مِيلادُ الدَّوْلَةِ الإِسْلامِيَّةِ.. مِن الاستيلاء على مَكَةَ إلى نهاية حروبِ الرَّدةَ- الحلقة الأولى

ينشر فينكس -عبر حلقات- كتاب الأستاذ مالك مسلماني "ميلاد الدولة الإسلامية.. من الاستيلاء على مكة إلى نهاية حروب الردّة"..

لحَنِينِ غَدٍ لَنْ يأتي يَتَمَلَّكَني فِي اللَّيِالي المُظْلِمات،

وأنا أعدّ فيهنّ أيّام العُمْرِ الآفلات

فهرس

مُقَدّمَة

سنوات مُحَمّدٍ الأخيرة

اجتماع السَّقِيْفة

عوامل نجاح أَبِي بَكْر

أصداء البَيْعَة

المَوْقِفُ العامّ والمُهِمّات الأولى

أَبُو بَكْرٍ خليفةً

ما بعد السَّيْطَرَة على الجَزِيْرَةِ العَرَبِيَّةِ

       

       

مُقَدّمَة

على الرَّغْمِ مِنْ أنّ مُحَمَّداً تمكّن في سنواته الأخيرة من تأسيس قاعدة متينة في يثربَ لحركته الإِسْلاميّة، إلاّ أنّها لم تكن قد حازت بعد على العناصر الكافيّة الَّتِي تسمح لها بأنْ تكون قاعدةَ دولةٍ عشيّة وفاته؛ فلقد انتزع مُحَمَّدٌ اعتراف القبائل البَدَوِيّة الضاربة حول حواضر الحِجَاز الثلاثة (مكّة، الطائف، يثرب) بسُلْطته، فكان يجمع هذه التكوينات الاجتماعيّة (القَبَليّة، والحضريّة) بواسطة القوة المعنويّة الَّتِي كان يتمتع بها كنبيٍّ مسلّحٍ، وقائدٍ لحركةٍ قويةٍ وضاربةٍ، تربط بين أعضائها مصالح دنيويّة مؤسَّسة على قاعدةِ الإيمانِ الدينيّ.

كانت الحركة الإِسْلاميّة تبدو في عيون البدو قبيلةً قويةً، وخطيرةً. وإذ رأى سكان الجزيرة العربيّةـ وتحديداً الحِجَازـ في مُحَمَّدٍ زعيماً قَبَليّاً فإنّهم لم يترددوا في السَّنَة التّاسِعة للهجرة (631 م) بالقدوم عليه تِباعاً من أجل الحصول على العطايا والجوائز، وإذا أمكن تلقي الدعم في صراع داخل ـ قَبَليّ، لكنَّ سُلْطةَ مُحَمَّدٍ لم تبلغ سُلْطة مَلِكٍ، ولم يكن يُنظر إليه كمَلِكٍ، كما لم تكن هيبته وَسْط القبائل العَرَبيّة تعود لكونه نبيّاً كما قد يتراءى، بل إنّ مسألة كونه نبيّاً لم تكن تعني شيئاً حَتَّى بالنسبة لمجموعات سِيَاسِيّة (قَبَليّة) داخل المدينة، الَّذِين كانوا يُعرفون بالمنافقين، فكيف الأمر بالنسبة للقبائل البَدَوِيّة الوثنيّة، الَّتِي ترفض الرضوخ لأيِّ سلطة خارجية قهريّة.

كانت هيبة مُحَمَّدٍ تنبع بالمقام الأوّل من نجاح استراتيجيّات الحركة الإِسْلاميّة الَّتِي كان يشرف على إدارتها. إنّ فاعليته السِيَاسِيّة، وحضوره العسكريّ هما ما منحاه الهيبة عند قبائل الجزيرة العربيّة، وعندما غادر نبيُّ الإِسلامِ العَالَم الأرضيّ لم يكن قد أسَّس دولةً بعد، فترك مهمة بناء الدولة لخلفائه، الَّذِين لم يتأخروا عن الدخول في حروب داميةٍ مع القبائل العربيَّة في الجزيرة العربيَّة، والَّتِي صارت تُسمى في المصادر الإسلامية حروب الرَّدة، وبعد الانتهاء من هذه المرحلة تحركت الجيوش الإِسْلاميّة نحو العراق بقيادة خالد بن الوليد، وبهذا التحرك انطلقت حركة الفتوحات الَّتِي توسعت في سنة 12، أو 13 ﻫ(ح 634 م)، عندما شرعت جيوش المسلمين بالتوجه صوب بلاد الشّام حسب أوامر أَبِي بَكْر، وفي هذه المرحلة يمكن تعيين زمن انتهاء عملية ميلاد الدّوْلَة الإِسْلاميّة، الَّتِي استغرقت مدة خلافة أَبِي بَكْر (حوالي السنتين وبضعة أشهر)، بينا استغرقت عملية بناء الدّوْلَة فترةً أطول، ففي عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب تكون الهيكل العام لهذه الدّوْلَة، ويمكن أنْ نعتبر أنّ هذه السيرورة التَّارِيْخية قد قاربت على الاكتمال في فترة حكم عُمَرَ، ففي عهده وُجد السجن، والشرطة، وهي أدوات أساسيّة لتكامل جهاز الدّوْلَة؛ وأقدم حالة أعرفها هي حالة معن بن زائدة الَّذِي كان زيّف خاتم الخِلافَة، وقام باستغلال الخاتم المُزيّف، وقد زُجّ به بالسجن في الكوفة قبل أنْ يُنقل إلى المدينة وهناك أيضاً سجنه عُمَرُ.[1]

