يحيى زيدو: بينما تحاول

بينما  تحاول فهم سرّ العلاقة بين (سقراط) و معبد (دلفي)، حاول أن تفهم معنى (أعرف نفسك) التي كتبتها كاهنة المعبد على مدخل بوابته، قبل أن تستسلم لخدر الجهل...
بينما تحاول أن تقرأ العلاقة بين كلٍّ من أفلاطون و أرسطو و بين الإيمان، حاول أن تقرأ ما بين سطورهما لتفهم كيف أن الكفر بآلهة المدينة كان المدخل لإيمانهما العميق..
بينما تحاول أن تعرف لماذا فشل ديكارت في تفسير العلاقة بين النفس و الجسد، حاول أن تعيد النظر في المفارقة الديكارتية عن علاقة الجسد بالذات المفكّرة، و عن الشك المؤدي إلى اليقين.. و عن أسباب قيامه بالبرهان على وجود الله انطلاقاً من الأرض لا من السماء..
بينما تحاول أن تفهم سرّ صرخة (نيتشه) عن موت الإله، حاول أن تسأل نفسك كم بقي من تجليّات الإله في نفسك أولاً، و على هذه الأرض تالياً لتستطيع تقدير الألم الناجم عن تلك الصرخة..
بينما  تحاول أن تقتنع بمقولة (ماوتسي تونغ)  القائلة: إن عصافير الدوري من إنتاج الإمبريالية بهدف تدمير محاصيل الرز و القمح لسكان الصين، حاول أن تتأكد أن  الكبار فقط  يستطيعون ترويج الترَّهات و الأخطاء الكبيرة...
بينما  تحاول أن تحصي عدد عشيقات (فيديل كاسترو) و أبنائه غير الشرعيين، حاول أن أن تفهم أن القادة الكبار هم بشرٌ و ليسوا آلهة، وأن الفرق بينهم و بين البشر العاديين هو أن القادة لديهم جيوشاً من الكتَبَة في مختلف المجالات تسوّق خطاياهم باعتبارها دستور حياة... لأنهم مقدّسون.
بينما تحاول أن تتقبل فكرة (المهاتما غاندي) عن العفّة، و لجوئه للنوم عارياً مع ابنة أخته لترويض نفسه على تحدّي الشهوة، حاول أن تفهم أن العفّة ليست طبيعة بل هي تدرّب و اكتساب يحتاج إلى نفوسٍ كبيرةٍ، و أن الأقوياء فقط هم من يمتلكون العفّة أما الضعفاء فيتسترون بها كأسلوب للاستمرار في الحياة..
بينما تحاول أن تترك بصمتك على رصيفٍ من أرصفة الحياة، حاول أن تكون مستعدّاً لاستقبال دعسات العابرين بلا هويّة أو هدف على أصابعك، وحاول أن تقبل مبدأ المنافسة على شكل و مكان البصمة.. لأنك لست الوحيد الذي يريد أن يترك بصمته.. فثمّة آخرون يمتلكون الحقّ نفسه.
بينما تحاول أن تغسل نفسك من أخطاءٍ تعتقد أنك ارتكبتها، حاول أن تغتسل في نهر الخطايا ذاته.. لتكتشف أن خطيئتك الكبرى كانت في استسلامك لفكرة الخطيئة الأولى.. الخطيئة الأبدية.. لأن (آدم) الذي تعلّم الأسماء كلها لم يكن يمتلك القدرة على ارتكاب المعصية.. بل نفّذ إرادةً إلهية بالنزول إلى الأرض لإعمارها..
بينما تحاول أن تصل إلى الاقتناع بما يقوله و يقرّره العقل، حاول أن تسبح في نهر الجنون حسب قانون (هيراقليطس), و كن مستعداً لكي تغمرك مياه جديدة باستمرار.. و أفكارٌ مجنونةٌ تعربش على جدران عقلك لتهبك مساحة الحريّة اللازمة للتعبير عن نفسك بلا زيفٍ أو قيود..
بينما  تحاول أن تعشق امرأةً تسكن فيها و إليها و تسكن فيك و إليك، حاول أن تعترف بأن الأنثى أصل الكون و كل مكابراتك الذكورية لا معنى لها بدون أنثى تهبك المعنى الحقيقي لرجولتك لا لذكورتك.. و أن تقتنع أنك واحد مع أمرأة و صفرٌ إذا حاولت امتلاك كل  النساء..
بينما تتجه إلى موتك، حاول أن تتحدّى الموت؛ و افهم أن الموت امتداد للحياة.. و لذا: انطق بالحق دائماً، أفعل ما يليق بكرامتك، لوّن حياتك و حياة الآخرين بألوانك بالكلمة و اللوحة و الموسيقى، ازرع كثيراً من الورد و الأشجار في حدائق الآخرين لتنبت فيهم بعد موتك.. لتبقى حيّاً فيهم عبر أعمالك و أقوالك الخيّرة.. ليبقى ظلّك دائمٌ يفيء إليه كل العابرين إلى سرير الموت بعدك..
بينما تقرأ هذه السطور، حاول أن تتصالح مع نفسك لتكون جاهزاً لإرسال إشارات الودّ إلى مَن تختلف معه... فالخلاف في الرأي شرط من شروط استمرار الحياة بجمالياتها المختلفة و المتناقضة أحياناً.. و هذا شكل من أشكال مقاومة الموت بالحب..