في زمن المطوّلات والوجيزات الأديب مفيد عيسى أحمد يعيد للقصة القصيرة ألقها
محمد حسين-خاص فينكس
ما أن انتهيت من قراءة "حارس الفلة البنفسجية" القصة الأخيرة من المجموعة القصصية التي تحمل الاسم نفسه للأديب مفيد عيسى أحمد حتى أدركت أنني وقعت في شرك السؤال الجمالي الذي أراده كاتبها، وهو هل علينا الدخول من الأبواب الخلفية في كسر للنمطية السائدة؟ ليس لأن العنوان هو عتبة النص فقط، بل لأن الكاتب حاك قصصة بلغة مليئة بالايحاءات بسيطة حد التقشف، تغريك بالغوص في أعماقها مرغماً، ومن أي باب دخلت أو من أي عتبة، بحثاً عن الدرّ المكنون الذي تراه ولا تستطيع لمسه إلا حين يختفي، وفي دوامة هذه المتعة التي لا تفارقك، تعقد الصداقات مع شخوصها المكسوة بلحم الصور ودم الخيال وربما تقع في غرام إحداها او تتعاطف مع ذلك المجنون الباحث عن مفردة تعني بدواً رُحّل، وربما تختبىء من عين القناص وأنت تجاور جثة شخص قد يكون أنت، في حياة تحولت إلى مسرح كبير تماهت فيه الخشبة مع محيطها، وتحولت الكواليس فيه إلى مقابر وتحولنا نحن إلى ضحايا وبأحسن الأحوال حراساً لفلة على شحاطة بلاستيكية، لم تأخذ من البنفسج إلا لونه وكأنه يستصرخ فينا "وجيب الأرض" الذي تناسيناه واستسلمنا لعجز نداءات الاستغاثة، تاركين حقول البنفسج للخنازير.![]()
في قصص الأديب مفيد عيسى أحمد، لا نسمع دوي المدافع ولا نشم روائح البارود لكنه ببراعة لا يكتفي بوضع اصبعه على جرحنا الدامي، بل يضغط عليه بيديه لكي يخرج دمنا المتقيّح بصديده العفن، علنا نصرخ وجعاً وألبعد ان أصابنا "ما يشبه انعدام الحس" وربما "الغناء بألسنة مبتورة". في سرد شفيف غير متكلف يرسم لنا عوالمه بألوان ترابية لها شكل الحلم فنرى تارة "ثلاثة حقول وأربعة براعم" ورغم حالة الانفطار العاطفي الموجعة نرى وجوهنا التي أصابها الجدري تطل من بين السطور فنتأمل أنفسنا بـ"نظرة ضارعة وحزينة" ونحن نبحث عن أرواحنا في صور الشهداء المعلّقة على الحيطان، ولأننا "بشر لا يطيقون الانتظار" نصاب بالوجوم ونحن نستمع لأنين العجوز وهي تردد "يونس في تونس، في بحر مالح" وكأننا في "صورة أخيرة لحياة مضت". في أزمنة التطرف التي نمر بها من ثورات وثورات مضادة أصبح الأدب رهين المطولات أو الوجيزات وتراجعت القصة القصيرة إلى المراتب الخلفية حتى اعتقدنا انها أدّت دورها، وأصبحت ذكرى جميلة من صيرورة الأدب المتحركة، إلا أن مفيد عيسى وفي مجموعته القصصية هذه، يخلخل هذه القناعة، ويضعنا في مواجهة الحقيقة الماثلة كالشمس، وهي أن القصة القصيرة هي الحياة، والحياة لا يمكن حجبها أو التغافل عن وجودها، ولهذه الحياة فرسانها، ومفيد واحد منهم، وربما يتقد،م على الكثير من كتابها حالياً.
☆ ما بين أقواس عناوين القصص العشرة في المجموعة. سيرة ذاتية: مفيد عيسى أحمد. خريج جامعة دمشق، قسم المكتبات والمعلومات.
صدر له: - مجموعة قصصية بعنوان (ثلاثة نداءات وتصبح نجمة) عن الهيئة العامة السورية للكتاب. - مجموعة قصصية بعنوان (البطل في وقفته الأخيرة) عن الهيئة العامة السورية للكتاب - رواية بعنوان (الماء و الدم).
- روايتان ومجموعتان شعريتان، قيد الطبع.