حازم مبيضين: معارض الكتاب «الدوليَّة»

لاتكاد عاصمة عربية تخلو من معرض «دولي» للكتاب يقام سنويا، ومنها معرض أبو ظبي وفلسطين وليبيا وعمان واليمن والجزائر وبيروت والكويت والشارقة والخرطوم والدار البيضاء والدوحة وجده والرياض والبحرين ومسقط وتونس وأربيل وحتى اسطنبول، وكلها ما شاء الله «دولية»، ومع انني حضرت أكثر من واحد منها، فإنني لم ألحظ «للدولية» أثرا، ولو حتى من قبيل الزوار.

الطريف أن هناك لجنة تدعى لجنة المعارض العربية والدولية، وهي تعقد اجتماعات لتدارس وضعية تلك المعارض وإيجاد آليات للتعامل والتفاوض مع إداراتها، لتسهيل مشاركة الناشرين، وهناك أيضا اتحاد الناشرين العرب، الذي يطالب إدارات المعارض بإشراك فروعه المحلية في الترتيبات وشروط الاشتراك، واعتبار الناشر شريكا اساسيا وليس إضافة، ويهدد بعدم اعتماد أي معرض لا يأخذ ذلك بعين الاعتبار.

من المفترض والمطلوب، أن تعيد معارض الكتب الدولية بوصلة الاهتمام نحو الكتاب الذي يعاني الإهمال والنسيان، في زمن أصبحت المعرفة متاحة بكبسة زر على الانترنت، فهل تقوم بهذا الدور؟ مع افتراض أنها تعد مهرجانا ثقافيا وفكريا، يجمع في طياته المئات من دور النشر المحلية والعربية والأجنبية، التي ترعى ولادة إصدارات جديدة لكتاب ومثقفين وشعراء وأدباء وإعلاميين، من خلال حفلات التواقيع والندوات التي تقام على هامش المعرض، غير أن الاعتراف بتراجع نسبة القراء عموما، والمشاركين في المعرض على وجه الخصوص، ينفي ذلك لنواجه جميعا سؤال هل تقام معارض الكتب اليوم لضرورة ثقافية، أم تلبية لحاجة اقتصادية؟ مع الاعتراف بأن دور النشر تعيش أزمة حقيقية، مع تزايد الاهتمام بوسائل التواصل الحديثة، وهي وإن كانت تسعى لتقديم الكتاب بنوعية جيدة، وتبذل جهدها لترويجه وتوزيعه، فإنها تنطلق من مصلحتها التجارية، وليس حبا بالكتاب، ولا سعيا لنشر الثقافة، ولذلك تصر على الاستمرار، رغم تراجع نسبة القراء لصالح كثرة رواد مواقع التواصل الاجتماعي.

مؤسف أن معارض اليوم وخصوصا أكبرها، تعد سوقا عامة، أكثر مما هي لعرض الكتاب، فالسوق كما نعرف مخصصة لبيع السلع و المنتجات أما المعرض، فهو لعرض الكتب وتسويقها، أما في معارض الكتاب العربية، فثمة تجاور للكتب مع مواد و منتجات و بضائع أخرى ليس لها أي صلة بالثقافة أو المطبوعات، هناك دائما مأكولات ومشروبات مختلفة، كما لو أن الزائر ذاهب لتلبية نداء المعدة، بدلا من نداء العقل و الوجدان، وهناك أيضا أجهزة حاسوبية وقواميس إلكترونية بجانب البوسترات و الإعلانات الضخمة و المختلفة، وأسطوانات الأغاني و الأفلام، والعطور و البخور في مشهد يؤكد أن معارضنا العربية أصبحت سوقا للبضائع المختلفة أكثر منها معارض للكتاب، ويكتمل المشهد بوجود الكثير من مندوبي البنوك، يحاولون استمالة الرواد، لفتح حساب أو عرض الخدمات التي تقدمها بنوكهم.

ينقص معارضنا العربية أن تنقلب على صفتها كدكاكين تبيع أوراقا، إلى أجنحة للنقاش والمتعة و الحوار، ومؤلم أن نجد أن الكتب التراثية تباع فيها بالكيلو، كما في معرض القاهرة الدولي، في مشهد يوحى بتدني التعامل مع الكتاب، خاصة القديم الذي يحمل في نفوس الكثير منا مكانة كبيرة، ومؤكد أن المثقف الحقيقي يشعر بالحزن وهو يرى أن معارضنا باتت مرتعا للتسكع و التنزه، الأمر الذي باعد بينها و بين ما وضع لها من أهداف ثقافية جليلة، بينما يرى البعض أن فكرة معارض الكتاب التي تتفاخر الدول العربية بإنجازها، تبدو فكرة متخلفة وبدائية في زمن إذابة الحواجز وتحطيم الحدود، والغزو المعرفي إلى غرفة مكتبك عبر زر الكومبيوتر.

تمتاز معارضنا بعدم التنظيم ومن ذلك الاعتذار لدور نشر بعد قبول مشاركتها بالفعل، والتأخر في توجيه الدعوات للشخصيات العالمية، أو تمديد فترة المعرض أياما إضافية، بسبب الإخفاق في تحقيق نسبة معقولة من الزوار أو المبيعات أو عقد المعرض في أوقات غير مناسبة للجمهور، وهي أيضا تتميز سلبيا بنوعية الكتب التي تعرضها، وأبرزها الدينية والطبخ و المأكولات والولائم و التجميل، و الأغاني والألغاز، وتعد مشكلة الرقابة على الكتب، و مصادرتها في بعض الأحيان واحدة من أهم المشاكل والتحديات التي تواجه المطبوع العربي، إبتداء من التفكير فيه، مرورا بتأليفه، إنتهاء بنشره وتوزيعه و عرضه. فضلا عن أن الكاتب يمارس رقابة ذاتية، تحد من إبداعه، وتلك حكاية أخرى.

وبعد، فإنه لضمان نجاح فكرة معارض الكتاب، لا بد من تطوير «البنية الثقافية» للبلد الذي تقام فيه، بإنشاء المكتبات و تعزيز دور النشر، وتحديد الهدف الرئيس والعمل على تحقيقه، وإعادة النظر بعمق في المواقع الحالية لتلك المعارض، لتكون أكثر ملائمة، بجانب تخصيص الموقع لعرض الكتاب فقط، و ما يحيط بذلك، على أن لايمتد لأي مادة أخرى، وتخفيف الرقابة أيا كان نوعها وتقليص دورها – إن لم يكن إلغاؤها – والعمل على تشجيع التفكير والحوار بدلا من ذلك.

الصباح "العراقية"