علي كنعان: غربة صوفي آخر

من: (غربة صوفي آخر) وفاتحة الغياب، عنوان المقطع الأول في القصيدة.. كان تحية إلى الأصدقاء (الذين لا يصدؤون، وإن صدئ الذهب!)، وليس لي من زاد غير الأصدقاء...
ــــــــــ
"في مستهل الستينات مضى عبد الباسط الصوفي إلى غينيا لتدريس اللغة العربية،
لكن حمّى (مكادي) الإفريقية اختطفته...
وليس لك هنا إلّا أن تقاوم رطوبة المحيط الهادئ وحرارته الخانقة.. لأن الحياة تجربة...
لا تتكرر ولا تستعاض..."
***
فاتحة الغياب
سِربٌ على الأفق المدمّى
  في ضواحي آسيا
أقوى من الصوَّانِ
  لا ينتابه صدأٌ
  وإن صدئ الذهب
سِربٌ من الخلاَّنِ،
أغلى من كنوزِ الأرضِ،
أصفى من ينابيعِ الجبال
سربٌ من الريحان والدفلى
  تحاصرهُ الظلال
ويكاد يخنقُه سؤال:
"هل بعتَ روحكَ
  في بلاطِ العنكبوت؟
أو خفت من أشباحِه المرضى
  فآثرتَ التهرُّبَ والسكوت؟"
- لا، يا وجوهَ الخيرِ والبشرى
ويا أبهى رياحينِ الوطن
ما كنتُ ممن يأكلون لحومَ إخوتهم
  ولا حتّى أعاديهم
وقلبي لن يكون
حجراً تحرِّكُه الضّغائنُ
  والظنون
لكنَّ غيماً لا يطاقُ
يشدُّ حبلاً من مخالبهِ على عنقي
يُشوَّفني نجومَ الظهرِ في نومي
  وفي صحوي
  وفي غَبَشِ الخُمار
هل كان في لوحِ القبائلِ
  من بديلٍ
  لارتطامي بالمدى
  بين اختناقٍ
  وانفجار
هل كان لي غيرُ الفرار؟!
- مهلاً، فقد يسطو على أنفسِنا
ما ليس في الحسبان
والشيخُ أرهقه التَّجافي
  وهو لا يدري
من أين تُجلَبُ نعمةُ النِّسيان!
فلنتركِ الأرواحَ
  تكمل هلوساتِ الوجدِ
  في دبق السكون
ولنغلقِ الذكرى
  على أسرارِها البيضاءِ
  والسوداءِ
لا جدوى لمن خسر الرِّهان؟!
أهناك من جدوى
  لمن كسب الرِّهان؟!
هل في فضاءِ اللهِ
  من أفقٍ بلا أحزان؟
أهناك من بحرٍ
  بلا موجٍ وحيتانٍ..
ولا حتَّى دوار؟
أم في كتابِ الغيبِ
  من ركنٍ
  لإكمال الحوار؟
(المقطع الأول من أول قصيدة كتبتها في طوكيو- (1996-1993).