د. بهجت سليمان: عن (الخير)

{كمبدأ معرفيّ، من ثلاثية «الحق و الخير والجمال»}..

ـــ بوصفه يتجاوز "الأخلاق" في "الوجود" ـــ

ــ د. بهجت سليمان

إنّ الأشياءَ التي تمنعنا من وعي العالم وعياً مأساويّاً، تُساوي، على نحو من المساواة أو أكثر، تلك التي تجعلنا لا نُدركهُ إدراكاً بسيطاً يدعونا إلى الشّفقة و الرّثاء..

و على رغم هذا نحن نستطيعُ، عندما نطمح إلى أن نكون عادلين، أن نتأرجح بين الحنق و الحِلم، من جهة أنّنا لسنا في الوضع الذي يمنحنا القدرة على العيش بانسجام خُلُقيّ إزاء الظّواهر اليوميّة التي تبدو لنا على أنّها ليست حياديّة فيما يتعلّق بأثرها المفرطِ الذي يمنعنا أن نكون إزاءها في مسافة واحدة و كافية لصناعتنا أو لتصنّعناالّلامبالاة.

نظرت الأديان و الفلسفات إلى هذا الأمر نظرة أخلاقيّة من منطلق جدل "الخير" و "الشّر"، و تعامل البشر مع هذا الواقع من منطلقات المردود العمليّ و اليوميّ للموقف المناسب، مع أنّهم يغلّفون مواقفهم، بعدوى "الدّين"، على الأكثر، و بعدوى بعض الأخلاقويّة المزيّفة، بغلاف كلاميّ من التّمثّل الأخلاقيّ الذي يطغى في إلحاحه المبالغ فيه، على مبدأ الحياة المجرّدة..!

و حيث لا ينتهي الموضوع عند هذه الحدود التي هي حدود الوجود الشّاسع و غير المعدود، فإنّ عبقريّة حاجة العالَم إلى التّوهّج الدّائم تجعل من "الأخلاق" و "العمل" مبدأين غير كافيين لاستقبال حكمة الغاية من هذا الوجود.

ليس "الخير"، بالدّلالة ، واضحاً، كما يمكن أن يظنّ أو أن يعتقد أو يدّعي الجميع، وضوح "الفكرة العامّة" المشتركة في الّلفظ، و التي تتداوله في الكلمات؛ و ليسَ الشّرّ كذلك، أيضاً!

تتعدّى الدّلالات إلى مضامين تختلف بحسب الاستعمال المتعدّد للكلمات، و ذلك من كونه يُراد بِ"الخير" في أبسط المقاصد أن يُعبّر عن "الوفرة" و "السّخاء" و الزّيادة في "الكرم"، أو أن يُراد به تلك "الفضيلة" التي تناقض "الشّرّ" بما هو "الشّرّ" ما يقصده به النّاس في "الباطل" و "القبح" و "الوَبال" و وابلِ "الرّذيلة" و القحط و النّكران و الجحود.

و تبدو صعوبة تناول "المفهوم" (الخير و الشّر) من جهة أنّنا ما إذاكان لنا أن نختزل جميع أبعاده في كلمات أو أحكام "أخلاقيّة" واضحة، واحدة، قلّما توحي بتلك التّفصيليّة الجزئيّة العمليّة التي ينعقد عليها رجاء النّاس؛ أو أنّ المسألة تتعلّق بعدد من الحُيُودِ في الكثير من جوهر مضامين "الكلّيّات" الإيحائيّة في موشوراتٍ استعماليّة تجعل منها أبعد ما تكون عن ماهيّاتها الأصليّة.

فمن خير السّماء إلى خير الأرض إلى الخير الذّاتيّ إلى الخير العامّ إلى أو خير النّاس أو خير الجميع، إلى ضروب الخير الفرديّة الشّخصيّة التي لا تُحصى؛ و مثلها في الشّرّ؛ تبدو الحاجة إلى الإحاطة بكلّ هذا و ذاك أمراً متعذّراً إلّا في المناسبات الجزئيّة التي تبتعد كثيراً عمّا يمكن أن نسمّيه الوضوح، عندما يكون المطلوب الإسهام في بناء المعرفة بالطّرائق العقليّة قبل أن نتوجّه إلى التّمثيل عليها بواسطة اليوميّات التي كانت، و ما زالت تحاول أن تكون، أخلاقيّات.

