جدلُ القسوة أو القطيعة المُزمنة في الألم في مجموعة أحمد م. أحمد الشّعريّة (أحرقَ سفنه إلاّ نعشاً..)

لا يكون التعقيد معياراً حقيقيّاً في الّلغة، ما لم يكن يحمل في طيّاتهِ تلك الانفراجات الإيحائيّة المتواترة بعد كل جملةٍ شعريّة في القصيدة. خطر لي هذا الكلام وأنا أبحث عن مدخلٍ للكتابة عن مجموعة أحمد م. أحمد الشّعريّة (أحرقَ سفنه إلاّ نعشاً)، والتي تبدو لي كتابة استثنائيّة بمختلف وجوهها لما تحمله في طبقاتها من تعدّديّة الإشارة، وذلك الانزياح المذهل في بنية هذه النصوص لصالح المبدأ الرئيسيّ في الكتابة وهو: القطيعة المُوجعة في الألم، واستشرافهِ كوحدة حالٍ لا تنفصل قطّ عن "أنا" الشّاعر بأيّة حالة ادّعاء.. ثم أنّ ذلك يبدو متلازماً مع مفهوم "القوّة الضّاربة" في حدّة المعنى وقسوته، وجدله المتضارب، في إيقاعٍ سردي، تكثيفي، حاملاً لأوجه عدّة في تلك القطيعة المُزمنة.
تنفتح هذه القصائد على أكثر من مستوى نصّي تقني في الكتابة، فعلى صعيد الشكل يتبنّى الشّاعر أحياناً تلك القصيدة المقطعيّة القصيرة، المتواترة، المتصلة والمنفصلة بآن، أيّ: الخروج بقصيدة والدخول بأخرى متناسلة من العقدة، أيّ: الرقم اثنان أو ثلاثة الخ. وعلى مبدأ حريّة اختيار المناخ المناسب لمعنى منفصل لكن ليس بكليّته، فهو لا يخرج عن المناخ العام ذي الوحدة المتوخّاة في القصيدة، بل أحياناً يتواصل بصيغته المفصليّة، المباشرة، مع المقطع الذي يسبقه، وهذه التقانة تُتيح للشّاعر التفاعل مع صمتهِ بنبرة أشدّ، مُتماشياً مع الوجه "الـمُكثّف" للحكمة المُوجزة، الأكثر إدهاشاً. فمن قصيدة تحمل ذات عنوان المجموعة:
7- مع ذلك/ أطيبُ السّاعاتِ/ حين لا أكونُ معي.
8- حين انطبقَتْ ظلالُك/ على ظلّي/ ارتعشَ القصب.
9- السّرُّ/ في الحقولِ-/ تَمِيْدُ من تحتها النّجوم.
10- لم أفكّرْ قطّ/ بكتابة رسائلَ/ إلى آباءٍ راحتْ حياتهم دعساً!/.
11- أرجُمِ البياضَ بلعقةِ قلم/ والأقفاصُ البحريّةُ/ ستحفلُ بعد قليل بحيادِ الزّعانف. (ص:22-23)
وأيضاً في موقع آخر من القصيدة:
28 – تتشابه أجنّتُنا/ مع أجنّةِ الدّببةِ القطبيّة/ كما تتشابه الدّيدانُ/ في جثث المتشابهين الأحياء.
29 – غربالٌ جميلٌ أنت أيّها الشّاعر/ والأجملُ منك/ من يرى الشّمس في غربالك.
30 – كنْ واحداً/ من تلك الأخطاء الشائكة/ التي تمشي على الرصيف. (ص:29)
35- الموتى/ لا يصطدمون/ بالأبواب المغلقة.
36- أتكفّلُ بالتّابوت/ وأنتم بجثمان القصيدة!.
37- يسري النّعاسُ/ كسعفة نخيلٍ/ تحت مذبحةٍ وشيكة.لا يتوفر وصف للصورة.
