جمانة طه: المرأة العربية في منظور الدين والواقع

يقول محمد عابد الجابري: "النهضة لا تنطلق من فراغ بل من الانتظام في تراث. والشعوب لا تنتظم في تراث غيرها، بل في تراثها هي. إنَّ تراث الغير، صانعَ الحضارة الحديثة، تراث ضروري لنا فعلًا، لكن لا لنندمج فيه ونذوب في دروبه."
وإذا كان لا بدَّ لكل أمة من تاريخ وتراث تستند إليه وتنطلق منه بخطى ثابتة واثقة، مصممة على ارتياد كل جديد، فنحن العرب لا نشكو من انعدام ذلك، بل العكس هو الصحيح. وغنى الأمثلة الجيدة في تراثنا يجعلنا أمام مسؤولية كبيرة، هي أن نكون جديرين بهذا التراث ولا نفرط به. ليس بحفظه فقط وإنما بالتواصل معه والأخذ مما فيه من إيجابيات، كي نظل أحياء به ويظل حيًا بنا.
يمتاز تراث أي أمة بالخصوصية والعمومية. فالخصوصية هي التي تنبع من البيئة ومفرداتها، وتسمى بالتراث الوطني أو القومي. أمَّا العمومية فهي التي تنتج عن تلاقح الثقافات المختلفة، وتفاعل الشعوب بعضها مع بعض. فلا حدود ولا سدود تستطيع أن تحول دون انتشار الثقافة أو انتقال الحضارة، مادام الزمن لا يتوقف، والتأثير والتأثر مستمرين، وكل جيل يأتي هو امتداد لجيل سبق. وفي هذا المعنى يقول الجاحظ: "ولولا ما أودعت لنا الأوائل في كتبها وخلَّدت من عجيب حكمتها ودوَّنت من أنواع سِيَرها حتى شاهدنا بها ما غاب عنا وفتحنا بها كل مستغلق كان علينا، فجمعنا إلى قليلنا كثيرهم، وأدركنا ما لم ندركه إلا بهم، لخسَّ حظنا من الحكمة وضعف سبيلنا إلى المعرفة."
وتوكيدًا على وجود المضيء في حياتنا وثقافتنا، رأيت أن أذكِّر بأدوار بعض النساء، في مراحل مختلفة من التاريخ وفي أماكن مختلفة ومناسبات مختلفة، كانت في معظمها أدوارًا ذات فعالية بناءة تدلل على الحضور الكبير للمرأة في كل زمان وفي كل مكان، وعلى فضلها في عالم الحضارة والمدنية.
والتذكير بالأدوار والمواقف المتخيرة يهدف إلى تسليط الضوء على أنواع مختلفة من علاقة كانت قائمة بين الرجال والنساء، على نحو قد يزيل عنها الغموض ويساعد على فهم طبيعة هذه العلاقة. ولعلَّ ذلك يقلل من النظرة الدونية للمرأة، ويعيد التواصل الإيجابي بين الرجل والمرأة على أساس من الاحترام والتكافؤ الفكري. فنتخلص من الصراع المصطنع الذي تحالف على صنعه الغرب والموروث الاجتماعي والثقافي، وتقبلناه على أنَّه من المسلمات.
كما أنَّ هذا التذكير يضعنا في الإطار العام للمجتمع الذي أفرزها، لفهم دواخل هذا المجتمع أو بعضه. ففي بعض الأحيان نستشعر ازدهار الديمقراطية وتألق الحرية، وأحيانًا نكاد لا نلمح أثرًا لها. وإذا لمسنا في بعض المواقف إنسانية المرأة وسمو أهدافها، فإننا نقع في مواقف أخرى تحت وطأة تسلطها وقسوتها، التي قد تصل إلى حد قتل أحد أقربائها أو تدبير قتله. وهذا بمجموعه يدل على الاضطراب القائم في العلاقة الاجتماعية، وفي البيئة النفسية لصاحبة الموقف.
ولا ريب في أنَّ المواقف التي تمثلت في حياة هؤلاء النسوة، تؤكد على وعيهن الكامل وانفتاحهن على قضايا مجتمعهن، وقدرتهن على مواجهة التحديات المحيطة بهن في الساحة العامة، وهذا بفضل الظروف الطبيعية التي كفلت لهن إمكانات النمو الروحي والعقلي والالتزام العملي بالمستوى الذي تتوازن فيه عناصر الشخصية بشكل طبيعي في مسألة النمو الذاتي.
وهناك حقيقة لا بد من التذكير بها، هي أنّ قيمة المرأة العربية لم تكن تتناسب في أي عصر من عصورنا، مع العدد المتميز من النساء الذي قدمته لنا هذه العصور.