مع أنّنا نقدر صعوبة تحديد اللّحظة الَّتِي بدأت فيها العملية التّارِيْخيّة لميلاد الدولة الإِسْلاميّة؛ لأنّها سيرورة تَارِيْخيّة، وعمليات البناء في التاريخ تكون نتيجة حركات مترابطة ومتعاقبة بنواحٍ معينة، ومتفاعلة بنواحٍ أخرى؛ إلاّ أنَّ هذا الكتابَ يبدأ من السنة الثامنة للهجرة (630 م)، ففي هذه السنة نجد أنّ الحركة الإِسلاميّة بقيادة مُحَمّدٍ قد حازت على عناصر قوة واضحة، تسمح هذه العناصر بتأسيس الدَّوْلة، وكما قلنا أعلاه فإنّ سيرورة ميلاد الدولة الإِسْلامية استغرقت مدة خِلافَة أَبِي بَكْر كلها، أما سيرورة اكتمالها فإنّها أخذت مرحلة زمنيةً أطول، والكتاب يقف عند مرحلة ميلاد الدولة، أما المراحل الأخرى لها: مراحل الاكتمال، ثم الانهيار، فتحتاج إلى دراسات مستقلة.

إنّ الشخصية الكبرى في المرحلة قيد البحث هي شخصية أبي بَكْرٍ، والذي يعود انتصاره لاحقاً إلى قدرته على التمييز بين الجانب الدينيّ (أو السّمَة النَبَوِيّة الظاهريّة)، والجانب السِيَاسِيّ (أو الفحوى الاجتماعيّ لحركة الإِسْلام) في ممارسات الحركة الإِسلاميّة في عهد مُحَمَّدٍ، واتباعه منهجاً سِيَاسِيّاً عسكريّاً (دنيويّاً) محضاً من أجل تحقيق أهداف الحركة الإِسْلاميّة، وإنْ كان قد أطّر مسلكه في إطارٍ دينيٍّ؛ ولهذا اقترن الدِّينِ بالسِيَاسِة في ممارسة قادة الإِسْلام الأوائل.

إنّ مبدأ اقتران الدّوْلَة بالدين في الفكرِ الإِسْلاميّ يعود إلى تاريخ نشأة الإِسْلامِ، فقد كان مُحَمَّدٌ يمارس في مكّة نشاطاً دعويّاً في مجتمع لا يملك دَوْلةً، وأشكال السُلْطة فيه لم ترتقِ لمستوى سُلْطة دَوْلةٍ، ولا حَتَّى سُلْطَة دَوْلةٍ في طور النشوء؛ لقد ظلّ مُحَمَّدٌ يبشر بالإِسْلام في مكّة بغياب أيِّة سُلْطةٍ تقمع تحركه، وكلّ ما واجهه فيها هو رفض بطون قريش له، وكان بوسعه متابعة نشاطه التبشيريّ دون خشيةٍ مِنْ أحدٍ، لكنّه اضطر للهجرة بسبب من صعوبة التبشير في مكّةَ، وفي نهاية مرحلة حياته في يثرب ـ مَهْجَرِه ـ تمكّن من إنشاءِ مجتمعٍ ذي تماسكٍ نسبيٍّ خاضع لقيادته فيما يخص العلاقات الخارجيّة، فكان يصدر الأوامر بشنِّ الغارات، والقيام بالحملات العسكريّة، وغداة عقد هدنة الحُدَيبِيَة ِ(6 ﻫ/ 628 م) مع قريشٍ بدأت ملامح الجهاز السِّيَاسِيّ ليثرب الإِسْلاميّة بالتكّون في شخص الصحابة الَّذِين كانوا يديرون الحركة الإِسْلاميّة، ويخضعون بشكلٍ ما لسلطة مُحَمَّدٍ. كان هذا الجهاز السِيَاسِيّ ـ العسكريّ جنيناً لِلْدَوْلة الَّتِي ستنبثق فيما بعد بفضل نضال خلفائه. ولهذا اقترن الإِسْلام بالسّيَاسةِ وبتكوين دولة منذ البدء، وهذا خلافاً للمسيحيّة الَّتِي نشأت في مجتمعٍ كان يُحكم من قِبل دولةٍ مركزيةٍ، تملك كلَّ أجهزة الدّوْلَة؛ فاكتفى يسوع المسيح بالنشاط الدينيّ الخالص، والَّذِي آثر تجنّب الاحتكاك بالدّوْلَة الرومانيّة. أما بالنسبة لِمُحَمَّدٍ وخلفائه فإنّهم واجهوا مخاضات اجتماعيّة، وتطور اجتماسيّ يتجه نحو تكوين دَوْلة، ولم يكونوا يملكون خيارات أخرى، لا خوفاً من أنْ يبتعد عنهم الواقع إذ لم يجاروه، بل بوصفهم جزءاً من واقعهم، وإفرازاً له، وكون الإِسْلام إيديولوجيا نهوض الجزيرَة العربيّة.