38- الرجال الشّعراء/ يكتبون على أوراق مُجعلكة/ تكتب المرأة على غرائز بيضاء!. (ص:31-32)
أمّا في النصف الثاني من المجموعة، فتجد أنّ الشّاعر أخذ يعتمد على الكتابة المفتوحة بجملةٍ شعريّة - سرديّة- طويلة، مؤكّداً نهجاً مختلفاً في صيرورتها المتلاحقةِ على صعيد البنية، منفتحاً على طاقاتٍ كامنة أكثر اتساعاً وشموليّة، وأكثر حدّةً في صياغة المعنى وانسيابيّتهِ في آن، وعلى محمول احتفالي، باطنه ذهنيّ وظاهره حسّيّ، في جملةِ مُتحرّكات مستمرّة، وفيوضات متقاطعة، لتشكّل في النتيجة وحدةَ ذاتِ القصيدةِ بمتوازيات رمزيّة منقطعة حيناً، ومُعاد إحياؤها مُجدّداً في مرآةٍ لا تستقرّ للحظةٍ واحدة على حال، بل هي تنخرط في مجملِ الحركةِ والإسقاط على هذا العالم كوحدةٍ عضويّةٍ لن تكتمل قطّ..
من قصيدة بعنوان: أكشطُ حيواتٍ- السّيلان من البؤبؤ، وأشباه أخرى!:
7- سَلْ ساعةَ الظّلِ التي ترسمها السيقان على الرّمل/ سَلِ الرّملِ/ سلْ ما رَسَمته أناملنا على مؤخّرةِ عربةٍ غريبةٍ غبراء تحملُ لوحةَ المجهولِ/ عربةٌ ستذهبُ في اتجاهٍ واحد/ إلينا/ حين سنلتقي في مهبِّ الّصدأ!.
8- فرغتْ خوابيكم من دمع الكلمات/ وأنتم تُشرفون على الرّمال المتحرّكة./ رقعة الشّطرنج توحي برحلةِ موتٍ على طريق العودةِ التي كانت عذراء حين اغتذيتم في رُفاتِ المعرفةِ في جنباتها./ الطريق ذاتها التي تغطّتْ بالشوكِ قد أقفرت منكم. (ص:131)
11- لحكمةٍ ما/ ينسحبُ الموتى وتراتيلهم/ تاركين طفلاً لم تلتقط الكاميرا صورته/ طفلٌ يُوقنُ أنّ الفضاء يحفل بعيونٍ لا مرئيّة تدمعُ لآلام قدميهِ الصغيرتين فوق نثار العصر./
على مهلٍ يُركّب الأحياء منّا أطرافهم المترفة/ بالمعدن والمسامير/ ويمضون إلى أسرّةِ الهواء. (ص: 132)
هنا في هذه المجموعة يعتمد الشّاعر أيضاً على ذهنيّة مُرتَجلة في استبطانِ معنىً تجريديّ بناءً على مفردةٍ كابوسيّةٍ في قصٍّ مُتلاحق، ومن ثمّ ذلك الانخطاف السّريع والتحوّل في معنى حسّي مباشر، يكمن في عمق الّلحظة الفاعلة.
كما أنّه أحياناً كثيرة، لا يُوجد هنا معنىً ثابت وموّجه بدقّةٍ ضمن سياقٍ تدريجيّ له وحدته المُتوقّعة في كمونِ القصّ، بل ذلك الانخراط النوعيّ في التّعدّد، أو تلك الشّموليّة المضطربة، بناءً على مفهوم الانفصال وإعادة الوصل ومن ثمّ الارتداد مجدّداً:
ذو الوجه الخشبيّ/ بركلةٍ واحدة/ ألقاني خارج الللاّندروفر.