نحن لا نهدف، هنا، إلى ادّعاء "اليقين" و تصدير اليقينيّات إلى الآخرين، و لكنّنا لا نجد مانعاً، أيضاً، من تناول أيّة فكرة، بالعقل النّقديّ و العقل "الّلغويّ" (و لا أقول الألسنيّ!)، تبدو أنّها مألوفة، إذا كان علينا ألّا نتجاوز ما قد ألفه الآخرون من مواضعات.

و نحن تعوّدنا في الحالات المشابهة لهذه الحالة من الفحص المتكرّر للكلمات، على أن نتوسّع بالإطار "الأخلاقيّ" المعهود كإطار لتمثّل بعض "القيم"، إلى الأفق "المعرفيّ" للامتثال..؛ و ذلك عن اعتقادنا (و لعلّة اعتقادنا ) بانّ جوهر "المعرفة" لا يكون إلّا بموقف "أخلاقيّ" في "الإرادة" يتبطّن في الجانب الأُنسيّ لحدود المعرفة، بواسطة ما تمارسه "المعرفة" نفسها من استبطانات شاملة للأشياء، بما في تلك الأشياء "الأخلاق"؛

على أنّ ذلك لا يعني أبداً اعتبار "الخير" جزئيّة أخلاقيّة، إن لم يكن العكس هو الصّحيح، إذ لطالما تورّط "البعضُ" في اعتبار أنّ "الأخلاق"، بالتّعريف، هي "علم الخير و الشّر أو مبادئ السّلوك القويم"، ناسين أنّ كلا "الخير" و "الشّرّ" هما من الأمور التي تبقى محلّ تأمّل عمليّ و أخلاقيّ و معرفيّ و نقد و توسّع دوماً و حتّى حدود العكس و الانكماش..!

و لأنّنا نعوّل على "الخير"، إذاً، بواسطة "المعرفة"، فلا نرى أيّة مناسبة للبحث على معاييرَ للخير كما جرت العادات، و إنّما سنحاول أن نجعل منه في النّهاية شيئاً فوق المعايير الأخلاقيّة، و ذلك عندما سنكشف عن ذلك، أخيراً، هناك

- كان منذ الألف الثّالث قبل الميلاد و اختراع الكتابة، وفق تقويم حضارتنا هذه..، أو كأنّ العالم كان على موعد جديد مع "الفكرة" الأخلاقيّة- الدّينيّة التي بدأت تتعمّد إيحاءاتها بوضوح للعقل الإنسانيّ الذي كان أميناً في الامتثال للمقولات الوافدة إلى عالمنا من مكانها في "الموضوعيّات"، بغضّ النّظّر عن طبيعة و كفاية "التّمثّل"، كما كان أميناً في تسجيلها كلحظة دائمة إلى الأبد.

بعد "عقوبة الطّوفان"(!) سارع الإنسانُ إلى الانشغال بالخلود، و لأنّه كائنٌ محدودٌ عرف مصيره الفاني كان عليه أن يرهفَ السّمع إلى قصّة الخلود التي بدأت تشغله بمأساويّة - ربّما- و هكذا دأبت الأفكار منذ حينها تحاول، باجتهاد، مغازلة جماليّات "الفكرة" الأولى لعلّها ترقّ و تبوح؛ فكانت تعدّديّة تلك الصّياغات، و في تزامنات لدى مختلف الشّعوب و "الثّقافات" شهدنا معها ظهور الأفكار الرّوحيّة و الدّيانات الأرضيّة و شتّى جذور الفلسفات الأولى مع بذور الدّيانات السّماويّة، في محاولة جماعيّة عالميّة لقراءة نظام فكرة الكون؛

لقد كان، من ثمّ، العالم كلّه، مع حلول الألف الأوّل قبل الميلاد، على موعد مع سطوع "الفكرة" و تجسّدها في اللغة بحيث أصبحت لا تتخفّى، منذ حينه، على الإنسان.