هذه الاعتبارات العامة تسمح لنا بأنْ نجد شعار «الإِسْلام دين ودولة» قد مُورس على أرض الواقع الفعليّ، لكنّ رافعي هذا الشعار المعاصرين لا يريدون إدراك حقائق الحركة التَّارِيْخيّة، فيحوّلون اللَّحظةَ التَّارِيْخيّةَ أبديةً تاريخيّةً، ونتاجَ الواقعِ الزمنيّ المحدد قاعدةً لكلِّ زمانٍ في التَّارِيْخ المتحرك، وبهذا يصبح الحاضرُ لحظةً تجسّد الماضي، لا لحظة تستوعبه وتتجاوزه، فيجعل حاملو هذا الشّعار الحاضرَ غيرَ معاصرٍ لنا. ولا يعود نجاحَ هؤلاء دُعاةِ العودة إلى الأصول إلى قوة الأيديولوجيا الدينيّة، بل راجع إلى غياب الحداثة في البنيّة العَرَبيّة والإِسْلاميّة، ووجود مفارقة مؤلمة في حاضرنا، وهي إننا محكومٍ علينا أنْ نعيش في عالميْن، عالم اليوم، الَّذِي لا نمتّ إليه إلا جسديّاً، وحيث لا نحوز على الفعاليّة الحضاريّة (العِلْم، والثّقافة، والتقنيّة)، وعالم الأمس، الَّذِي نعيشه بكليتنا، وحيث نرى في نموذجه المستقبلَ المنشودَ، وهذا الموقف من التَّارِيْخِ يكشف حجم المسافة الَّتِي تفصلنا عن الإنسان الحديث، الَّذِي يعتبر نفسَه محصّلةً لمجرى التَّارِيْخ العام، ولهذا فهو لا يشعر بأنّه مضطر إلى التّعرفِ على ذلك التَّارِيْخ في مجمله، في حين أنّ إنسانَ مجتمعات الزمن القديم يُلزم نفسه استحضار جانبٍ كبيرٍ جداً من ذلك التَّارِيْخ، وعلى منحه الراهنيّة.[2]

