أملاك الدولة في جلسة المجلس النيابي في 12 شباط 1949

كتب الدكتور عبد الله حنا:

 في جلسة 12 شباط 1949، تعرض بعض النواب أثناء مناقشة ميزانية وزارة الاقتصاد إلى ملكية الأرض وبخاصة ملكية أملاك الدولة. وفيما يلي أقوال النواب في هذا الموضوع، فهي تعطينا فكرة عن الجو السائد أنذاك:

أكرم الحوراني: يتساءلون عن الوضع الاشتراكي ويقولون ماذا يريد من ينادي بالاشتراكية في هذه البلاد؟ اننا لا نعني اشتراكية ستالين ولا اشتراكية هتلر وانما نعني بعض الذوق وبعض العدالة في هذه البلاد، نعني ألا يحرم الفلاح من الأرض، وما دام هناك أراض واسعة متروكة "بورا" لا يستثمرها أحد فإننا نعني بعض الذوق في أن يتحقق للعنصر المنتج العامل في هذه البلاد حياة انسانية لائقة، وان تتدخل الدولة مباشرة في هذا الموضوع وتضع حدا لاستثمار مفجع سيء.
التشريع القائم تشريع سيء جدا، وما دام يسمح للفرد بأن يحيي أراضي من الموات غير محدودة فيجب على الدولة انشاء تشريع جديد لهذه الأمور... وسأتقدم في فرصة قريبة بتشريع خاص بأملاك (الدولة ويتناول جميع نواحيها".
أديب نصور: "أظن أن الزميل أكرم الحوراني أراد بكلمته أن يشير إلى ما كتبته منذ أيام عن الاشتراكية، طلبت فيه من الذين يتحدثون عن الاشتراكية أن يقولوا لنا ما الذي يعنونه بالضبط، لأن الاشتراكية أنواع كثيرة. وأذكر ان الحوراني طالب الحكومة في جلسة سابقة بإقامة نظام اشتراكي. واليوم أشكره لأنه أعطاني فكرة واضحة عن هذه الاشتراكية التي يقصدها. قال انه يعني شيئا من الذوق وشيئا من العدالة، وانا أقول له بكل اخلاص ان الذوق والعدالة بحاجة إلى تعريف وانهما لا يشكلان مذهبا اشتراكيا اقتصاديا اجتماعيا ندعو إليه الناس.
والرأي عندي أن لا تتخلى الحكومة عن ملكية الأراضي بل تستبقيها لنفسها وتتخلى للفلاحين الصغار عن الاستغلال.. لا يجوز أبدا أن تؤلف اقطاعيات جديدة وشركات ربما تحتمي بالنفوذ الحكومي".
محمد السراج: "لدى احصاء من الدوائر الرسمية ان عدد قرى أملاك الدولة 1114 قرية مساحتها 1343123 هكتارا والمؤجر والمستعمل منها يبلغ 72% وغير المؤجر وغير المستعمل 28%. الاتجاه هو تشجيع الملكية الفردية الصغيرة، ولكن الذي حدث في السنين الأخيرة ان اغتصبت حقوق الفلاحين الفقراء البائسين، بلغت مساحة الأراضي المزروعة في عام 1946 (2290003) هكتارا وبلغت مساحة الأراضي غير المزروعة ولكنها قابلة للاستثمار 3359903 هـ أي ان الأراضي غير المزروعة ولكنها قابلة للاستثمار تزيد مساحتها على مساحة الأراضي المستثمرة وهناك أراض غير قابلة للاستثمار تبلغ مساحتها 2814660 هـ فيكون مجموع مساحة الأراضي غير المستثمرة 6174563 هـ، واني أعتقد ان قضية اخواننا عرب البادية يمكن أن تعالج من هذه الناحية وكذلك أمامنا هجرة مستمرة من الريف إلى المدينة. فقضية هؤلاء يمكن أن تعالج من هذه الناحية. وقلت في جلسة ماضية انه بالامكان أيضا مقاومة الدعايات الهدامة* التي تأتينا من خارج هذه البلاد... لأننا لا نريد الفوضى ولا زيادة البؤس، لأن البؤس يؤدي إلى الثورة، ولكن الثورة التي نريدها هي ثورة اصلاح تصدر عن مجموعة الأمة. ولذلك ألفت نظر الحكومة إلى ناحية أراضي أملاك الدولة غير المؤجرة وغير المستعملة وإلى ضرورة استثمارها وضرورة حماية البائسين الذين استأجروا هذه الأرض".