و لأنّ الإنسانَ أدركَ، أخيراً، أنّ الموتَ قدره الفرديّ الأخير الوحيد، كان عليه أن يرى "نفسه" (أو روحه) في مرآة "فكرة" واسعة و خالدة، و هذه الفكرة هي "الخير" الأسمى أو "الله"، كما سوف تشتغل عليها، اعتباراً من هذه اللحظة، جميع "القصص" و "التّصوّرات" و "التّأمّلات" و "الدّيانات" و "الفلسفات".

هكذا ارتبطت فكرة "الله" بالخير منذ البدايات الأولى، و ذلك، مع هذا "الفيض" الذي لا ينضب (الخير) في "التّكرار" الطّبيعيّ و الفلكيّ و دورات الوقت و نظام الحدوث و إيقاعات المكان و الزّمان.
لقد ارتبط، لأوّل وهلة، حضور الله في هذه "التّواترات" التي كانت وراء "الطّقوس" الاحتفاليّة في تكرار الوجود، الأمر الذي كان يعني المزيد من "العطاء" الكونيّ الذي لا ينضب و الذي كان، أوّل ما كان، في "خير" الله، العميم، و في تقديره لهذا "الخير" بالاختيار الدّائم، للدّيمومة، و الذي لا ينتهي و لا يزول.

و قبل ظهور "الأخلاق" كمبدأ اجتماعيّ و دينيّ، كانت الأديان الأولى، و خاصّة في مراحلها المتأخّرة- في الألف الأوّل قبل الميلاد- هي من ثبّت فكرة "الله" لتنشأ عليها في أقرب وقت لاحق، في "الدّين" و في "الفلسفة"، فكرة "الخير".

يمكننا أن نلاحظ هذه الحقيقة مبكّراً مع التّاريخ؛ فمنذ قبل غزو "الهكسوس" الأسيويين (الشّاميين) لمصر (في حوالي 1800 ق. م)، و قبل أن تتأثّر ديانات مصر بالدّيانات الآسيويّة، قال أحد النّصوص المصريّة على (ماعتْ)- ربّة الحقيقة و العدالة و الوِفاق- و "إبنة الإله رَع" (رع- أتوم- حورس، الإله المثلّث الموحَّد الواحد):

"ماعْت خيّرة و قيمتها باقية لم تتزعزع قطّ من يوم خالقها"؛

و هكذا كان من أوائل علامات الأمان الإنسانيّ الحاجة إلىارتباط "الخير" بالحقيقة و العدالة و الانسجام و التّواتر و الدّيمومة و البقاء؛
و ربّما كانت قوّة هذا الإيمان بالحياة بعد الموت هي التي دعّمت [هذه] الدّيانة.

[انظر: المعتقدات الدّينيّة لدى الشّعوب. مشرف التّحرير جفري بارندر. ترجمة: د. إمام عبد الفتّاح إمام. مراجعة: د. عبد الغفّار مكّاوي. عالم المعرفة (173). المجلس الوطني للثّقافة و الفنون و الآداب. الكويت – 1993م].

كانت فكرة "الخير" و "الشّرّ" فكرة تقليديّة في المعتقدات الدّينيّة السائدة عند "السّومريين" و "البابليين"؛

فالخير هو من صنع الآلهة العظيمة (مردوخ) و (انليل)، و الشّرّ هو من صنع الآلهة "الادنى" منها (نمو) و (تيامْت).

لاقت هذه المعتقدات تأكيدها في الدّيانات الّلاحقة، لتترسّخ فكرة هذه "الثّنويّة"، كما كان عليه الأمر في "الزّارادشتيّة" (حوالي 600 ق. م)، و "المانويّة" (حوالي القرن الثالث الميلاديّ)، و حتّى في "الغنوصيّة" الهيلنيستيّة المتأخّرة؛

إذ تركّزت فكرة "الخير" في إله "الخير" الذي يقابله إله "الشّرّ"في "الزّارادشتيّة" فكان (أهورا مزدا) مثال "الخير" و "النّور"، و كان (أهريمان) مثال "الشّرّ" و "الظّلمة"، و هما على صراع دائم و أبديّ؛
في حين أنّ "المانويّة" رأت في العالم مملكتين، واحدة للخير و واحدة للشّرّ، و أنّ مملكة "الخير" و "النّور" هي أعظم من مملكة "الشّرّ" و "الظّلام"؛

و بهذه المناسبة فإنّ "المانويّة" و "الغنوصيّة" تجتمعان على أمر أنّ "الشّرّ" كلّه محصور في "المادّة" و "الأجسام"، و أنّ "الخير" كلّه في "الأرواح"، و لهذا كان "الله" كلّه خيرٌ و نورٌ لأنّه "روح" خالص.