فالمرأة في التاريخ العربي، عنصر مكوِّن فيه. وهي في تحركها أو جمودها علاقات منتشرة ومنبثة في جنباته الظاهرة والخفية، وفي تكوينه وحركته، شأنها في ذلك شأن الرجل الذي هو العنصر الثاني المكوِّن فيه. وعليه فمن غير الطبيعي، إن لم يكن من المستحيل، عزل سيرتها في هذا المجتمع أو تأطيرها ضمن حدود معينة لا تجاوز فيها.
لعبت المرأة لدى العرب دور الملهم والحافز، إلى جانب كونها مبدعة. إذ أنّها هيأت بعبقريتها لعبقرية الأمة في مجموعها، فأسهمت إلى جانب الرجل في بناء كيان الأمة وترسيخ وجودها منذ نهضتها الأولى وحتى الآن.
وتجدر الإشارة إلى أنَّ بعض النساء العربيات في المرحلة التي سبقت ظهور الإسلام، أسهمن بمواقف كان لها تأثير واضح في سياسة القبائل من حيث تحالفاتها وحروبها. كما كان للمرأة العربية في المراحل الإسلامية اللاحقة، مواقف مؤثِرة ومميزة. وبرغم فردية هذه المواقف، إلّا أنها لم تبتعد عن صيغة التعميم. فتعدت هذه المناسبات الفردية حدودها الخاصة، إلى الحدود الجماعية فخلدت واستمرت.
فمن الصعب ألا نتذكر ولا سيما في أيامنا الحالية "الجمانة بنت قيس" التي استطاعت أن تحقن دماء قبيلتين عربيتين، بحكمتها ومحبتها لأهلها. فقد روى ابن الأعرابي عن المفضل الضبي، أنَّ خلافًا نشب بين قيس والربيع حول درع أخذه الربيع عنوة، فأتت الجمانة إلى جدها وقالت له: "إذا كان قيس أبي فأنت جدي. وما يجب لـه من حق البنوة عليّ إلّا كالذي يجب عليك من حق البنوة لي. إنك قد ظلمت قيسًا بأخذ درعه، والمعارض منتصر والبادي أظلم. إلى أن تقول له: الحرب متلفة للعباد وذهَّابة بالطارف والتلاد، والسلم أرخى للبال وأبقى لأنفس الرجال. فصدع الجدّ برأي حفيدته، وردّ الدرع إلى قيس.
و"سبيعة بنت عبد شمس" التي أجارت قومها في خبائها حقنًا للدماء في أثناء حرب الفجار،فوافقها على ذلك زوجها "مسعود بن مالك الثقفي" مع أنَّه كان في حرب معهم. كما أجارت قوم زوجها بعد هزيمتهم، وفي هذا وافقها ابن أخيها "حرب بن أمية".
و" بُهيسة بنت أوس بن حارثة الطائي" التي خطبها الحارث بن عوف المريّ وأراد أن يبني بها، وكانت حرب داحس والغبراء قد عصفت وحمي وطيسها، فقالت له:
كيف يمكن أن نستشعر السعادة والطمأنينة، وقومنا يتقاتلون ويجري الدم بينهم؟ اخرج إليهم وأصلح بينهم، ثم ارجع إلى أهلك فلن يفوتك ما تريد. فكان رأيُها حافزًا للحارث على النهوض والسعي بين القبيلتين العربيتين المتحاربتين "عبس وذبيان"، حتى عَمَّ السلام.
و"خويلة بنت رئام" التي علَّمت قومها ألا يناموا على ضيم، وحفزتهم على الانتقام لقتلاهم من بطني داهن وناعب اللذين أغارا على رئام وهم نيام. وذلك حين عمدت إلى خناصر القتلى من أهلها، فقطَّعتها وانتظمت منها قلادة ألقتها في عنقها حتى تمَّ الثأر.
و"عمرة بنت النعمان بن بشير" التي لم تبال بتهديد مصعب بن الزبير، ودفعت حياتها وفاء لزوجها المختار الثقفي المتهم في دينه.
و"زبيدة بنت جعفر المنصور" التي أعطت مثالًا على التعطف والكياسة، حين أوصت ابن هامان قائد جيش الأمين في قتاله المأمون، قائلة له: "يا علي، إنَّ أمير المؤمنين الأمين، وإن كان ولدي، فإنِّي على عبد الله المأمون متعطفة مشفقة لما يحدث عليه من مكروه وأذى. فاعرف لعبد الله ولادته وأخوته، ولا تجبهه بالكلام فإنك لست لـه نظيرًا. ولا تقتسره اقتسار العبيد ولا توهنه بقيد أو غلّ، ولا تمنع عنه جارية أو خادمًا. ولا تعنف عليه في المسير، ولا تركب قبله. وخذ بركابه إذا ركب، وإن شتمك فاحتمل منه".
