عدنان كنفاني: أخي غسّان.. جراحك المقيمة، ما زالت تنقلنا إلى صباحات عكـا

قصيدة أهديها لروح غسان في الذكرى 44 على استشهاده النبيل.. بعنوان:
غسّان

ويومَ افترقنا.. التقينا
طريقٌ بعيدٌ، بعيدْ
ودونَكَ دمعي ورجفُ القصيدْ
وألفُ ستارٍ حزينٍ وألفُ نشيدْ
وقلبي يواصِلُ شوقاً
ويركضُ عبرَ المسافةِ
ألقاكَ.!!؟

وهمٌ هو الوهم.!
أصافحُ وجهي
تقولُ المرايا: وهل أنتَ؟!
أقولُ: وخلفَ الحواجزِ
خلفَ الوثيقةِ أجترُّ موتي
أصارعُ حظّي البليد.
أُجاري ظُنوني
أعلّق بؤسي على سفحِ "قفْ"
تسدُّ أمامي وبيني الطريقْ.
ويبقى يثرثِرُ لحنُ النشيدْ
(بلاد العرب يا أمّاه تأباني، وتنساني
وتخجلُ من سوارِ الشوكِ يُدميني)
ويعلو الوهمُ
تعلو الــ لا...
يماهي صداها عِواءُ النشيد!

ويوم افترقنا التقينا
على سدّةِ الغيمِ.. كنّا
وتمّوزُ يأبى الرحيلَ
ويشرقُ بين ضبابِ الصباحِ
وبين جرارِ الصديدْ
تضيعُ المسافاتُ
ما عادَ أسرٌ يُفيدْ.

ويومَ افترقنا
وقالوا تطايرَ غَيْماً
وحلّقَ مثلَ الفراشاتِ عِطراً
تجاوزتُ دنيا الصخبْ
وأسوارُ قهرٍ تُقاطع حدَّ الغضبْ
وخلفَ الوثيقةِ ألقيتُ حزني
فأذكى أوارَ اللهبْ.

يخافونَ منكَ!
لماذا.؟
وأنتَ الضئيلُ المريضْ
وعيناك تبقى الصهيل
تبقى البِدايةُ
تبقى السببْ.

وقالوا
تناثرَ بين حفيفِ الزهورِ، ودفءِ السنابلِ
لحناً تعشّقَ دمعَ القصبْ
وبعد الخريفينِ حلَّ اللقاءُ
فآويتُ روحي إليكَ
وآثرتُ في رفّةِ الريحِ ألقاكَ
رغمَ جنونِ التعبْ
وقالت دموعُ العذارى.. افترقنا!
فقلتُ التقينا
وأورقَ عودٌ يباسٌ
وأمطَرَ زهراً نديّاً فقلتُ تعالي
أما آن عصرُ العنبْ.!؟

وفاضتْ بحارٌ على اليابسة
أنختارُ ركناً مكيناً لنأوي إليه؟
وأيّ المصيرينِ يبكي علينا،
وأيُّ المصيرينِ نبكي عليه؟

وقبل أوانِ الرحيلِ يواريكَ رعبُ الشتاتِ
فتنأى عن الحزنِ
تستافُ مرَّ الجراحِ
ونبضَ القتيلْ
وأيُّ القتيل القتيل أأنتَ.. أم الموج؟

قد كنتَ غُصناً تدلّى صُعوداً
وأرجفَ بوحُ البنفسجِ
ضاءَ الصباحُ
وشقَّ منَ الصمتِ صوت الصَليلْ.

وربّي..
سمعتُ العزاءَ نُواحاً
وصُرّةَ ريفٍ
وخيمةُ فَقْرٍ تُربي المُهورَ طويلاً
وتُطْلِقُ للساحِ في كلّ صبحٍ
خيولاً بخفقٍ نبيل
تُعتّقُ طيناً حبيساً فيشرقَ لونُ الترابِ.

على أولِ الدربِ طلّت "أمينةُ"
جاءَ البشيرُ وفاحَ العبيرْ
تُزغردُ شوقاً إليهِ.
وكيفَ نودِعُ حُبّاً تناثرَ شَهداً وطارَ
ليرسو قريباً من الروحِ
حدَّ البنادق تُشهرُ بين الحدود وبيني بكلِّ اللغاتِ..

تقولُ افترقنا..
أقولُ التقينا.. فمنْ بَعدنا يستجيرْ!
ويومَ افترقنا التقينا
وتمّوزُ علّقَ فينا غصونَ البقاءِ
وكلُّ الشهورِ قوافل تترى
فصارتْ شموعاً تُضاءْ
وصرنا قريباً.. قريباً
سواء..