- كان (سقراط) أن رأى أنّ "الحكيم هو عادلٌ و خيّر"، بحيث أضاف الحكمة إلى العدل و "الخير". و هكذا يتضّح أنّ (سقراط)، و على أنّه فيلسوف "الأخلاق"، إلّا أنّه لم يجعل "الخير" خصلة أخلافيّة في قيمة مجرّدة يتمّ السّعي إليها في الطّريق نحو "الغاية"، و إنّما جعل "الخير" صفة من صفات "الفضيلة" العامّة التي تعتبر فيضاً "وجوديّاً" في الأشخاص.

[انظر: سقراط. جورج رديبوش. ترجمة: د. أحمد الأنصاري. مراجعة: أ. د. حسن حنفي. المركز القومي للترجمة. القاهرة. الطّبعة الأولى – 2014م]

- و إذا كان لا يمكن فصل معتقدات (سقراط) عن معتقدات (أفلاطون)، بسبب أنّ (سقراط) لم يكتب، و إنّما جاءت جميع مؤلّفات (أفلاطون) في "محاورات" كانت على لسان شخصيّتها الرّئيسية، معلمه و أستاذه (سقراط)؛

فإنّنا يمكن أن نتابع، في السّياق نفسه، فنقرأ في "الكتاب الأوّل" من "الجمهوريّة"، و المخصّص في جزئه الأكبر للبحث في "العدالة"، أنّ "الخير و الشّرّ" في صراع أزليّ ليس في اصطفاف "منظومتين" في نسقين من "المجموعات"، فقط، و لكن في احتدامٍ أكبر، أيضاً، في داخل الشّخص نفسه بين الفرد و ذاته؛

فالغريزة الإنسانيّة تدفع نحو الاحتكام لقيم الشّرّ في تلبية حاجاته، بينما تكافح منظومة "الرّدع العقليّ" هذا التّوجّه الشّرّير و تدفع "الذّات" نحو جبهة الخير و نبذ الشّرّ..
و يرى (أفلاطون) أنّ صورة الخير هي الحدّ الأقصى لكمال العالم العقليّ؛ و يرى أنّ جميع "المقولات" تستمدّ ماهيّتها من "الخير الأعلى" الذي هو "أساس العلم و الحقيقة".

[جمهوريّة أفلاطون. المدينة الفاضلة كما تصوّرها فيلسوف الفلاسفة. إعداد أحمد الميناوي. دار الكتاب العربيّ. دمشق- القاهرة. الطبعة الأولى- 2010م. ص(68- 69 -70)].

يربط (أفلاطون) ربطاً مباشراً بين "العدالة" و "الخير" و "الحكمة" (المعرفة)، من جهة، و بين "الظّلم" و "الشّرّ" و "الجهل"، من جهة أخرى؛

يقول:

"- و لكنْ ألم تقل، يا ثراسيماخوس، إنّ الظّالم يتعدّى و يتجاوز مثيله و ضدّه معاً؟ ألم تكنْ هذه كلماتك؟

"- بلى.

"- كما أنّك قلت إنّ العادل لا يتعدّى مثيله و لا يتجاوزه، و إنّما يتجاوز ضدّه فقط؟

"- أجل.

"- إذن، فالعادل كالحكيم و الخيّر، و الظّالم كالشّرير و الجاهل؟

"- ذلك هو الاستدلال".

[جمهوريّة أفلاطون. دراسة و ترجمة د. فؤاد زكريّا. دار الوفاء لدنيا الطّباعة و النّشر. الإسكندريّة. الطّبعة الأولى – 2003م. ص(206- 207)].