بحاسّة الشمّ/اتجهتُ نحو البوّابة/ ولم أكن أعمى/لكنني لم أكن أرى إلاّ يده الممسكة بتلابيب ما يُسمّى"سماء زرقاء"حفلتْ بريش الدجاج.
بمحاذاة البوّابة/ثمّة الطريق التي تحيط بالمنزل/ ورسم على إسمنت الطريق/بقطعةِ حوارٍ لطفلةٍ ناحلةٍ ماتت الأسبوع الفائتِ./رسم مربّعات لعبةِ (العفريتة)حيث كانت الميّتةُ تنطنطُ مع شقيقةٍ تُشبهها/حتى إنهما أُلقيتا في نعشٍ واحد/صغير/صغير جدّاً. (ص:139-140)
أمكنة تسرّ في الآذان/وسادة تجهش بعوائي./وراء الحائط المقابل/سبّحة شايلوك/ ذَكَرُ البطّ/برفقةِ الوسخين/اللصوص الفارّين من الجنديّة/ يرتقون السلالم المُحكمة/ النظيفة/ إلى باذخ الجنان.
تميدُ بي الأرض/لا أدوسُ ظلالنا/والظّلالُ أصواتكم-حبال-مشانقي. (ص:134)
-(بالقول تحبل أنثى..)، قصيدة طويلة لـ أحمد م. أحمد، وهي إحدى أكثر قصائده شفافيّةً في هذه المجموعة، فبحضور المرأة يبدو أنّ أغلب الشّعراء ينزعون إلى هدنةٍ جامحةٍ مع أنفسهم، ويصفو ويروقُ حضورهم بحضورها.. ويتضح لي في هذه القصيدة أنّ الشّاعر أكثر من قوّالٍ في الوجدِ والحبّ، فهو يميلُ إلى أسطرة تجربته بمعايير الحدس والحلم، وبرؤيا مُؤرْضَنةٍ، واقعاً ملموساً، ومعرفةً لا تنفصل عن يقينيّاتهِ بضرورة التّوحّد معها قولاً وفعلاً.. وكيف لا وهي الشّريك الغامض والواضح في كلّ فكرة، في كلّ هدفٍ مُرتجى، في كلّ انزياحٍ فوضويٍ-زمني-مكاني، في كل جنونِ جسدٍ ومعنى من هذا النوع:
1-..قلتِ إنك ترينني الآن/ وإنّكِ نعستِ وكلماتي داعبتْ أذنيكِ فأذعنت لهما./وقبل أن تذهبي فيما اشتهيته لكِ من زهر الليمون/ وأسدلَ عليكِ أنواري/ همستُ: إنّ أجنحتي نصف الكسيرة ستوصل إليكِ ما استطاعت من قوتِ الروح/وحبّاً مُبلّلاً بالعدم/أو عدماً مُبلّلاً بالحبّ./(ص:118)
وفي مكان آخر من القصيدة:.. بيدي الرّمانة/وأنت تقولين: "كُفّ عن التّوحّد في زاحفٍ صحراويٍّ يبيتُ الصيفَ تحت لاهبِ الرّمل./في شجرة يُتمٍ يحفُّ بها الاصفرار والرياح.
سآوي إلى البقايا:"شقّ"الرّمانة/ رائحة السّرو والطيّون في عشّها/الورد-الملاذ.
نحلتُها تنحلُ صمتك/ تتّهمك بتعدّدِ البياضِ وتُحرّفُ اليد البتراء إلى بئرٍ وسطَ غابةِ الحليب.الخ.. (ص:125)

أخيراً لا بدّ لي من القول أنّ الشّاعر يلتزم على صعيد الّلغة هندسةً تجريبيّة مُتعدّدة الانتماءات، مسكوناً تماماً بعقدةِ الشّطح واستنزاح المعنى دون استنزافه، وعلى قاعدة: أن لا قاعدة ثابتة أو مقدّسة في الكتابة.

علي حميشة

عن صفحة مجانين قصيدة النثر