والنفراوية "زينب بنت اسحق" زوجة يوسف بن تاشفين، التي قال عنها صاحب الاستقصا:" إنها كانت عنوان سعده والقائمة بملكه والمدبرة لأمره والفاتحة عليه، بحسن سياستها لأكثر بلاد المغرب". وقال عنها ابن الأثير في الكامل: "كانت من أحسن النساء، ولها الحكم في بلاد زوجها ابن تاشفين". وقال ابن خلدون: "كانت إحدى نساء العالم المشهورات، بالجمال والرياسة".
و"الصليحية "أروى بنت أحمد" التي حكمت اليمن بعد وفاة زوجها بتفويض من الخليفة الفاطمي المستنصر، واستطاعت بحنكتها وحكمتها أن توطد عرشها وتنهي خلافًا مترسخًا بين أسرة الصليحيين وأسرة الزواحيين. وتقضي بذلك على فتنة سعيد الأحول، الذي أقلق من سبقها من ملوك.
و"تقية بنت غيث بن علي السلمي الأرمنازي" وتلقب بست النعم، التي كانت فاضلة متأدبة ولها شعر جيد. مدحت المظفر ابن أخي السلطان صلاح الدين بقصيدة أغربت فيها بوصف الخمر. فقال: لعلها عرفتْ ذلك في صباها! فبلغها قوله، فنظمت قصيدة أخرى حربية، وسيَّرت إليه تقول: علمي بتلك كعلمي بهذه.
و"الست نَسَبْ" والدة الأمير فخر الدين التي كتب عنها الرحالة الإنكليزي جورج ساندس، قائلًا: "إنَّ ولدها لم يكن يشرع بقتال ولا يقدم على عمل عظيم إلاَّ بعد أن يسترشد بحكمتها ويأخذ رأيها". ويؤكد سانتي مهندس البعثة التي حضرت إلى لبنان من توسكانة، "أنَّها هي التي أوعزت إلى ابنها فخر الدين باستخدام آل الخازن وباستقدامهم إلى الشوف". فربما كان لهذه السيدة الفضل في جعل لبنان في ذلك الحين، يعيش في وحدة وطنية.
والأرسلانية "حبوس بنت بشير" التي قامت بأعباء إمارة مقاطعة الشويفات بهمة عالية وعقل سديد، بعد وفاة زوجها عباس بن فخر الدين الأرسلاني. يقول عنها الشدياق مؤرخ لبنان: "تولت على المقاطعة لذكائها وصغر أولادها، فساست الرعية سياسة حسنة حتى كانت ملجأً وغوثًا للناس. واستمرت بحكم المقاطعة، حتى كبر ابنها أحمد وقام مكانها".
وإذا اختلفت المواقف بين امرأة وأخرى، فذلك يعود لتفرد كل إنسان بخصائص فكرية وأخلاقية واجتماعية تميزه من سواه. وهذا التفرد يملي الاختلاف في المواقف وفي طرائق التعايش، ويمنح التعدد في الهوايات والميول والرغبات. قرأت في كتاب "أخبار الظراف والمتماجنين" لعبد الرحمن بن الجوزي، ما يلي:" قال الزبير بن بكار: قالت بنت أختي لزوجتي: خالي خير رجل لأهله، لا يتخذ ضرة ولا يشتهي جارية. فقالت المرأة: واللهِ، لَهذه الكتب أشد عليّ من ثلاث ضرائر".!
في حين أن زوجة أبي الحسن الخولاني المعروف بالحداد المَهدوي حزنت حزنًا عظيمًا، كما جاء تحت مادة "مهدية" في معجم البلدان لياقوت الحموي، عندما بدأ يبيع كتبه لضرورة حياتية. فوصف مشاعرها في هذه الأبيات:
قالت وأبدتْ صفحة كالشمس من خلف القناع
بعتَ الدفاتر وهي آخر ما يُباع من المتاع
فأجبُتها ويدي على كبدي وهمَّت بالصداع
لا تعجبي مما رأيتِ فنحن في زمن الضياع
***
لم تكن مواقف كل الشهيرات في التاريخ مواقف إيجابية بالمفهوم الأخلاقي والإنساني، وهذا أمر طبيعي تحتمه الفطرة البشرية. فالإنسان مثل الحياة لـه وجه خير ووجه شر، والعلاقة بين الحياة الاجتماعية وبين التركيب الاجتماعي في مفرداته الإنسانية علاقة متناغمة مستمرة دائمًا. فهناك "أم جميل، زوج أبي جهل" التي ترجمت يداها الشريرتان صدقها مع عقيدتها.