و الخير الأسمى (بأل التّعريف) عند (أفلاطون) هو، في الحقيقة، أبعد عمقاً ممّا تقدّم و أعلى غَوراً؛
و لذلك، و من أجل المتعة و الفائدة النّادرتين في تاريخ "الكتابة"، دعونا نقف قليلاً عند "نصّ"، و لو كان مطوّلاً بعض الشّيء، يكتبه (أفلاطون) في "الجمهوريّة"، هو من أبدع أوابد النّصوص المكتوبة في تاريخ الفكر. يقول:

"- سقراط: و أنت عالم أنّ الخير الأعظم عند العامّة هو "السّرور"، و عند الخاصّة هو "البصيرة" [أو الحكمة العمليّة].

"- أدنميتوس: مؤكّد أنّي أعلم ذلك.

"- سقراط: و أنّك عالم يا صديقي أنّ دعاة الرّأي الثّاني لا يمكنهم تبيان ما يعنون بالبصيرة و هم مضطرّون أن يفسّروها بأنّها إدراك باطنيّ "للخير".

"- أدنميتوس: نعم، فإنّهم في مشكل سخيف.

"- سقراط: حقّاً إنّهم كذلك ما داموا يزدروننا لجهلنا "الخير" و على الأثر يخاطبوننا مخاطبة العالِمين ما هو، فإنّهم يقولون لنا إنّ الخير الأعظم هو "إدراك باطنيّ للخير" زاعمين أنّنا نفهم معناهم حالما يلفظون كلمة "خير".

"- أدنميتوس: صحيح تماماً.

"- سقراط: أوَلَيسَ خطأهم كخطأ الذين وحّدوا الخير و السّرور، مع أنّهم أُجبروا على التّسليم بأنّ بعض المسرّات شرّ، ألم يُجبَروا؟

"- أدنميتوس: حقّاً إنّهم أُجبروا.

"- سقراط: فينتج عن ذلك أنّهم، و لا بدّ، يسلّمون بأنّ الشّيء الواحد، يكون في وقت واحد، خيراً و شرّاً. أليسَ كذلك؟

"- أدنميتوس: يقيناً أنّه ينتج عنه هكذا.

"- سقراط: أفلا يتّضح أنّ في هذا الموضوع تناقضاً تامّاً؟

"- أدنميتوس: فيه تناقض دون شكّ.

"- سقراط: و شيء آخر. أليسَ واضحاً أنّ أشخاصاً كثيرين مستعدّون أن يعملوا- أو يظهروا أنّهم يعملون، و أن يمتلكوا، أو يظهروا أنّهم يمتلكون- ما يظهر أنّه عادل و جميل، دون أن يكون الواقع ما ظهر؟ على أنّه لا أحد يكتفي في الخيرات بمجرّد الظّاهر بل كلّ إنسان يطلب الحقيقة، و أشباه الحقيقة هنا، إذا لم تكن في موضع آخر، منبوذة و محتقرة عند النّاس.

"- أدنميتوس: نعم، إنّ ذلك واضح.
"- سقراط: فهذا الخير هو ضالّة كلّ نفس المنشودة. و هو غاية غايات مساعيها، و نحسبه إلهيّاً، لكنّها تتلبّك في استكناهه، عاجزة عن التّمتّع بالثّقة الرّاهنة باتّصالها به، كما تتمتّع باتّصالها بغيره من الأشياء. و لذلك تخسر كلّ فائدة يمكن استخراجها من تلك الأشياء، فتجزم أنّ التّعامي الذي وصفناه، في موضوع جليل الشّأن كهذا، أشهر المُميّزات في سجيّة رجال الدّولة، الذين أنيط بهم كلّ شيء.

"- أدنميتوس: كلّا كلّا..

"- سقراط: فما دامت الأشياء العادلة و الجميلة غير معروفة بأيّ صورة تكون خيراً، فلا أرى لهذه الأشياء قدراً كبيراً عند حاكم يجهل هذه النّقطة. و أرى أنّ لا أحد يبلغ حدّ المعرفة التّامّة في كنه الجميل و العادل، ما لم يعرف كنه الخير.

"- أدنميتوس: إنّك مصيب في رأيك.

"- سقراط: أفلا يكون ترتيب نظامنا كاملاً إذا كان الحاكم الذي يراقبه متضلّعاً من معرفة هذه الموضوعات؟

"- أدنميتوس: من كلّ بدّ. و لكن يا سقراط، أتقول إنّ الخير الأعظم هو العلم أو السّرور، أو شيء آخر يختلف عنهما؟

"- سقراط: هيهات يا صديقي. فإنّي لطالما رأيتك لا تعدل عن آراء الغير في هذه المواضيع".
(....)

