نداء صالح: روح عصيّة على الموت

الموت مشاغب قديم في قريتي، أحيانا لا يكتفي بالعجائز، فيخرج لفتاة صغيرة بعمر الثالثة عشرة في موسم الحصاد وجهاً لوجه وأمام عين الشمس التي تبقى صامتة، وهي تشاهد هذا الموت الهائل في صخبه، في عنفه، في سطوته، وفي الدماء التي انفجرت في وجه الحياة اليافعة, وعلى سنابل القمح ولم تتوقف تلك الآله الضخمة إلا حين جزت عنق الصبية وقدمتها كقربان لإله غريب جدا كغرابة ملاك الموت المفزع الذي كان يومها حقيقاً... جدا... جدا...
بقيت كشاهد صغير يخاف الاقتراب من هستيريا الصراخ والعويل...
ومابين امرأة تفقد وعيها، وأخرى تنتف شعرها وقفت صامته جداً... تتسع عيناي دهشة، ويختنق قلبي خوفا، أو ضياعا، أو جهلا، فالاسئله الكبيرة بحجم الموت والله -الجريمة والعقاب- الوجود والعدم... لم تكن يومها في صدري... كل ما كان في الأفق لعبة صغيرة، نزهه في حديقة، ووعد باهر بالمستقبل الذي واراه الثرى في تلك اللحظة الفاصلة من تاريخ قريتي، وتاريخي الشخصي، إذ أنني عرفت يومها أنّ الاطفال يموتون، وإن الحوادث المرعبة تقع ببساطة، وإن الله غريب جدا...
حتى شاعت في قريتي بعد عدة سنوات أن تلك الفتاة ولدت من جديد في مدينة أخرى بذاكرة لم يتم محوها بعد... كأنها مجرد هجرة روح من جسد الى آخر..
استقبلتها قريتي بحفاوة تفوق الحفاوة التي رافقت رحيلها الدامي، وبعد امتحانات العائله القاسية للتأكد من أن الروح التي تقمصت هذا الجسد الجديد هي روح الابنة الغاليه التي كسرت قلوبنا..
قادتهم هذه الصغيرة الى مخبأ سري لنقودها القليله التي خبأتها يوما بسريه تامه تفوق لغز موتها وحياتها وولادتها مرتين...