إنّ كلَّ من يرفع هذا الشّعار (الإِسْلامُ دينٌ ودولةٌ) يفصل الإِسْلام عن تاريخه، ويحنّط بنيته الحيّة، عندما يرفض النظر إليه في كُلَّيّته، وصيرورته. ولهذا فإنّنا نجد أنّ كلَّ بحثٍ عن التّقدّم الاجتماعيّ بمساءلة الماضي، واستنطاق نصوصه بما ليس فيها، واستحضاره إلى الحاضر تكشف عن ذهنيّة لاتاريخيّة، ونزعة ماضويّة، تشيران إلى قوة العقليّة الأسطوريّة، حَتَّى وإنْ ارتدت رداء التّقدّم، وإنْ كان المؤدلجون لها يساريّين أيضاً؛ وبنفس الوقت يميط اللثام عن المأزق الحاد الَّذِي يعيشه الفكر العَرَبيّ «التّقدميّ» في محاولة تأصيل قيم «حداثة» بعقليّة لاحداثيّة، وفي زمنٍ عربيٍّ لاحداثيٍّ. إنّ حدثنة الحاضر بالنسبة لهذه النّزعة (سواءٌ كانت يساريّةً، أم أصوليةً دينيّةً أو قوميّةً) تتم عبر آليات المجتمعات الغابرة، الَّتِي ترى أنّ خلقَ الحياةِ خلقاً جديداً، يتمّ عن طريق الرّجوع إلى الينابيع. والينبوع الممتاز إلى أبعدِ الحدودِ، يتمثّل في التفجّر العجيب للطّاقَة، والحياة، والخصب الَّذِي تمّ عند خلق العالم،[3] وبهذا يشترك أصحاب هذه النّزَعة «التّقدميّة» مع دعاة العودة للأصول من الإِسْلاميّين والقوميّين، حيث ينظرون للمستقبل المأمول كتجسيدٍ للماضي الذّهبيّ، ويخفون حنيناً إلى الأصول، وهو حنينٌ دينيٌّ في جوهره، يريد به الإنسان استعادة الحضور الفعّال للآلهة، كذلك يريد أنْ يحيا في العالم غضّاً، نقيّاً، مثلما خرج على يد الخالق.[4] إنّ الماضي يُستوعب، ويُتجاوز، ولا يجوز أنْ يبقى فاعلاً في الحاضر، إنّ حضور الماضي في الحاضر هو في بنيته المتكوّنة، وليس في بنيته الَّتِي تتكوّن الآن. لكنْ حدثنة الحاضرِ بالماضي صارت بديلاً عن حدثنة الحاضر بالحاضر، وعوضاً عن مقاتلة العدو الحقيقيّ صرنا نقاتل طواحين الهواء على طريقة دون كيخوت، وبدلاً من السيطرة على الزمان الجاريّ، تماهينا بالزمن المثاليّ السحيق، وعاصرناه من أجل أن تتاح لنا إمكانيّة التخلّي عن مسئوليتنا في معاصرة زماننا. قد لا يسعنا تحميل أحدٍ بعينه مسئولية الفكر ذي الطبيعة الارتدادية بشقيه «العلمانيّ» والسّلفيّ؛ فإذا كان الإنسان المعاصر في الغرب لم يفلح في القضاء على المسلك الدينيّ على الرَّغْمِ مِنْ الدرجة الَّتِي بلغتها عملية نزع القدسيّة عن العالم [5] في ثقافته، فكيف بإنسانٍ يعيش في بنية ثقافيّة ـ اجتماعيّة ـ سِيَاسِيّة ـ اقتصاديّة متقادمة، لم تتمكن من تجاوز نفسها، ولم تمت لتفسح المجال للجديدِ، كيف لهذا الإنسان ـ المفكر اليساريّ، والعلمانيّ أن ينتج ثقافةً تتجاوز أطره؟ وكيف لنا أن نرى وَعْياً بالمستقبل إذا كانت البنية الفكريّة اليساريّة والقوميّة والأصوليّة ضاربةً جذورها في تربة واحدةٍ، ومنها تتحدد أسُسها، ونشأتها، ومن خلال آلياتها يتم بناء آليات التفكير عند ممثلي هذه التيارات الفكريّة العربيّة. إنَّ التماثل البنيوي للفكر العربيّ بأشكاله المتباينة يسمح لنا بسهولة باكتشاف وحدة منشئه.

       

في الختام أتوجه بالشكر إلى المفكر الدكتور عبد الرّزاق عيد، الَّذِي قرأ مخطوطة الكتاب، وأبدى الملاحظات الضّرُوْريّة من أجل تحسين العمل، كما يتوجب عليّ الإعراب هنا عن شعور العرفان تجاه رجلٍ غادرنا منذ سنوات: هادي العلويّ، والَّذِي لطالما شجّعَني على الاستمرار، بما كان يملك من تفاؤلٍ كبيرٍ، وثقةٍ شديدةٍ بالمستقبل، وبرحيله بقيت جوانحي تحتضن مودةً عميقةً لمثقفٍ مثاليٍّ بكلِّ أبعاد هذه الكلمة، لكنّ هذه الذّكرى غير مشفوعةٍ بشيءٍ من تفاؤلِه، وثقتِه؛ لأنّ الأفق لا يبشّر بمستقبل مشرقٍ للبشريّة، أو على الأقلّ أفق العَالَم العربيّ، ومع ذلك ليس لنا أنْ نستسلم لانفلات قوى الشرّ والعدوان، بل يجب أن نقاومها مدفوعين بإرادة التَّحدّي.

حلب ـ خريف 2000

 


[1] فُتُوح البْلدَان، أبي الحسن البلاذري، دار الكتب العلمية، بيروت، 1412 ﻫ/ 1991 م، ص 448 ـ 449.

[2]ملامح من الأُسْطُوْرَةِ، ميرسيا ايلياد، ترجمة حسيب كاسوحة، وزارة الثقافة، دمشق، 1995، ص 20 ـ 21.

[3]ملامح من الأُسْطُوْرَةِ، 42.

[4]المُقَدّس والدّنْيَوِيّ، مرسيا إلياد، ترجمة: نهاد خياطة، دار العربي، دمشق، 1987، ص 88.

[5]المُقَدّس والدّنْيَوِيّ، 25.