[و على عادة (أفلاطون)، يثير احتجاجات (سقراط) على جهل النّاس في المواضيع التي تدّعي فهمها..، منذراً بأنّه سيكفّ عن متابعة الحوار؛ فإذا بِ(غلوكون) يصيح راجياً (سقراط) متابعة "الحوار"..]؛
(....)

"- سقراط: سأقدّم لكم أغصان "الخير الأعظم" و ثماره.
(...)

"- غلوكون: نعم.

"- سقراط: فاعلم أنّ الشّمس هي ما عنيته بِ"مولود الخير"، و قد ولدها "الخير الأعظم" على صورته و مثاله، أي أنّ علاقتها بالعالم المنظور، بالبصر و أشيائه، هي كعلاقة "الخير الأعظم" في العالم الرّوحيّ بالذّهن و الموضوعات.

"- غلوكون: و كيف ذلك؟ زدني إيضاحاً إذا شئت..

"- سقراط: فسلّم إذاً بأنّ مواضيع المعرفة، بالقياس نفسه، تستمدّ من "الخير الأعظم" يقينيّة وجودها و جوهريّته، لا معروفيّتها فقط. مع أنّ "الخير" نفسه أسمى من أن يوجد مع الوجود الحقيقيّ، بل هو يفوقه فعلاً و قوّة و سموّاً".

[جمهوريّة أفلاطون. أفلاطون. ترجمة حنّا خبّاز. مؤسّسة هنداوي للتّعليم و الثّقافة. القاهرة. الطّبعة الأولى – 2017م. الكتاب السّادس- الفلاسفة – ص. ص(221- 226)].

- مع (أرسطو) الذي ينطلق من مبدأ "القوّة و الفعل" بالوجود (أو الوجود بالقوّة و بالفعل)، فإنّ فضيلة "العدالة" هي "القوّة" الكامنة التي تصير "فعلاً" بِ"الخير" الذي هو "المنفعة العامّة".

[انظر: أرسطو- أستاذ فلاسفة اليونان. تأليف الأستاذ الدّكتور فاروق عبد المعطي – وكيل كلّيّة الآداب- جامعة المنصورة. دار الكتب العلميّة. بيروت- لبنان. الطّبعة الأولى- 1992م].

و "الّلذّة" هي "خيرٌ" عند (أرسطو) و لكنّها ليست هي "الخير" الأعلى (و قد أبان ذلك أفلاطون، ضمناً)، و لا يكفي سعينا إلى تحصيلها لنعتبرها هي "الخير الأقصى" للبشر؛ فالخير الأقصى هو في "السّعادة"، و "التّأمّل" العقليّ هو "السّعادة" الكاملة، و "الحكمة" هي الفضيلة العقليّة العليا و هي "الخير" في وجوده الأسمى.

[انظر: أرسطو. تأليف روبرت وُدفين، و جُودي جروفس. ترجمة إمام عبد الفتّاح إمام. المجلس الأعلى للثّقافة – المشروع القومي للتّرجمة، بإشراف جابر عصفور. القاهرة. الطّبعة الأولى – 2005م].

في الحقيقة، فإنّ مذهب (أرسطو) في "الخير الأعلى"، في رأينا، هو مزيجٌ من "الخير الأفلاطونيّ" (أي "الخير الأعظم"، وفق أفلاطون)، من جهة، و من طبع "لا أدريّ"، من جهة أخرى، (إذا كان هذا القول مناسباً هنا) كما يتّضح ذلك في المؤلّف الأخلاقيّ الشّهير لِ(أرسطو)، و أعني به "علم الأخلاق إلى نيقوماخوس"، الذي لا يجزم فيه (أرسطو) على "الخير الأعلى"، على رغم إفراد صفحات طويلة من هذا "الكتاب" لمناقشة موضوع "الخير".

