هل تعرف بلادك؟.. أحاسيس و نبضات

كتب زهير ناجي:

أدناه مقدمة كتاب "هل تعرف بلادك؟" للأستاذ النهضوي زهير ناجي:

تقديم
في عام 1948 بدأت بدراسة (علم الصحافة) في «كلية الصحافة المصرية لدراسة الشؤون والفنون الصحافية بالمراسلة» وهي مؤسسة مصرية عريقة أسست في القاهرة عام 1935 وكانت الدراسة فيها نظرية وعملية... أما النظرية فكانت المحاضرات المطبوعة ترسل إلي بالبريد فأقوم بدراستها وكتابة الفروض المطلوبة، أما الدراسة العملية التطبيقية فقد طُلِبَ مني أن ألتحق بإحدى الصحف المعروفة لأقوم فيها بالتدريبات العملية.
توجهت إلى جريدة دمشقية اسمها جريدة الأخبار لصاحبها الصحافي المخضرم الأستاذ بسيم مراد والمسؤول عن تحريرها صحافي رائع اسمه تيسير النحاس... كانت إدارة تحرير الجريدة تقع في غرفتين كبيرتين في الطابق الأول من بناية العابد المطلة على ساحة الشهداء (المرجة) وكنت أطبع فيها نشرة صحافية/تربوية مدرسية باسم صوت ثانوية دوما، وهي في الحقيقة أول إعدادية أهلية أسسها مجموعة من الشباب الغيورين على نشر التعليم والثقافة في مدينة دوما – وكنت منهم – كانوا ملتفين حول رجل السياسة والوطنية والطب الدكتور المرحوم محمد سعيد عودة الذي حكم عليه الفرنسيون بالإعدام أثناء ثورة عام 1925 ونجا بأعجوبة وهرب إلى فلسطين ليساهم في ثورة 1935 وليحكم هل تعرف بلادكعليه الانكليز مرة ثانية بالإعدام.
كان الصحافي الشاب تيسير النحاس رئيس تحرير الجريدة – وقد انقطعت صلتي به تماماً منذ عام 1951 وأرجو له الخير أينما كان، لقد كان لطيفاً ودوداً، فرحب بي قائلاً: لقد غادرنا محرر صحافي شاب وأديب موهوب اسمه حسيب كيالي وستحل محله ولكن عليك أن تبدأ من الصفر، هكذا بدأ عمل كل صحافي ولكننا سنعفيك من أولى درجات السلم: أعني تكنيس المكتب وتنظيفه فلدينا مستخدم يقوم بهذا العمل... يمكنك أن تعمل مصححاً (للبروفات) وهكذا أقبلت على تعلم مهنة الصحافة... وتحت إشرافه انتقلت إلى مرحلة المراسل الصحافي... كنت أسكن مع أهلي ووالدي المعلم في دوما وأشارك شبابها الطليعي في معركة بناء الوطن بعد الاستقلال التام وانسحاب الجيوش الاستعمارية من سورية العربية... وهكذا بدأت بتغطية أخبار دوما وقضائها معبراً عن مطالب أهلها بلهجة (حادة) لا تستطيع أية جريدة (تمريرها)... فكان يشذبها ويعدل منها: «انتبه يا أستاذ هذه العبارات توقعك تحت المساءلة القانونية... وتعرض الجريدة للتعطيل الإداري... حامية جداً ولا يمكن (تمريرها)...»
اقترحت على رئيس التحرير السماح لي بكتابة عدة تحقيقات صحافية (ريبورتاجات) عن سورية العربية لتعريف القراء ببلدهم مستقاة من رحلات قمت بها مع زملائي وأساتذتي في دار المعلمين الابتدائية 1945/1947 أو مع زملائي وطلابي في ثانوية عمر بن الخطاب الأهلية في دوما. أو مع كشافة الفرقة الكشفية رقم 17 التي كنت قائدها، وكانت إحدى فروع نشاطات هذه الثانوية الأهلية المنسية... رحب رئيس التحرير بالفكرة وهكذا بدأت بكتابة هذه الريبورتاجات التي بلغ عددها ستة وخمسون (ريبورتاجاً) كانت تنشر في الجريدة تباعا تحت عنوان هل تعرف بلادك كنت اكتبها وأدفعها إليه لقراءتها والسماح بنشرها، دون أن أحتفظ حتى بمسوداتها – فكان يقرؤها ويعمل قلمه الصحافي المحترف الخبير في (تهذيب) بعض عباراتها الحادة وشطب بعض جملها «لا تنسى يا أفندي أن جلّ المشتركين في جريدتنا هم من وجهاء الريف السوري وبعضهم من كبار الاقطاعيين والزعماء في منطقتي الجزيرة ووادي الفرات... جريدتنا لازبائن لها في دمشق... هل تريد أن تقطع رزقنا؟!»
