يحيى زيدو: الدين و السياسة و المجتمع

تابع الحالة البغلية: مقاربة عاجلة في كيفية تصنيع البغل في الدين و السياسة و المجتمع

البغل في الطبيعة حيوانٌ وُجِدَ نتيجة تزاوج أنثى الحصان (الفرس) مع الحمار. و هو يمارس حيويته و حيونته وفقاً لقانون الطبيعة التي تطبعه. لكن هذه الطبيعة البغلية و بسبب ميزاتها في التحمّل و القوّة و الصبر المتلازمة مع انعدام العقل قد أصبحت ميزة مطلوبة في المجتمعات. و مع تقدم العقل البشري و ارتقائه و تمثّله و استلهامه لمفردات الكون و الطبيعة تم الانتقال من تدجين و تأهيل الحيوانات إلى عملية حيونة ( الفصحى تحيّن) الإنسان. و كان البغل أحد أهم النماذج التي تم استلهام طبيعتها لتصنيعها في سياقات النشاط الإنساني في الدين و السياسة و المجتمع.
1- في الدين: تم التركيز على ربط المقدس بالعنف. و المبالغة في احتكار التفسير الأحادي للنصوص الدينية التي تقصي الآخر المخالف في التفسير و التفكير. و لحماية هذا الاحتكار و الربط التعسفي بين (القدسي و العنيف) كان لابد من تمجيد القوة و تمييزها كصفة للمؤمن الذي يرضي المقدس. و في السياق نفسه تم ربط العقل و التفكير بالبنية الضعيفة مما ولّد احتقاراً للعقل و التفكير في مجتمع القوة فانحصر التفكير في رجال الدين لوحدهم دون غيرهم. إنّ ما أسهم في دفع تمجيد القوة إلى واجهة العمل الإيماني هي ذهنية السبي و القتل و الثأر التي نشأت الديانات في أوساطها. فمع تراكم التجارب التي تمجّد القوة أصبح لدينا تراث ضخم من الكتب الصفراء التي يتم بها غسل العقول و نشر ثقافة الكراهية و الإقصاء و الإلغاء تبعاً لقانون الإصطفاء الطبيعي القائل: (البقاء للأقوى). و يكفي لصناعة (البغل الديني) أن يتم حشو دماغه بعلف الكتب الصفراء و التركيز على صفات البغل في القوة و التحمل و الصبر مع اللعب على وتر اللذة الحسيّة بشكل دائم و تنمية المخيلة الاغتصابية للمتدّين- البغل ليكون قادراً على التمتع بالحور العين في الفردوس المبتغى الذي يسكن اللاوعي الجمعي للمتدينين.
2- في السياسة- تختلف طريقة تصنيع البغل السياسي عن طريقة تصنيع البغل الديني من حيث ارتباط السياسي بإيديولوجيا (المدنّس) مقابل الايديولوجيا المقدّسة للديني. لكن التوجه واحد في ضرورة الدفاع عن الإيديولوجيا السياسية بالقوة و الصبر و التحمّل و عدم التفكير (لأن التفكير محصور بالقادة). و لأن المدنّس سهل الدحض و التبخيس فقد حصل تواطؤ تاريخي بين السياسي و الديني (أي بين الإيديولوجيا الدنيوية المدنّسة و بين الإيديولوجيا الدينية المقدسة) و جرى تصنيع مشترك للبغل المزدوج الوظيفة السياسية و الدينية. و مع تقدم التجربة التاريخية مارس من رجال الدين السلطة السياسية كما استولى سياسيون كثر على السلطة الدينية في كثير من المحطات التاريخية لعدد من المجتمعات. و حصل تبادل مثمر بين السلطتين السياسية و الدينية لتكريس التبغيل كسياسة رسمية لهما مع تكريس التحمير- ( ذهنية وصفات الحمار) في المجتمع لضمان السيطرة و تعزيز مقولة الحكم للأقوى.. الأقوى بدنياً و عشائرياً و عائلياً و ماليّاً.... الخ.
3- في المجتمع: البطالة أم الفساد و الفراغ أبو الرذائل. لقد قامت السلطتان السياسية و الدينية المتواطئتان تاريخيّاً بإدارة زواج ناجحٍ بين البطالة و الفراغ تبعاً للحاجة المتوخّاة من هذه الإدارة. فتم –عبر التاريخ- إنتاج صنوف من الحمير و البغال و النغال لخدمة السلطتين المذكورتين. و نادراً ما استطاع أحد من الذين أتوا نتيجة تزاوج الفراغ و البطالة من تغيير مصيره إلا في حالات قليلة يكون فيها البغل الديني أو السياسي قد تعب أو هرم و فقد جزءً من قوته. فيتقدم في هذه الحالة أحد أبناء هذا الزواج لملء الفراغ كما حصل مع الانكشارية و المماليك في الدولة العثمانية و قبلهما الزنج و القرامطة في الدولة العباسية. و تبقى هذه النماذج  مؤقتة بانتظار معافاة البغل السطوي أو موته ليأتي من يخلفه من نفس السلالة. إن الناتج الموضوعي لتزاوج البطالة و الفساد مع سيطرة الإيديولجية الإقصائية (سياسياً) و التكفيرية (دينياً)هو مخلوق مغسول الدماغ قوي البنية قادر على حمل الأحمال و الأعباء بذهنية الطائع المستسلم.المهم هو رضى السيد عنه.. فهو لم يُخلق إلا ليحمل و يخدم و ممنوع عليه الصراخ أو التعبير عن ضيقه أو تعبه. و تبعاً لهذه العملية التاريخية تم تقديس الحكام (الدينيين و الدنيويين) و تدنيس باقي أفراد المجتمع مهما كانت كفاءاتهم و مهاراتهم و وامكاناتهم التي بها تحيا المجتمعات.
-إن الإبقاء على تكريس الحالة البغلية في الدين و السياسة و المجتمع قد حوّل المجتمع الإنساني (أو المفروض أنه إنساني) إلى غابة يتم فيها قتل الله يوميا.. من خلال قتل الرحمة و التسامح و العدل و تكريس الرذائل و القضاء على ما تبقّى من الفضائل و حصرها بما تتكرم به السلطة الدينية أو السياسية. أو بما تسمحان به. كما أدى ذلك إلى قتل الإنسان و استبداله بحيوانات الغابة ليبقى مجرد مخلوق خُلِق لخدمة السلالات المقدّسة التي لو استعرضنا تاريخها الحقيقي لوجدنا أنها تمثل أنجس النجاسة و أقذر القذارة بين سائر المخلوقات بما في ذلك البغال و الحمير و الخنازير.
والله أعلم