يقول (أرسطو):

"على فرض أنّ الخير الأعلى هو شيء كامل، و مع التّسليم بأنّ الحركات و التّولّدات هما شيئان غير كاملين، فقد يحاولون [النّاس] مع ذلك إيضاح أنّ الّلذّة هي حركة و تَوَلّد، و لكنْ لا حقَّ لهم في ذلك على ما يظهر".

[أرسطو. علم الأخلاق إلى نيقوماخوس. ترجمه من اليونانيّة إلى الفرنسيّة (بارتلمي سانتهلير) أستاذ الفلسفة اليونانيّة في الكولج دي فرنس، ثمّ وزير الخارجيّة الفرنسيّة؛ و نقله إلى العربيّة (أحمد لطفي السّيّد) مدير دار الكتب المصريّة. الجزء الأوّل. مطبعة دار الكتب المصريّة بالقاهرة. الطبعة الأولى- 1924م. الجزء الأوّل – الكتاب العاشر- الباب الثّاني. ص(332). و انظر، أيضاً، الصّفحات التّالية و حتّى الصّفحة (337)].

هذا مع العلم أنّه ما من أمر يمنعنا، أيضاً، من الوقوف على مقاربة و لو أنّها عموميّة و مُرسَلة لتعريف "الخير" عند (أرسطو) في قوله:

و"جميع أفعالنا و جميع مقاصدنا الأخلاقيّة، يظهر أنّ غرضَها شيء من الخير نرغب في بلوغه. و هذا هو ما يجعل تعريفهم [النّاس] للخير تامّاً إذا قالوا: إنّه هو موضوع جميع الآمال".

[المصدر. الكتاب الأوّل. الباب الأوّل. ص(167- 168)].

الغريب، في رأينا، أنّ (أرسطو)، مع ما "عُرف" عنه من "واقعيّة" أكبر ممّا هي عن (أفلاطون) [كما يُحبّ أن يقول بعض المتفلسفين!]، فإنّه يتراجع في تعريف "الخير"، مقارنة بِ(أفلاطون)، من "المقولة المعرفيّة" (عند أفلاطون) إلى "المفهوم الأخلاقيّ". و هذه، في رأينا، انتكاسة "إبستمولوجيّة" لِ"الفكرة" بِعامّةٍ، لم يقف عندها جميع الفلاسفة و المتفلسفين..!؟

- لا نقف عند فلاسفة الإغريق الآخرين، و ذلك بسبب عدم الاستقلاليّة التّخصّصيّة في "المعرفيّة" أو "الأخلاقيّة".. عندهم فيما يخصّ فكرة "الخير" و لو أنّهم وازنوا، غالباً، بين "الخير" و "الشّرّ" بما تمليه "المنظومة" الفكريّة الخاصّة للنّسق النّظريّ للمبدأ الفلسفيّ الذي يشكّل، عند كلّ منهم، منطلقاً مختلفاً يميّز سائر أبعاد العلامة الأساسيّة لهويّة التّمثّلات المضمونيّة للأثر المنعكس، لدى كلّ منهم، في المفهوم؛

- و ربّما يحسن بنا أن نضيف إلى عمالقة فلسفة اليونان الثّلاثة (سقراط و أفلاطون و أرسطو)، هنا، موقف (بروتاغوراس) - السّوفسطائيّ- فقط، الذي أسّس لخطّ فلسفيّ تاريخيّ لاحق في "المثاليّة الذّاتيّة" الموزّعة، و لو بأشكال مختلفة، عند (بركلي) و (هيوم)و سائر الاتّجاهات "التّجريبيّة الحسّيّة" في الفلسفة، من جهة الرّؤية "النّسبويّة" في "الخير" و "الشّرّ"، على اعتبار أنّ "الموقف الشّخصيّ" (الذّاتيّ) من "العالم" هو أساس أو "مقياس كلّ الأشياء".

- يورد "القرآن الكريم" عشرات الآيات التي تتحدّث في "الخير" من جوانب عديدة إحصاؤها يطول.