هاني السباعي: "مصلحة أملاك الدولة قامت فيما مضى بعمل مجيد يتعلق بالأراضي المستثمرة من قبل الفلاحين، وهو أن تعطيهم هذه الأرض بطريقة التقسيط. وقد تم لكثير من الفلاحين عقد هذه الصفقات، ولكن الحكومة أو مديرية أملاك الدولة توقفت عن هذا العمل منذ مدة طويلة".
أحمد قنبر: "هناك غارات على أملاك الدولة. وان هناك سلبا لأموالها، رجال رسميون كبار وصغار تأمروا على أراضي أملاك الدولة، وان قسما كبيرا منها اكتسب الصفة القانونية".
أحمد الشراباتي: "ان الأرض التي لدى الاقطاعي والأرض التي لدى الفلاح الصغير هي من أملاك الدولة فمن يحسن استثمارها ويقدم بواسطتها خدمات للوطن يمكن الابقاء على تصرفه بها، أما من لا يحسن التصرف فيها فيجب أن تنتزع منه. ... علنا نتبع اشتراكية عربية بدلا من الاشتراكية الماركسية أو الستالينية أو الهتلرية، فنحن في تاريخنا من النزعات التقدمية منذ عهد عمر بن الخطاب وأبي ذر إلى الآن، الكثير من الاشتراكية العربية التي يمكننا الاستناد إليها دون أن تأتي بالغريب من الشرق او الغرب".
عبد العزيز الحلاج: "... فأراضي أملاك الدولة الموات يرجع بيعها أو اعطاؤها بحق التصرف أو ببدل المثل إلى قانون الأراضي الصادر سنة 1928 وأظن أن مفعوله لا يزال ساريا وليس هناك تحديد للمساحات المعطاة. وأراضي أملاك الدولة (الجفتلك) أو الأراضي المدورة تفضل فارس الخوري في كتابه موجز علم المالية وأشار إلى اعطائها إلى أصحابها مقسطة لمدة قصيرة جبرا لخاطرهم... القرار رقم 275 أجاز لادارة أملاك الدولة بيع الأراضي المدورة إلى مستأجريها بقيم تقدرها لجان تؤلفها الحكومة وقد قطعت الادارة شوطا وجرى بيع قسم منها بالايجار مع الوعد بالبيع ولكن الادارة توقفت".
عادل رسلان: ".. أرى اننا في غنى عن النظريات الاشتراكية وعن تطبيقها، وما دام للدولة أرض فلماذا يبحثون عن انتزاع أراضي أصحاب الأملاك سواء كانوا اقطاعيين أو من صغار الملاك*".
لطفي الحاج حسين: "يتحدثون بأن أراضي في الجزيرة بيعت إلى بعض اللبنانيين، وقد قيل ان القصد من شراء هذه الأرض ليس استثمارها، بل التنازل عنها للصهيونيين بأثمان فاحشة.. والذي أعرفه أنه لم يبع في الجزيرة إلى اللبنانيين سوى خمسة آلاف دونم، بيعت إلى ابراهيم الحمس من قبل عارف العوض، وبأمر من هنري فرعون بصفته وكيلا له.. لا يوجد اقطاعيات في الجزيرة لأن الأراضي موزعة بين العشائر التي تحيا عيشة اشتراكية*".
