وفاءٌ بوفاء.. في رحيل المهندس ياسين محمد أحمد
كتبت ليندا ابراهيم- فينكس- خاص:
بالرغم من أن الكتابة في موضوع كهذا، تُوسَمُ بالخاصَّة أو الشَّخصانيَّة، نظراً للمعرفة الشخصية بالشخص موضعِ الكتابة، إلا أنَّني حزمتُ أمري لأكتب فيه وعنه، بعدما رجحت كفة الوفاء على أية كفة أخرى، ولأمر، بل لعدة أمور جوهرية، ففي المقام الأول هو ذلك الوفاء النادر، وفي المقام الثاني متابعته واهتمامه لكل ما يخصُّ التَّثقيفَ الذاتيَّ، والثقافةَ العامَّةَ، والمطالعةَ، والقراءةَ، وبالتالي ما يرفعُ من شأن العلمِ والمتعلِّمين، والثقافة والمثقفين، وكلِّ ما هو وطنيٌّ تنويريٌّ، وذو شأن على الساحة المحلية فالسورية فالدولية، في مجالات واسعة مختلفة، سواء أكان عالماً أم أديباً أم شاعراً أم علَّامةً أم شخصية وطنية عامة ذات تأثير إيجابي كبير على من حولها، والسببُ الثالثُ هو متابعتُهُ الحثيثةُ عبر النت، أو على أرض الواقع، لما يطرح من كتبٍ ومؤلفاتٍ، ولما يقام في المؤسسات الثقافية من أنشطةٍ وفعاليات، ومتابعتُهُ للواقعِ التَّربويِّ والتعليميِّ والقانونيِّ والتنموي والإداري، واقتراحاتُهُ وآراؤه المميَّزةُ الصَّائبة الجديرة إجمالاً، حيثُ يبدو وكأنَّهُ نذرَ نفسه للحصول على المعلومةِ النادرة الثَّمينة الموثَّقة يبتغيها من بواطن الكتب وأمهات المؤلفات ليقوم بنشرها، إفادةً لأكبر عدد وشريحة من المتابعين والمهتمين...
عرفته قبل حوالي عقدين من الزمن، بطريقة المصادفة، حيث كان يسمع عني من شقيقته الراحلة، المغفورِ لها، مُدَرِّسَة اللغة العربية القديرة في ثانوية الشيخ بدر السيدة "سعدى أحمد"، وقال لي لطالما سمعتُ من شقيقتي عنك، واستمرَّتْ المعرفةُ بعد وفاتها رحمها الله، حيثُ فاتحني بعد سنوات قليلة من رحيلها، بموضوعِ أن أكتبَ عن معلِّمتي إحياء لذكراها، وهو سيقوم بالتواصل مع طلبتها، الذين باتوا مهندسين وأطباءَ ومحامين وجامعيين في مختلِفِ فروعِ العلم، ليأخذَ منهم شهاداتٍ مكتوبةً أو شفهية عن ذكرياتهم معها وعنها في مرحلة التعليم، ليدوِّنَها وننشرَها في كتاب، طرحَ الفكرة وثابر عليها، وقمتُ بما علي القيام به، ونفذتُ وعدي، ونشرتُ عنها فصلاً كاملاً في مجموعتي الثانية "فصول الحبِّ والوحشة" الصادرة عام 2013 عن الهيئة السورية للكتاب، أتذكرُ مدى فرحتِهِ العارمةِ بصدورِ الكتابِ، وأخبرني لاحقاً بأنه اقتنى عدداً كبيراً من نسخه من نافذة البيع في ثقافي طرطوس، على عدد أفراد عائلتهم ليوزعها عليهم، ونقل لي تحياتهم، واستمرت المعرفة وتوسعت لتشمل زوجَهُ المربية الفاضلة السيدة "ثناء سليمان"، حيث كانت تشاركُ في المراكز الثقافية بندواتها الهامة عن التربية وعلم النفس، حيث كان يصحبها ويحضر لها دائماً، كانت يحمل خلقاً دمثاً، صادقاً وفياً للرعيل الأول من جيل آبائه بل وأجداده، على مستوى المحافظة وخارجها، كانت خفيضَ الصَّوت، نظيفَ اللسان، شديدَ التهذيب، واسع الاطلاع، مثابراً على المعرفة، ينتقي جواهر الكلم من مكامن الدرر، ليركبَ لاحقاً موجة مواقع التواصل الاجتماعي فيغدو أحد نُجُومها في وقتٍ قصير، حيث سعى عبر الفضاء الأزرق أيضاً لتشبيك معارفه وعلاقاته وليستثمرها في عملية التثقيف والمثاقفة لديه، فلا يكاد يخلو يوم من عدة منشورات له، فيها كل ما هو مفيد، يسعى لينبش عبر الشابكة أو عبر اطلاعه الواسع المثابر عن الأحداث والغرائب والطرائف والنوادر عبر العالم وفي تاريخ سوريا القديم والحديث، يبحث عن نقاط مضيئة تنويرية ليفيد بها غيره في أشد أوقات المحنة قساوة...
أهم علامة مضيئة في رحلة حياته هي متابعته وملازمته عن بعد ثم بصداقة حقيقية، للأديب والكاتب السوري الكبير حسن م يوسف، حيث أنشأ له صفحة عبر الفيس بوك وكان ينتخب من أقواله ومؤلفاته وآثاره وينشرها، وذلك قبل سنوات من تعارفهما بشكل شخصي، ولاحقاً بعد اشتداد أوار الأزمة السورية، تابع وتواصل مع معظم الأسماء الهامة واللامعة من الكتاب والأدباء والشعراء السوريين الذين لمعوا وبرزوا خلال سنوات الأزمة فأضحوا منارات تنويرية وعلامات فارقة يهتدي بها عامة الشعب والرأي العام، ثم مؤخراً وفي السنتين الماضيتين قام بإنشاء صفحة خاصة على موقع التواصل الاجتماعي خاصة بالشاعر الكبير الراحل بدوي الجبل، وكانت يطالع كل شيء عن عائلته ومؤلفاته وشعره وآبائه وينشر عنه بشكل دوري على هذه الصفحة إحياء لذكراه...
أذكر قبيل أزمة "الكورونا" ببضعة أشهر وتحديداً عام 2019، كنا في زيارة مع والدي الكريم لبيت العلامة الأستاذ محمد علي يونس، أحد أبرز القامات العلمية والتربوية والفقهية في طرطوس، وإذ بالراحل الجميل الصديق ياسين أحمد يلتقينا هناك، وكانت المرة الأخيرة التي التقيته فيها، إلى حين صدمني خبر رحيله المبكر والمفاجئ...
رحم الله الأخ المهندس المثقف الراقي ياسين أحمد، المتحدر من أسرة عريقة لامعة نابغة في العلوم والمعارف، لأب فقيه عصامي، وأم متفانية كريمة، وقد اقتضى قلم الوفاء أن يخطَّ له عقب رحيله، هذه الكلمات، وفاء لوفائه النادر تجاه كلِّ مميز متفوق وإكراماً لآثاره التي تركها محبة في القلوب ومعاملة طيبة في النفوس...
رحل صديقُ الجميع، وصديقُ الثَّقافة والفكرِ والأدب، رحل المُحِبُّ الغَيُورُ على العلم والمعرفة، رحل المتواضِعُ بكل تواضعٍ تاركاً في نفس كل من عرفه أثراً طيباً لا تمحوه الأيام