و"هند بنت عتبة" التي جعلها حقدها على حمزة أن تلوك كبده بعد استشهاده. وأم زمل "سلمى بنت مالك الفزارية" التي لم تنافق ولم تناور في وثنيتها، ولم تجامل عائشة التي أعتقتها من السبي. فارتدت عن الإسلام في زمن أبي بكر وجمعت حولها فلولًا من بني غطفان وسُليم وطيء وهوازن، فقاتلها خالد بن الوليد وهي واقفة على جمل وقاتل جموعها قتالًا شديدًا. وقيل: إنه قتل حول جملها، نحو مائة رجل.
والكاهنة "سجاح بنت الحارث بن سويد" التي كانت راسخة في النصرانية وكاهنة من كواهن قومها، وكان لها تأثيرها الفكري فيهم. وقد دفعتها مطامحها السياسية إلى أن تتزعم قومها بني تغلب، وتمد نفوذها على القبائل العربية في العراق. ومن أجل هذه الغاية، قادت تحالفًا قبليًا ووقفت في وجه الإسلام في حروب الردة، وادعت النبوة وتزوجت من مسيلمة الكذاب قبل أن تعلن توبتها وإسلامها.
و"هند بنت النعمان بن بشير" التي ثأرت من الحجاج، إن صحت الرواية، بموقف ينطوي على كثير من الشر والانتقام برغم طرافته. فقد اشترطت أن يكون مهرها لزواجها من عبد الملك بن مروان، أن يقود الحجاج محملها من المعرة إلى دمشق.
و"الخيزران زوج المهدي" التي فرَّطت بفلذة كبدها ثأرًا لنزعة السيطرة في نفسها، فدبرت خنق ابنها الهادي لأنه طلب منها عدم التدخل في شؤون الحكم.
و"شجرة الدر" التي غلَّبت مشاعر المرأة الأنثى على حكمة المرأة الحاكمة، وقتلت زوجها انتصارًا لغيرتها متناسية مواقفه النبيلة منها.
وتلك الأم التي أوصت ابنتها في ليلة زفافها أن تقطع رأس القط وتختبر كبرياء زوجها وقوة شخصيته، وقالت لها:
"اقلعي زُجَّ رمحه، فإنْ أقرَّ، أي قَبِلَ واستكان، فاقلعي سِنانه. فإنْ أقرَّ، فاكسري العظام بسيفه. فإنْ أقرَّ، فاقطعي اللحم على ترسه. فإنْ أقرَّ، فضعي الإكاف على ظهره. فإنما هو حمار."
نلحظ من كل ما تقدم أن هناك قاسمًا مشتركًا يجمع بين المواقف كلها، السلبية منها والإيجابية. إنَّه قاسم الصدق الغامر الذي ينبىء عن ذاته، بجلاء ووضوح.
فالصدق مع النفس والمعتقد، هيأ لهؤلاء النسوة ولغيرهن في مختلف العصور مكانة عالية وذكرًا لا يمحى.
وإذا كنت قد حفزت الذاكرة على استعادة أخبار ومواقف عددًا من النساء الشهيرات في تاريخ الأدب والسياسة، فهذا لا يعني أني أنسى الدور الكبير الذي تقوم به النساء العاديات البسيطات، اللواتي يشكلن النسبة الكبيرة في مجتمعنا. فهن أمهاتنا وربات بيوتنا وأعمدة الحياة، وعلى جهودهن ينهض المجتمع ويزدهر.
كما أن الأجيال التالية لم تخلُ من أسماء لها شيء غير يسير من القيمة، فعصرنا عصر علم ومعرفة، والمرأة سيكون لها دومًا حضور في كل مفترق.
وإذا كانت العوامل الاجتماعية، عمومًا، إلى جانب الرجل وفي صالحه أكثر مما هي في صالح المرأة، فلا بدّ من أن تضيق هذه الشقة في يوم ما وتنال المرأة ما تستحقه لقاء ما تقدمه للأسرة وللمجتمع، فقد مرَّ زمن على قول المتنبي:
وإن تكن خلقت أنثى، فقد خلقت كريمة غير أنثى العقل والحسب

من كتاب "المرأة العربية في منظور الدين والواقع" للأديبة جمانة طه