من فلسفة النهايات إلى علم المستقبليات

 

عماد الدين إبراهيم- فينكس- خاص: 

في كتابه ( هكذا تكلم زرادشت ) أطلق نيتشة فكرة موت الإله و نهايته، و كانت قد سبقتها فكرة نهاية التاريخ عند الفيلسوف الالماني هيغل، و نهاية الدولة عند ماركس و إنجلز في فلسفتهما الاشتراكية – الشيوعية، و تبعت ذلك سلسلة من النهايات ... نهاية الايديولوجيا حيث صدر العديد من الكتب و الدراسات في هذا المجال، خاصة بعد مؤتمر ميلانو في ايطاليا عام 1955، نهاية الفلسفة التي نظَّر لها مارتن هايدغر، ثم نهاية الانسان و هو عنوان كتاب للفيلسوف الأمريكي من أصـــــــل ياباني فرنسيس فوكوياما ( كتاب نهاية التاريخ و الإنسان الأخير 1989 )، و نهاية المؤلف كما أعلن الناقد الفرنسي رولان بارت عام 1968 في مقالة له بهذا العنوان معطياً الأولوية للنص و مفرداته و لغته و العلاقات الدلالية بين المفردات، إلى آخر هذه السلسة من النهايات، حتى صدرت كتب و دراسات بعنوان ( فلسفة النهايات ).

الجدير بالذكر أن معتقداتنا الدينية الشرقية – يهودية، مسيحية ، إسلامية – كلها مجتمعة و مجمعة على رؤية فحواها ( نهاية العالم ) في يوم القيامة حسب الرؤية الدينية، و التي تسبقها عودة ظهور المسيح أو المهدي المنتظر أو المخلص في معتقدات أخرى، بناء على ذلك يمكننا القول إن فلسفة النهايات موجودة سابقا من خلال التصورات الدينية – الاسطورية عن نهاية العالم و الحياة البشرية، و يمكننا - بشيء من التحفظ – أن نعتبر هذه البدايات و التي تتخذ شكل النبوءات مقدمات بسيطة و ساذجة لعلم لاحق هام جداً، نشأ و استقل و أصبح جزءاً من العلوم المعاصرة هو ( علم المستقبليات ) الذي تبلور و اتضحت ملامحه في ثمانينا و تسعينات القرن الماضي، رغم التنافر و التناقض الظاهر بين الموضوعين، فهناك رابط خفي و دقيق يجمع بينهما.

لقد اهتم الفكر الفلسفي بتقديم تصورات عن المستقبل الإنساني على شكل نظريات خيالية – مثالية لعالم ينتفي فيه الفقر و الظلم، و تسود العدالة و الخير و الجمال، كما في جمهورية أفلاطون، و كما في النظرية الاشتراكية ( شعارها : من كلٍّ حسب قدرته و لكلٍّ حسب عمله ) و الشيوعية ( شعارها : من كلٍّ حسب قدرته و لكلٍّ حسب حاجته ) ، و جاء الفكر الديني أيضاً ليقدم تصوراته الخيالية عن الجنة الموعودة و ما فيها من عدالة و سعادة و رفاهية و متع، لا يجاريها كل ما على الأرض من متع، كل ذلك يصب في رؤية للمستقبل يحلم بها الإنسان و يسعى إليها .

  الدراسات المستقبلية المعاصرة تجاوزت النظرات العابرة و السطحية و الخيالية لمستقبل البشرية، بعيداً عن التفاؤل و التشاؤم، فهي تبحث في ممكنات المستقبل في السياسة و الاقتصاد،  البيئة و الفيزياء، الفن و المعرفة، العلوم الطبية و التكنولوجيا ... الخ، لأنها تدرس الحاضر علمياً، ثم تبني على تلك الدراسات احتمالات التطور في المستقبل، فقد أصبح الانسان جزءاً من عالم شديد التعقيد و التركيب، بعيد عن البساطة و السذاجة كما كان الحال في الماضي، و يرى بعض الباحثين أن البدايات المنهجية للدراسات المستقبلية تعود إلى القرن التاسع عشر، و تحديداً إلى القس الانكليزي توماس مالتوس، صاحب النظرية المعروفة التي طرحها في مقالة له عن الكثافة السكانية، و عرض فيها رؤيته التشاؤمية للنمو الديموغرافي، و رأى أنه لا بد من وضع حدٍّ لهذا النمو بأي شكل من الأشكال و لو عن طريق الحروب، و تتالت لاحقاً الجهات التي تهتم بهذه الدراسات المستقبلية، فقد أسست الحكومة السوفياتية عام 1921 لجنة مهمتها وضع خطة حكومية لتعميم الكهرباء في كل أنحاء الاتحاد السوفياتي خلال خمس سنوات، و في عام 1938 طرحت في بريطانية فكرة تأسيس ( وزارة للمستقبل )، و في فرنسا أسس الفيلسوف غاستون بيرغر عام 1957 المركز الدولي للاستشراف، و صار لاحقاً في كل دولة و جامعة قسم أو مركز خاص للدراسات المستقبلية لما لذلك من أهمية كبرى .

و بناء على ما قلنا سابقاً، فإن الهيستيريا العالمية الآن حول فيروس كورونا ( كوفيد – 19 ) و مخاطره، و الضجيج الإعلامي حول أعداد الإصابات و الوفيات – طبعا لا يذكر عدد المتعافين منه – و المحاولات الحثيثة لابتكار لقاح له في عدة دول، و هنا نلحظ التنافس و التسابق لمن يكون الأول في إيجاد اللقاح لجني ثمراته الاقتصادية و المالية و السياسية و الإعلامية، و يمكننا بكل بساطة إدراج هذا الصخب العالمي حول الفيروس و أهمية تلقي اللقاح المضاد له، و تصورات العالم بعد كورونا، و نمط حياة الناس و تنقلاتهم بين الدول، و التغييرات التي طرأت عليهم ، يمكننا إدراج ذلك ضمن فلسفة المستقبل كما تتبناها تلك الجهات المؤثرة و الفاعلة في العالم، و التي لها رؤيتها و تصوراتها لمستقبل البشرية و الإنسان في عالم الغد، و لا يخفى على كل متابع دقيق ذي حسٍّ أخلاقي و إنساني التلاقي و التكامل بين رؤية مالتوس و نظريته حول النمو الديموغرافي، و رؤية و نظرية أحفاده الواقفين خلف هيستيريا كورونا كطريقة تقنية – علمية للوصول إلى الأهداف و الغايات نفسها ، و هي التحكم بالبشر و بنموهم و حياتهم بأي شكل من الأشكال . 

لقد كان الفيلسوف فوكوياما سباقاً في التعبير عن الخوف و القلق على مستقبل البشرية من هذا التطور في مجال التكنولوجيا الحيوية و من عواقب ذلك على الإنسان، و له كتاب بعنوان ( مستقبلنا البشري : عواقب ثورة التقنية الحيوية ) صدر عام 2002 رأى فيه أنه لا يمكن الوثوق بعلماء البيولوجيا لأن هدفهم الرئيسي هو التغلب على الطبيعة، و غالبيتهم لا تهتم بأي اعتبارات أخلاقية ، لذلك فإن الإنسان لا يعرف إذا ما كانت هذه التكنولوجيا ستنقذه أو ستقتله ؟

و يبقى السؤال مفتوحاً على ضوء استخدام المسيطرين على العالم لهذه التكنولوجيا ، لكن البوادر – حتى الآن - لا تبشر بالخير .