشكلٍ غرائبي، تصِلُ بين الشعراء والمرايا.. هل أقول بين الشعراء "النرجسيين" والمرآة باعتبارها سطحُ البحيرة التي تمرأى بها "نرسيسُ" الأسطورة فغرِقَ -من خُيَلائه- في نفسِه؟!.
لكنّ الشعراء الحقيقيين أبعدَ ما يكونوا عن غرور أو نرجسية المتفاخِر المجّانية. هم أقرب إلى فروسية الغنائيين العاطفيين الذين يودّون لو يحضنون الكونَ في مرايا ذواتهم فيعيدوه لنا بعين الأوهام اللذيذة والأملِ العنيد والخيال الجامح.. لا بعدسة الواقع المقعّرة!
مرآة الأعمى!
المِرآةُ لا ترانا.. المرآة تنسخُ المظاهرَ وتُكرّرُ الأشياء على طريقتها. لكنْ بالنسبة إلى شاعرٍ يُدعى "إنريك بانشيز" تصبحُ المرآةُ كما لو أنها كائنٌ يرى ويشعر ويتذكّر. يقول:
"المرآةُ سخيّةٌ ووفيّةٌ في انعكاسها. حيث المادة الحية معتادةٌ على أن تكون مَظهراً. تشبه ضوء القمر في الظلام. للّيالي تبتكرُ أبّهةً، ذلك الوضوح العائم للمصباح؛ والحزنَ تلك الزهرة التي تحتضر في الأصيص وتحني رأسها داخل المرآة أيضاً.. وربما تأملُ أنه في يومٍ ما سوف يحيا في وهمِ سكينتها الزرقاء الضيفُ الذي يتركُ منعكِساً على صفحتها جباهاً متلاصقةً وأيادٍ متصالبة".
وفيما يبوح لنا "بانشيز" بمتعةٍ مشوبةٍ بذكرياتٍ آفلة عن مرآةٍ وفيّةٍ تختزنُ انعكاسَ صورتِه الحميمة مع حبيبته (جباهاً متلاصقة وأيادٍ متصالبة) نجدُ أنّ الشاعر الأرجنتيني الأعمى "خورخي لويس بورخيس" ترعِبُه المرايا إلى درجة أن إحدى أقسى كوابيسه المتكررة هو "حُلمٌ متعلق بمرآةٍ وقناع" إذ يرى نفسه معكوساً في مرآة، لكنّ الانعكاس يرتدي قناعاً يخافُ أن ينزعَه فيرى وجهه الحقيقي الذي يتخيله مرعباً ومليئاً بحبّات الجدري أو بشيءٍ من الجُذام!
يقول "بورخيس" في إحدى قصائده ربما ليخفّفَ من ألم لياليه الكابوسيّة تلك:
"لا أعرفُ الوجهَ الذي يلتفّتُ إليَّ عندما أنظرُ في المرآة...
كما لا أعرفُ ذاكَ الرجلَ العجوزَ
الذي يتآمر في ألقِ المرآة صامتاً مع غضبه المتعب
بطيئاً في ظلّي
بيديّ أتلمّسُ ملامحي اللامرئية (...)
ألجأُ إلى الحروف والوردة.. إلى تجوالاتي...
أعتقدُ لو أنني كنتُ أستطيع أن أرى وجهيَ
كنتُ عرفتُ من أنا في هذه الظهيرة النادرة"!
مرايا عجائبية!
ولعلّ من أوائل المجانين العباقرة الذين استلهموا المرآة وانعكاساتها السحرية في السينما كان المخرج "أورسن ويلز" في فيلمه "سيدة من شانغهاي" حيث تعكسُ عشراتُ المرايا صورتَه وهو يُعانق "ريتا هايوورث" بطلة فيلمه وزوجته في (أربعينيات القرن الماضي) لتبقى هذه الصورة إحدى أشهر اللقطات كأيقونة سينمائية مع لمسة "الإيروتيكيا" الكامنة فيها!.
وفي الفن التشكيلي نتأملُ لوحةً نادرة للفنان "آلان غيلبرت"(1873-1929) بعنوان "all is vanity" لامرأةٍ تجلس أمام مرآة زينتها لكننا إن نظرنا إليها عن بعد لنرى انعكاسَها مع ظلالها وهيئتها الكاملة كما لو أننا أمام جمجمة بشرية ضخمة أراد الفنان أن يُظهر فيها أنّ الغرورَ والتبجّحَ البشري "باطلُ الأباطيل"!
أمّا الأكثر طرافة هو نادرةٌ شعبية عن رجلٍ من قبائلِ القطب الجنوبيّ يرى المرآة لأوّل مرّة في حياته فيُغمى عليه وينهارُ من شدّة الذعر!
مرآة السعادة!
ولأننا دخلنا باب الحكايات سأحكي لكم باختصار ما جاء في إحدى المرويّات الإسبانيّة:
يقولون إن نبيلاً من النبلاء التهبَ قلبُه بالحب يوماً، وفشل حتى فكّر بالانتحار.. لكنهم نصحوه أن يترهّب، وهناك في عزلة الدير عرِفَ العزاءَ من الحب.. لكنّ اليأس بقي يمزّقُ كبده. وذات مساء رفَّ في مِحرابه مَلَكٌ قال له: لا تيأس، تستطيع أن تجدَ الفرحَ على الأرض.. عندي طلسم له. لكنْ عِدني أن تتبع تعاليمي ستة أشهر فقط.. (أعدك. أعدك يا مَلكي) فأخرَجَ المَلَكُ من أجنحته مِرآةً وقال: هذه المرآة السحرية تصبُّ البلاء على من ينظر فيها متجهّماً، لكنها تمنحُ الفرحَ للمبتسم. ألْقِ عليها ابتسامةً كل صباح!
وفي الصباح التالي سمعَ الرهبان غناءَ صاحبِ المرآة يهزُّ سكونَ الدير.. وسمعوه أيضاً في الأيام التالية. فقلّدَهُ الآخرون.. ولم يمضِ شهرٌ حتى شعَّ الديرُ كلُّه بالفرح.. اضطربَ كبير الأساقفة، وقرروا التخلص من صاحب المرآة بإرساله إلى دير الظلام.. لكنْ حتى هناك تكررت عدوى الفرح حتى حُكِمَ بالموت على الرهبان الذين انضموا لصاحب المرآة في غنائه.
ثم التقت أرواحُ الجميع في الجحيم بما ارتكبوه من خطايا سابقة.. لكنّ غناءَهم كان يغطّي على صوتِ حِمَمِها وهي تفور.. بل طربت كهوفُها بالغناء الآسر للرهبان وهي لم تسمع من قبل سوى الصراخ الممزق وعويل الدموع.. وتناهى الغناء إلى سدرة المنتهى حيث اشتكى إليه الحاقدون، فقال لهم: دعوهم..دعوهم..لا تُحطّموا لهم المرآة فقد استحقّوا السعادة.
وتنتهي الحكاية بقول الجدّة لأحفادها: وهكذا أترون يا أطفالي.. إن الابتسام والفرح في وجوه بعضكم وأمام المرآة ينتصرُ حتى على الجحيم!