كان يحذف من تحقيقاتي كثيراً من العبارات الحادة دون أن أعارضه.
كان جيلنا يحارب بشراسة عدوين : الإقطاع في الداخل والمؤامرات الامبريالية من الخارج...وكنت راضياً وفرحاً بإرشادات أستاذي في الصحافة تيسير النحاس عطر الله ذكره... وكنت أرسل ما ينشر إلى كلية الصحافة في القاهرة... وهكذا حصلت على الدبلوم رقم 212/ع تاريخ 3/1/1950 «إدارة الكلية تعترف بأن في استطاعته مزاولة مهنة الصحافة».
في عام 1975 بدأت بطباعة ما وجدته لدي من هذه التحقيقات تمهيداً لنشرها على نفقتي.. ولم أفعل.. لم أكن أملك المال... بل احتفظت بها بين أوراقي... وهاأنذا أفعل هذا الآن فالوقت مناسب ليعرف الناس ما كنا عليه وما أصبحنا عليه... وهاأنذا أقوم وكعادتي في طباعة كتبي بطباعة عدد محدود من النسخ – بين 25-50 نسخة – أهديها لبعض المكتبات العامة والمراكز الثقافية في داخل قطرنا العربي السوري أو خارجه...
وأهدافي من عملي هذا متعددة:
1- أن أقول لجيل الشباب الجديد كيف ناضل آباؤنا وأجدادنا ضد الاستعمار الامبريالي الفرنسي والانكليزي وكيف دفعوا سيولاً من الدماء الغالية للتحرر من العدو الأجنبي الغاشم... حتى حصلت بلادنا على حريتها الكاملة حين أجبر هؤلاء الامبرياليون على الانسحاب من بلدنا في 16 نيسان من عام 1946 واحتفلنا يوم 17/4/1946 بأول عيد جلاء مجيد لا تدنس أرضنا فيه روائحهم النتنة... ويستنجد الآن بعض أدعياء السياسة بهؤلاء المستعمرين لإعادة استعمار بلادنا!!!
2- وأن أقول لهم كيف ناضل جيلنا بعد الاستقلال، كل من موقعه ووعيه الفكري وحسب قدراته وإمكاناته، للتحرر من إرث العصور الوسطى: من النظام الإقطاعي وما يرتبط به من منظومات اجتماعية وفكرية وسياسية : عشائرية وإقليمية ودينية ومذهبية.. هذا النظام الذي غذّاه في القرن التاسع عشر انحلال السلطنة العثمانية وتحول الإقطاع العسكري إلى إقطاع مدني وراثي ارتبطت مصالح قسم من هؤلاء الاقطاعيين بالنظام الرأسمالي العالمي فكانوا عوناً له على احتلال بلادنا وتنفيذ اتفاقيات سايكس بيكو وتطبيق أحكام نظام الانتداب الجائر الذي احتضن أكثرية هؤلاء الاقطاعيين ورعى مصالحهم فبقي قسم كبير منهم على ولائه للإمبريالية العالمية في عهد الاستقلال الأول عام 1936 والثاني عام 1943 حتى عام 1946 وحتى إلى ما بعد هذا التاريخ... بل وحتى يومنا هذا!!! فوقف جيلنا مطالبا بالتغيير... رافضاً كل أشكال التبعية لهذا الغرب الرأسمالي/الامبريالي مستعبد الشعوب في العصور الحديثة... رفض جيلنا الأحلاف العسكرية والأحلاف السياسية ورفض تواطؤ القوى العربية والمحلية المتعاونة مع الامبريالية وأفشل مؤامراتها ودسائسها.. وطالب بالتحرر السياسي والاقتصادي والفكري لكل شعوب الأمة العربية ورفض دكتاتورية بعض العسكريين الذين جاؤوا باسم مكافحة الفساد لقمع الفكر المعادي للإمبريالية ولقمع المنادين بمحاربة الأحلاف تنفيذاً لأوامر شركات البترول...
