يحيى زيدو: ميراث الكراهية و الكذب

- مقتنعون بما نتمتّع به من عقلٍ، فالعقلُ أعدلُ الأشياءِ قسمةً بين الناس. ليس ثمّة من داعٍ لطلب المزيد..
- راضون بما نملك بشكل نسبيّ، و لا مانع من زيادته بطرقٍ شرعيّةٍ أو غير شرعيّة، فالرفاهيّة لا حدود لها.
- مستمتعون بمساحات الجمال التي نستحوذ عليها، أو نحوزها بشكل قَبليّ أو مُكتَسَب، و نرغب بالمزيد. في الجمال لا يحقّ لأحدٍالاكتفاء، طلب المزيد واجب.
- معتقدون بأننا نؤدّي واجباتنا على أكمل وجه، لكن الآخرين ليسوا كذلك.. التقدير المتضخم للذات يبدو للبعض واجباً أخلاقيّاً دائماً.
- موافقون على نصيبنا في إرث العائلة بحسب القوانين.. و كنا نتمنى لو كانت التركة أكبر، لكنّها القوانين.. و الرحمةُ على الميت تكون على قدر الإرث تماماً.
- مؤمنون بأننا متديّنون بما يكفي لدخول الجنّة، و واثقون من رحمة الله و مغفرته، فالتديّن يستلزم قليلاً من الثقة بالله أمام الناس الذين سيذهبون إلى جهنّم لأنّهم ليسوا على ديننا!
لكن ماذا عن ميراثنا من الكراهية و الشَّرّ الذي نتازع ملكيته رغم إنكارنا له؟
ماذا عن ميراثنا من الكذب و التّكاذب المنثور ببراعةٍ في زوايا حياتنا في كلّ وقت؟
كلنا نقول: إنّنا بريئون من هذا الإرث، لكنّ ممارساتنا مملتئة به...
- ندّعي غسل حياتنا من الآثام و الحقد و الشرور كل يوم.
- نصلّي.. نرتاد أماكن العبادة لكي يرانا الناس و ليس لأننا مؤمنون..فالله غفور رحيم أكثر من ألسنة الناس..
- نقدّم الصّدقات لكي يتحدث الناس عن فضائلنا.. فضائلنا التي نتمنّاها لا تلك التي نمتلكها.
- نشارك في تشييع الموتى، نتسابق على كسب (الأجر) أثناء التشييع، و في دواخلنا ندعو أن يموت عشرةٌ من المشيّعين المشاركين معنا على الأقل لأنّنا نكرههم.
- ننسب الأقوال و الأفعال الجميلة لأنفسنا، و ندّعي الإبداع و الحكمة و الرّصانة في الوقت الذي ننسب فيه للآخرين سفالاتنا و إحباطنا و تفاهاتنا.
- نغشُّ في البيع و الشراء.. في الصناعة و الزراعة و التجارة.. ثم نخطّ على الجدران (تجارةٌ لن تبور).. نعم إنّها تجارة التكاذب و النفاق و الشّر التي نملك منها ما يعبّد الطريق من زمن (قارون) إلى منزل (بيل غيتس).
- نخدع في الحبّ، نمارس الخيانة الفكرية و الأخلاقيّة، و قلّة الأمانة، و نعطي نصائح فيما يجب أن يكون، وفي الوقت نفسه نريق ماء وجهنا على أبواب المتنفِّذين كعاهرةٍ متقاعدةٍ..
- نقتل جنديّاً طلب تغطية ظهره ليقتحم مقرّاً لإرهابيين جاؤوا من أصقاع الأرض ليذيقونا الموت بكل اللغات.. نعم نقتله لأننا كنّا مهتمين بسرقة منزلٍ لأشخاصٍ اضّطرتهم الحرب للنجاة بأرواحهم.. ثم نستمتع ببيع المسروقات لشراء المتعة..
- ميراث الشّرّ و الكراهية و الكذب و التّكاذب هو أكبر موروث إنساني يشترك فيه البشر، و يدّعون نكرانه... موروثٌ حيٌّ يتجدّد فينا كل يوم.. إننا نعيش قطيعةً مع الفضيلة، نعيش فُصاماً بين ما نؤمن به و بين ما نفعل.. و ما دامت الكراهية تعتاش و تقتات على تكاذبنا فلن ينتج لدينا سوى المزيد من الكراهية.. الشّجاع فقط هو الذي يستطيع أن ينزع الكراهية من قلبه، و بانتزاعها سيسقط مبدأ التكاذب كفنٍّ للعيش، لأن (المنحطّين فقط يحتاجون الكذب، فهو أحد شروط حياتهم) كما يقول الفيلسوف الألماني (نيتشه). و(الموت مع الصدق خير من الحياة مع الكذب)، كما يقول الفيلسوف الإغريقي (أرسطو). لذا (اعتقد كي تفهم..و افهم كي تعتقد) كما يقول القدّيس (أوغسطين).