و نحن نرى أنّ "القرآن" قد تجاوز حدود الفهم الأخلاقيّ لفكرة "الخير" في الكثير من المواضع، الأمر الذي يؤيّد فكرة أنّ "الدّعوة المحمّديّة" كانت تبشيراً في لحظته التّاريخيّة المناسبة و في إطار واقعيّ دقيق تجاوز فيه المناسبات "الثّقافيّة" للأقدمين.
فالعمل المجتهد بما يُتيح إعلاء كلمة الله، هو عمَلٌ خَيرٌ مقترنٌ بالعلم، أيضاً:

"انفِرُوا خِفَافاً و ثِقَالاً و جَاهِدُوا بأَموَالِكُمْ و أَنْفُسِكُمْ في سبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون" (التوبة: 41).

و فكرة التّوحيد الإلهيّة هي معرفةٌ خَيرٌ، أيضاً:

"أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيرٌ أَمِ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّار" (يوسف: 39).

و التّصديق بما يَليقُ بالله أنّه "من أجل" الأدميّ، على إطلاق، و أنّ الثّقة بالله خيرٌ، أيضاً:

"و قِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوا ماذَا أَنزَلَ ربُّكُمْ قَالُوا خَيراً" (النحل: 30).

و إنّ "القوّة" و "الأمانة"، كلتيهما، من "الخير"، أيضاً:

"قَالَت إِحدَاهُمَا يا أَبَتِ استَأْجِرْهُ إِنَّ خَيرَ مَنِ استَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِين" (القصص: 26).

و أخيراً، و مرّة أخرى، فإنّ "الخير" هو أعلى و أرجح في ميزان "العمل"؛ و على أنّه ما من "عملٍ"، بالمبدأ القرآنيّ، بخاصّة، من دون "علمٍ" و أي من دون "معرفة":

"فَمَنْ يَعمَلْ مِثقَالَ ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ * و مَنْ يَعمَلْ مِثقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه" (الزلزلة: 7 و؟؟؟.

- في نظر (كانط)،

"ليس الحقّ هو نفسه فكرة الحقّ المستخدمة في الفلسفة الأخلاقيّة، حيث يختلف "الحقّ" عن "الخير"، و يحار الفلاسفة في محاولتهم فهم أيّهم هو الذي يستند إلى الآخر؛ فالأفعال التي توصف بأنّها حقّ بالمعنى الرّاهن، لا تتضمّن سوى الأفعال التي لا ينبغي منعها قسراً، وفقاً للمقياس الذي قرّره مبدأ الحقّ، حتّى لو تعارضت مع الواجب الأخلاقيّ".

[كانط- فيلسوف النّقد. ألن. و. وود. ترجمة بدوي عبد الفتّاح. المركز القومي للتّرجمة، بإشراف جابر عصفور. القاهرة. الطّبعة الأولى- 2014م. ص(204- 205)].

و واضح أنّ (كانط) يجري في تاريخ الفلسفة على ما أسّس له (أرسطو) منذ حينه بأن شقّ الطّريق الذي سيستمرّ حتّى أيّامنا هذه، حقّاً كان أم باطلاً، في اعتبار فكرة "الخير" مبدأً أخلاقيّاً، دون الانتباه إلى ما يمكن أن يكون عليه الأمر من شُبهةٍ فلسفيّة تُخفي في غياهبها الجذر المعرفيّ لفكرة "الخير".

في كتابه "نقد العقل العمليّ" يوضّح (كانط) أقصى ما يمكن له أن يجده في "الخير"، بأنّ "الخير الأسمى" هو "الكلّيّة الّلامشروطة لموضوع العقل المحض العمليّ".

ينظر (كانط) إلى المسألة من هذا الجانب، كونه لا يعتقد بوضعيّة أخرى لِ"الخير" خارج "الممارسة" التي يحكم عليها، و حسب، من خلال نظرة "لا مشروطة" للعقل المحض، العمليّ؛

[إمانويل كَنْت. نقد العقل العمليّ. ترجمة غانم هنا. المنظّمة العربيّة للتّرجمة- مركز دراسات الوحدة العربيّة. بيروت. لبنان. الطّبعة الأولى – 2008م. ص(193- 194)]؛

و نحن لهذا قلنا، منذ قليل، على الإطار "الفلسفيّ" الكانطيّ، للخير، إنّه إطار "أخلاقيّ" يحتاج فيه "العقل" العمليّ (المحض) إلى رأيٍ "ما قبل معرفيّ" أو "ما دون معرفيّ" و يجد فيه، أيضاً، كفايته الفلسفيّة.