3- ولأ قول لهم بأن آمالنا قد خابت بعد انتصار أحزاب البورجوازية الصغيرة وممثليها من عسكريين ومدنيين على مؤامرات سفارات الدول الامبريالية حيث كانت قمة الانتصار في هزيمة الدكتاتوريات العسكرية المرتبطة بالسفارات الأجنبية بفضل تأخي وتعاون القوى الحية، العسكرية والمدنية، ووعيها الفكري والسياسي فكانت مرحلة انتصارات القوى الديمقراطية الصاعدة، على اختلاف ألوانها، بين عامي 1954-1958 أجمل فترات تاريخ سورية الحديث توجت بتلك الوحدة الرائعة بين جناحي قلب الأمة العربية: مصر وسورية... وانتصر جيلنا على عهد الإقطاع ومخلفاته بإقرار قانون الإصلاح الزراعي.. وأصبح الفلاح سيد الأرض وصاحب الوطن نعم ارتكبت أخطاء.. ولكن أكبر خطيئة كانت ذلك الصراع بين زعامات أحزاب البورجوازية الصغيرة المنتصرة على أحزاب الإقطاع... أخذت تحارب بعضها بعضاً وتعلم (متحزبيها) الكره والبغض والعداء... بدلاً من التعاون والتآلف وتداول السلطة والمشاركة في بناء الوطن... بل وأخذ بعضها يستعين بالقوى الخارجية التي سبق له أن حاربها... وهذا حديث طويل لا مجال للتوسع فيه هنا.
4- هدفي الأخير من نشر هذه التحقيقات الآن هو تعريف الجيل الجديد كيف كانت سورية آنذاك: لا مدارس، ولا طرق ولا طبابة، ولا تنمية، وريف بائس معزول وجهل مطبق تجوع فيه سورية إذا حلّت سنوات الجفاف.. وتعرى إذا لم تستورد ملابسها... وحكام عاجزون عن التحرر من ربقة العدو الخارجيهذه التحقيقات الصحفية هي الآن وثيقة تاريخية تصلح للمقارنة بين الماضي والحاضر... وأين كنّا وإلى أين وصلنا...
وليتساءل قارؤها عما يريد هؤلاء الذين يعملون الآن على تخريب بلادنا وعلى دعوة من جديد... لاحتلالها والتدخل في شؤونها.
منطقتا الجزيرة والفرات مثلا – هكذا كانت هاتان المنطقتان النائيتان البعيدتان والمعزولتان تماماً عن حياة العصر الحديث تسميان – كانتا فارغتين تقريباً من الناس... وكان حكام السعودية قد بدؤوا منذ عام 1948 بسحب قسم كبير من أبناء بدو الجزيرة والفرات الشباب لتشكيل ما عرف بالحرس الأبيض السعودي... وقد توافق هذا بشكل عجيب مع محاولات السلطات التركية سحب من بقي من عرب المنطقة من بني قيس وغيرهم من مناطق نصيين وماردين وديار بكر وحران ليعملوا عتالين وزبالين في مدن استانبول وأزمير أو لتشجيعهم على الانتقال إلى سورية... فيما كانت فرنسا والقوى الاستعمارية مع تركيا تحاول تفريغ المنطقة من السريان العرب المسيحيين في ماردين وما حولها.. وكان القسم المأهول من الجزيرة والرقة هو القسم الشمالي من محافظة الفرات وهو ذلك الجزء المجاور لسكة حديد حلب – بغداد وكان خط سكة الحديد، الذي جعل ضمن الأراضي التركية في معاهدة لوزان 1923 هو خط الحدود بين سورية وتركيا، وهو أعجب خط حدود في العالم، وكانت أراضينا تقع إلى جنوبي الخط بعيدة عنه عشرات الأمتار، وويل لِمَنْ يقترب من هذا الخط... كانت أبراج الحراسة التركية تقتله فوراً، هكذا كان يقول لنا من حادثناهم، وكان الهاربون أو المجبرون على الهرب من شمال هذا الخط من مدن نصيبين وماردين وديار بكر وحران وأورفه، من سريان وأكراد وأرمن يسكنون في عدة تجمعات بشرية في مدن القامشلي (هي الحي السوري من مدينة نصيبين التاريخية مركز إشعاع