""أنا دمشق..."

ليندا إبراهيم_فينكس:
 
لن أنسى ما حييتُ، تلك الأيام، من ربيع وصيف العام 2013 حيث كنت أشارك في مسابقة الشعر العربية المعروفة بـ "أمير الشعراء" على أرض دولة الإمارات، وأكثر ما كان يميز ذلك "الموسم"، الموسمَ الخامسَ منها، أنه أول موسمٍ يأتي بعد اندلاع ما سُمِّي وقتذاك "ثورات الربيع العربي"، والتي كشفت فيما بعد عن وجهها الرجعي الوحشي الظلامي المأزوم الحاقد على البشرية، والفكر، والعقل، والانفتاح، والاعتدال، والتسامح، وكيلا أذهب مذهب السياسة في هذه العجالة، أعود لمضمار الوطن، والقول بأن تلك المسابقة هي التي وضعتني في أول احتكاك عربي ودولي في حياتي وشخصياً بأي مواطن "موريتاني" وكان ذلك عبر شعراء أتوا للمشاركة، لا أنسى بعد جلسات التعارف الأولى كيف تقدم أحدهم مني ليقول لي كيف حال سورية وأعلن عن موقفه السياسي آنذاك من بلدي، مع أنني لم أتعاط السياسة مطلقاً، وبالعموم فأنا ذاهبة لمشاركة "وطنية"، في مسابقة شعرية أمثل فيها بلدي، لأكتشف أن ظلال الواقع السياسي قد أرخت سدولها أيضاً على الشعر والشعراء والقصيدة وجيَّش هذا الواقعُ ما استطاع من مواقف الشعراء، بل وجندهم، إن لم أقل إن قسما كبيراً منهم انبهر بها بداية وجنَّد نفسه وقلمه وقريحته لأجل النفخ في لهيبها الذي سحر الألباب، وأعمى الأبصار في بداية استعارها، وليأتي الشخص نفسه بعد أشهر قبيل انتهاء المسابقة، وليقدم لي الاعتذار، وعبري للشعب السوري بأنه أخطأ في موقفه البدئي، وليقول لي كل ما حصل للبلاد العربية أمر، ولسورية أمر آخر، إنها مؤامرة كبرى على قضية القضايا وحاملة ومركز هذه القضية "سورية"، وقال لو أستطيع سحب قصيدتي التي أشنِّعُ فيها على "نظامكم" لما قصرت، فلقد انكشفت عورة هذه الثورات عن أقبح ما صاغت العبقرية الوحشية الإنسانية من ويلات وحروب وقذارة، وليبقى معي أخ شاعر موريتاني آخر "رحمة الله على روحه"، حتى المرحلة الأخيرة من المسابقة، وبتلك اللهجة العربية الفصيحة، التي تحمل في قلب حاملها حب الشعب العربي من محيطه حتى أقصى مياه خليجه، وليعبر فضلاً عن أنه من بلد "المليون شاعر"، بأنه عروبي بالصميم طالما يتفرد بهوية الشعر العربي هوية العرب الجامعة، هذا ما استجمعته ذاكرتي بالرغم من الدعوات والتمنيات الصادقة من إخوة موريتانيين لزيارة بلدهم العزيز، ولا أنسى هنا أن أثبت ميلهم المطلق للقصيدة بشكلها العمودي المشطور وكيف ينظمونها بكل جدارة ومهارة...
وهنا تحضرني ذكرى غالية أخرى، وهي عندما طُلِبَ إلينا نحن العشرين شاعراً وشاعرةً المشاركين في ذلك الموسم، لكي يكتب كل منا بيتاً واحداً من الشعر على القافية والبحر والروي نفسه، وليلقي كل منا وعلى الهواء مباشرة بيته حسب ترتيب أرقام التصويت آنذاك، وأخذنا نتداول بالبيت – المطلع الذي سنكتب على إثره أبياتنا، حيث كان الشاعر الموريتاني "الشيخ ولد بلعمش" "رحمه الله"، هو صاحب الرقم 1 والذي اقترح بالتداول والتوافق معنا على مفتتح البيت – القصيدة لتصبح فيما بعد قصيدة "العشرين بيتاً أو العشرين شاعراً"، ووقتها اقترح أكثر من مطلع حتى توافقنا على بيته الذي سيكون فاتحة الأبيات العشرين وهو على البحر البسيط وعلى القافية الدالية ويقول فيه:
"1 ـ عتِّقْ حروفك واسكُبْها شذًا ونَدَى واسمعْ لُحونَكَ ما بينَ النجومِ صَدَى"
ولتتوالى الأبيات، من قبل الشعراء، كل حسب رقمه، وإذ بشاعر فلسطيني صديق هو باسل الكيلاني يكتب بيته ويذكر فيه "بردى"، فاتصلت به فوراً ولا إرادياً وقلت له: "بردى إلي... شيلو من قصيدتك" ولتتوالى الأبيات حتى رقمي 13 ولأكتب:
" 13- أنا دمشقُ... ومن أسرارها بردى قد جئت أحمل حلم الصَّانعينَ غدا.."
ولأصدح بها على رؤوس الأشهاد بقلب شجاع خرج للتو من معركته الشعرية الوطنية، في اللحظة قبل الأخيرة لصفارة القدر، مضرجاً بكرامة بلده موشحاً بعلمها الأطهر الأزكى...
تحياتي ومطلق الاحترام لشعوب عزيزة لا تزال تحافظ على هويتها وكيانها ضد الطامعين، ولا تزال تحتفظ باللغة العربية لغة الشعر، وعلى عاطفة أخوَّة صادقة بالرغم من بعد الديار وشط المزار...تحية لكل عربي وطني ولأصدقائي الشعراء حيث تناثرنا كما النجوم في أقطار الأرض نداءاتِ محبة وجمال، كل منا يحمل هوية وجيناتِ ثقافته الخاصة والعامة والتي تلتقي بالصميم مع شعوب وقوميات الأرض قاطبة وفي جوهرها وعمقها الإنسانيين
تحيا سوريا
"أنا دمشق..."