ممثل أملاك الدولة: "ان قرى أملاك الدولة يباح بيعها لمزارعيها ومستثمريها المستأجرين، وقد صدرت مراسيم ببيع بعض الأراضي للمزارعين على طريقة الايجار مع الوعد بالبيع في عام 1931 – 1932 ثم بثت دعاية بين المزارعين رغم صدور المراسيم فلم يتقدم بسببها أحد للتعاقد مع هذه الدائرة. والآن بمناسبة ارتفاع أسعار الحاصلات وأسعار الأراضي وجدوا أن القيم المقدرة سابقا لأجل الايجار مع الوعد بالبيع مناسبة جدا ولذلك يريدون تطبيق هذه المراسيم التي صدرت عام 1932 ولكن الادارة وجدت أن هذه الأسعار لا تتناسب أبدا مع الأسعار التي تقدر حاليا للطالبين الجدد ولذلك نهجت نهجا جديدا وذلك بأن تعمد إلى تقدير جديد لمن أبوا التعاقد مع الدائرة فيما مضى وقد وافقت على ذلك دائرة المالية... ولا يوجد أي مانع لدى الدائرة من تلبية طلبات الايجار مع الوعد بالبيع".
خالد العظم: "... الحكومة لا تستطيع اعطاء جواب صريح عن خطتها حيال هذه القضية بعد دراسة الأرقام يصبح المجال مهيئا للاجابة".
نائب جرابلس زكي المدرس: "علمت بصورة خصوصية أن أحمد الرفاعي وزير العدلية أوعز سرا إلى دائرة التحديد والتحرير في حلب بلزوم البدء بتحرير وتحديد أملاكه وقراه في قضاء جرابلس الذي أولاني تمثيله".
أحمد قنبر: "هناك غارات على أملاك الدولة في الجزيرة يشنها الأقوياء والمتنفذون الذين لا يستثمرون الأرض ولا يدعون أحدا يستثمرها إلا اذا دفع الاتاوة التي يسمونها الخوة (اما أن الحكومة لا تعرف أو ليس لها سلطان) يأتي متنفذ ويستأجر عن الحكومة أرضا مساحتها ألف دونم ولكنه في الواقع يتصرف بخمسين ألف دونم. أملاك الدولة مسيبة وليس من يسأل عنها. لعدم وجود موظف مالي*.
خالد العظم: "أرجو من النواب أن يتكلموا بصراحة ويبينوا بوضوح أسماء المتواطئين من الموظفين أو الأشخاص العاديين، وسأطلب من الوزارة المختصة أن تقوم بواجبها".
الرئيس: "هذه العريضة أتى بها جماعة من الجزيرة يشكون شخصا متنفذا يحمل سندا باستغلال خمسمائة دونم من الأرض ويحاول التصرف بمساحة شاسعة تشمل أكثر من خمسين قرية ومزرعة".
خالد العظم: "يطلب بالحاح من قنبر الادلاء بالبيانات الواضحة.
عبد الوهاب حومد: "ان قضية الأراضي يصح أن نعتبرها شغلنا الشاغل. الشباب بدأ يهاجر طلبا للمعاش، وأعتقد ان أفضل وأقرب وسيلة لمعالجة هذه القضية هي اعادة النظر في الملكيات الواسعة، واذا كان الوقت لم يجيء بعد للنظر في موضوع الملكيات الواسعة، فيجب عليها على الأقل أن نحول دون نشوء اقطاعيات صغيرة في الجزيرة أو غيرها.. أرجو من الحكومة أن تتقدم بمشروع قانوني تعطي فيه للفلاح الصغير الحق الطبيعي – على الأقل – هذا الحق الذي يمكنه من العمل والمعيشة من عرق جبينه، لا أن يعيش مع عياله كالحيوانات تحت كنف المتنفذين فلا يأكلون الا الشعير الأسود، لأن هذا المتنفذ بما له من تأثير مستمد من الحكومة يستطيع أن يضغط على هذا الفلاح ويأخذ ثمرة أتعابه اذا كنا نود القضاء على اسرائيل فعلينا أن نعد العدة وأن نشيد وضعنا الاجتماعي على أسس صحيحة فلا نترك لرأس ولا لمتنفذ التحكم بالعامل والفلاح.
الحلقة القادمة: تيارات المجلس النيابي 1947 – 1949 والمعضلة الاجتماعية