الحضارة العربية في القرن السابع الميلادي)، والدرباسية وعامودا ورأس العين وتل أبيض وعين العروس وعين العرب حتى جرابلس... أعداد قليلة كانت تهرب من تركيا إلى أرض الجزيرة السورية تغرس جذورها في الأرض الفارغة من السكان. أما الآشوريون فقد هربوا من العراق عام 1933بعد أن شجعهم الانكليز على الثورة ضد أبناء وطنهم الثاني العراق ( كان موطنهم الأصلي في شرقي الأناضول بين بحيرتي أورميه و وان) شجعهم النظام القيصري الروسي على الثورة على الأتراك بين عامي(1915-1917) واستخدموهم مع الإنكليز لمحاربة الثورة البلشفية فيما وراء القفقاز، ثم نقلهم الإنكليز إلى إيران ثم ساقوهم إلى العراق حيث أسكنوهم قرب بعقوبة وأنشأوا من بعضهم جيشاً من المرتزقة استعانوا به لقمع الشعب العراقي (يعربة وأكرادة) بين عامي 1920 ـ 1922 ولما ثاروا على الحكومة العراقية عام 1933 اخمدت ثورتهم والتجأ نحو 20 ألفاً منهم إلى منطقة الانتداب الفرنسي في سورية وأسكنهم سلطات الانتداب وسلطات الدولة السورية على طرفي الخابور من تل تمر إلى الحسكة وملكتهم الأرض ودفعت لهم خزانة الشعب السوري تكاليف بناء بيوتهم وإعمار أراضهم وأهلا بكل لاجئ فسورية العربية مأمن الخائفين والملهوفين وبلد التسامح والمحبة... ولكن (زعامات)كثير من تلك الجماعات القاطنة في الجزيرة والرقة من عرب وأكراد وسريان واشوريين وأرمن وغيرهم لم تكن دائما على مستوي كرم سورية العربية كانت تتلقى تعليماتها من القوى الأجنبية وكلنا نعرف كيف حاولت هذه الزعامات بتشجيع من الفرنسيين طعن سورية في الظهر بعد أن عقدت المعاهدة السورية / الفرنسية عام 1936 وكيف أثاروا النعرات الإثنية والعشائرية، مطالبين بالاستقلال... بادئين بهدم هذا الاستقلال الوليد... فيما كانت البوراجوزية الحاكمة في دمشق نائمة... منتشية بذلك الاستقلال الهزيل المكبل بالقيود الذي مكنها من اعتلاء كرسي السلطة... فلم تبذل أية جهود لإعمار هذه الأرض شبه الفارغة من السكان... وكان جيلنا يطالب كما هو وارد في نص هذه الريبورتاجات ـ يطالب عبثاً ـ بتوزيع الأرض على الفلاحين وبناء السدود وشق أقنية الري وبناء الطرق والجسور والعناية بالتعليم والصحة والحد من ظلم المتسلطين ومثيري الفتن الإثنية والدينية وإرسال خيرة الموظفين الإداريين لتطوير الحياة في تلك المناطق .
هذه التحقيقات الصحافية تروي جزءاً صغيراً مما كان يجري في ذلك الزمان أنشرها الآن للذكرى وللمقارنة ولعل فيها بعض العبرة وبعض الفائدة.
أستميح السادة القراء عذراً، راجياً منهم التركيز على الهدف الوطني والاجتماعي والإنمائي الذي من أجله أنشر هذه التحقيقات لا على كثير من الهنات وبخاصة في الأسلوبالذي كتبه صحافي شاب في الثالثة والعشرين من عمره، أرجو أن إليها كما قلت سابقاً على أنها وثيقة تاريخية غير مباشرة للمقارنة بين الماضي والحاضر.
ختاماً:لابد لي من شكر العاملين في / مؤسسة توزيع المطبوعات / الذين ساعدوني في الوصول إلى مجموعة جريدة الأخبار. ومن شكر الصحافية الشابة فرح أحمد مازوني التي قامت بتصوير هذه التحقيقات.
وأخيراً كل الشكر للأستاذ الأديب والشاعر رياض صبحة التركماني مدير دار الوسيم الذي أشرف على إخراج هذا الكتاب وطباعته.

دمشق 1/8/2014 المؤلف