***

يا لذلك اليوم
(أخي غسّان.. جراحك المقيمة، ما زالت تنقلنا إلى صباحات عكـا)

عدنان كنفاني

الساعة الواحدة، ظهر يوم السبت 8 تمّوز 1972 خبر مقتضب بثّته إذاعة لندن:
[انفجار سيارة يودي بحياة الأديب غسان كنفاني وسط ظروف غامضة]
بعد دقائق كنت في سيارة أجرة، منطلقة، تطوي تحت عجلاتها الطريق إلى بيروت.
أتوسل لأول مرة في حياتي أن تقابلني هناك كذبة! أجمل كذبة يمكن أن يستقبلها إنسان، تقول: إن الخبر برمته ليس له أساس من الصحة.
ولأول مرة في حياتي أيضاً أجتاز حدوداً بين دولتين، بلا جواز سفر، ولا تأشيرة، ولا تصريح، فتحوا أمامي البوابات، وحمّلوني بنظراتهم الطيبة الحزينة، وتصرّفاتهم الجاّدة الصغيرة المخلصة والمرتبكة، أنبل المشاعر طافحة بالأسف والعزاء.
مذياع السيارة يدندن لحناً شعبياً ليس له معنى، أجاهد كي لا أطلب من السائق تبديل المحطة، أدحرج في رأسي كرة ثلجية أريدها أن تكبر وتكبر.
توهمني، فأقبل، أن كل ما يحدث أضغاث أحلام، كذبة سخيفة كبيرة، ليس أكثر.!
يهتّز الدب القماشي الصغير المعّلق على المرآة.. يتراقص وهو يفتح فمه عن ابتسامة طفلية بريئة، لونه أسود أيضاً، ينظر إلي تارة، وإلى الطريق المتعرّج تارة أخرى.
تقابلني نظرات السائق الخاطفة، يطفو صوته الدقيق فوق صوت اللحن الرديء الذي يطلقه المذياع.
- أقل من ساعة ونصل.
ما زال الدب الصغير يحدق في وجهي، ويبتسم.
تزداد حركة السيارات كلما اقتربنا من بيروت، فجأة يصافحنا البحر.
لآول مرة يسكت المذياع، وتتوقف حركة الدب الصغير المبتسم، ولأول مرة أفقد لون البحر الأزرق.
التفت السائق، قال بصوت خفيض وهو ينعطف إلى اليمين:
- "الحازمية."
في اللحظة نفسها رأيت غسّان!
في ساحة بيت يميس بين الورود والزهور، وعبق الكبّاد والنارنج، يحتل مكاناً أثيراً في حي القنوات بدمشق، تتحدث جدرانه المزخرفة والمعشّقة والملوّنة عن عظمة دمشق وتاريخها.
يجلس على كرسي مرتفع، يحرص "فخري بيك البارودي" أن يحمله إليه بنفسه.
فتى نحيل أشقر، شعره مجعّد، عيناه تشعّان ذكاءً، يمسك بين يديه سنوات عمره التي لم تتجاوز الرابعة عشرة، وكتاباً يقرأ منه.. بين جمهور من الأدباء والفنانين والسياسيين ينصتون باهتمام واستحسان إلى قراءته السليمة المؤثرة التي يضيف إليها صوته الصافي مسحات رائقة تزيدها بهاءً وجمالاً.
نراقبه من فرجة الباب بشغف، تنتهي الجلسة اليومية.. ليعلن "فخري البارودي" كما في كل ليلة:
- إن هذا الفتى سيصير إلى شأن عظيم.
تتوقف السيارة..
ترتجف أطرافي المتحفّزة، أتلهّف لاستقبال مفاجأة الكذبة، أتوسل أن تتدحرج أمامي على مساحة الأفق.
يمسك السائق يدي، يفرد أمام خطواتي المضطربة حزنه المسفوح على حصيرة من شفقة.
يقودني عبر الحطام والدمار.
يصل بي إلى حافّة واد عميق الغور. فيه رجال يلتقطون عن الأغصان قطع لحم صغيرة، يجمعونها في كيس أبيض.
في الزاوية الأخرى رأيت وجه غسّان ونصف صدره، ورأيت شيئاً متفحّماً يشبه الصّبية الجميلة "لميس"..
كان يبتسم، صافحني وهو يبتسم، كأنه تحسّس بأصابعه النحيلة أثر الجرح الطافي على صفحة خدي الأيمن..
رأيت الدب القماشي الصغير، ثابتاً صامتاً حزيناً.
رأيته يبكي.. فبكيت!