يحيى زيدو: «Political Algorithms» اللوغاريتم السياسي
يجري الحديث في الغرب عن تأثير اللوغاريتمات (الخوارزميات) على المجتمع، و يبدو أن نظرية المجتمع اللوغاريتمي أو مجتمع اللوغاريتمات، قد أصبحت في متناول مراكز الأبحاث و مراكز صنع القرار لاستثمار التطبيقات الناجمة عنه في السياسة و السيطرة على المجتمعات، انطلاقاً من التأثير الذي يمكن أن تمارسه التكنولوجيا على حياتنا.
من المعروف أن علوم الحاسب هي في الأصل نسق رياضي معرفي أنجلو-أميركي، و منه تم الانطلاق نحو مصطلح (الذكاء الصناعي). و قد وصلت التقنيات و التكنولوجيا الحديثة الرخيصة إلى كل بقاع الأرض، ليس لخدمة المجتمع الإنساني بل لاستخدام هذه التقنيات الحديثة و المعاصرة في السيطرة و التوجيه. فلم نعهد من الثقافتين البريطانية و الأمريكية أنهما قامتا بأعمال خيرية في السياسة أو الاقتصاد، و لهذا نرجّح أنّ تقنيات الانترنت و التواصل الاجتماعي و البرمجيات المرتبطة بها ليست سوى وسيلة رخيصة في خدمة ثقافة (الأنجلو-أميركان). و من هنا تبرز مخاطر اللوغاريتمات الاجتماعية و تطبيقاتها السياسية، لأن تقنياتها أصبحت في متناول الأكثرية الساحقة من البشر حتى في المجتمعات الأشد فقراً و تخلّفاً.
خلال المرحلة الاستعمارية كان يمكن أن نعرف ما يُكتب عنا، فنرفض أو نوافق و نقاوم أو نسالم. لكن في عصر اللوغاريتمات نحن لا نستطيع أن نعرف ما يُكتَب عنا، و قد لا نفهمه أحياناً. فشركة (غوغل) مثلاً التي تُعتبر أكبر خزّان للمعلومات في العالم، لا تستطيع أن تتحكم بكل البرمجيات و البرامج التي تضع تصوراتها عن مجتمعاتنا، و وجه الخطورة الأبرز أن هذه البرمجيات تستطيع أن تضع تصوراً عن المجتمع دون أن تكون لديها المعلومات الكاملة عنه، و ذلك من خلال التحليل الآلي لـ(المخفي) أو لـ(الكامن) في النص السياسي أو الخطاب الإعلامي أو الاجتماعي ليصبح (المستبطن) في النص حاضراً في واجهة الخطاب المقصود. و هي بذلك ترسم مصير ملايين البشر دون أن يكون لديها الفهم الدقيق والمعرفة الكاملة بالبنية العميقة للمجتمعات.
لقد تمكّن الإعلام والجامعات «الغربية» من فرض تصوُّر أن ما يَجري في الشرق الأوسط المعاصر هو صراعٌ بين السعودية وإيران، وليس صراعاً بين إيران والولايات المتحدة/ إسرائيل. لقد تمكّنوا أيضاً من جعل السعودية وإيران متشابهتَين من ناحية تطبيق الدين؛ السعودية التي هي مجرد دولة تابعة بالكامل للقرار الأميركي حتى محور الممانعة ساهم في تكريس هذا التصوُّر. كما تمكنّت مراكز الأبحاث من تسويق أطروحة أن (حزب الله) هو المقابل الشيعي لتنظيم (القاعدة) أو (داعش) السنّيان. و أصبح الصراع الديني القائم على المواجهة المذهبية (سنّة- شيعة) هوعنوان الحرب القائمة على سورية و العراق و باقي بلدان المنطقة، لتفكيك و تفتيت وحداتها الكيانية و السياسية التي أنتجتها اتفاقية سايكس- بيكو و إعادة رسم خريطة المنطقة من جديد.
و في هذا السياق تمت شخصنة الأزمة السورية إلى مشكلة نظام، و تم العمل على أبلسة النظام و شيطنة مؤسساته في مقابل تكريس صورة الإرهابيين الذين جاؤوا من كل أصقاع الأرض كـ(مقاتيلن من أجل الحرية). وقد استُخدمت كل انتاجات العقل البشري في شتى الحقول المعرفية لتغذية الحرب السورية و إطالة أمدها تحت عناوين محاربة القمع و الديكتاتورية من أجل (الديمقراطية و حقوق الإنسان). و ترتّب على ذلك الإطاحة بما أنجزه العرب في مئة عام، و تكريس العقائد السلفية،و امحّاء الهوية الوطنية الجامعة لصالح هويات عائلية و عشائرية و طائفية و عرقية كانت على الدوام عدّة كل مستعمر و غازٍ لبلادنا.
إن التحدي الذي يفرضه المجتمع اللوغاريتمي علينا يحتم التوجه أولاً و قبل كل شيء إلى إحياء علوم الدنيا، و عدم الانصياع إلى (إحياء علوم الدين) أو (إلجام العوام عن علم الكلام)... و للحديث صلة.