علي كنعان: من أطياف الغربة

أقبلتْ مكسورةَ الجنحينِ.. واسترخت على صدري كعصفورٍ مهاجر
قلت: لن أسألَ "من أينَ؟.. إلى أينَ؟.. ومن أنتِ؟"
ولكنْ، لا تنامي ها هنا......
جوُّ القطار يتنزَّى بالكوابيسِ.. وأشباحِ الطيورِ الغرباء
بيتُنا – أقصدُ (كوخي) – ربما أقربُ من دارِكِ في أقصى تخومِ الصينِ..
هل يأخذنا، يوماً، بساطُ الريحِ.. أو أشرعةُ الموج إلى السور العتيد؟
عاجلتني نظرةٌ طافحةٌ بالخوفِ كالخنجر في قبضة طفلٍ مثخنٍ بالجوعِ:
"هل جئتَ مع السيّاحِ في قافلةِ الغربِ السعيد؟"
قلتُ: أشجاري لها جذرٌ عميقُ الغورِ من إبلا.. إلى بدرٍ
  ومن مئذنةِ الأقصى.. إلى آخر جرحٍ في بلاطِ الشهداء
كيف تستبقين أغصانَك بتراءَ؟ أهذا حلم الفجرِ البعيد؟!

***

سحبٌ غبَّشتِ المرآةَ في ضحوةِ عينيها.. دعاها هاجسُ الكتمان أن تهربَ:
"هل نرتشفُ القهوةَ في أعلى مغاني طوكيو؟"
أحسستُ خوفاً مبهماً..
- لا بأسَ، هيَّا -
واعترتني رجةٌ، موجُ دوارٍ عبثي:
أوقفي – أرجوكِ – هذا الفرسَ الجامحَ، يكفي ها هنا
وارحمي عمَّكِ، يا ريحانةَ الصيفِ الذي ولَّى ،
ضلوعُ الخشبِ المنخورِ لا تقوى على حملِ المزيد

***

تنحني نادلةُ الحانةِ...
"فنجانين، يا سيدتي،  من قهوةِ التُّركِ الشهية.."
- ربما، قبل انكساراتِ الرؤى، كانت تُسَمَّى (عربية)! –
"اتركيها لحظةً تغلي.. وزيدي نسبةَ الهالِ ،
أعيدي هالةَ الأحبابِ تزهو في رحابِ النُّوْفرة!"

***

- ضيفُنا المكسوفُ آتٍ من بلادِ السندباد
فافتحي الشبَّاكَ واختاري له إطلالةً ينشرح الصدرُ بمرآها ويهتزُّ الخيال

***

رشفةٌ أولى..
وتنقضُّ الكوابيسُ ، يكاد الحلمُ أن يطفرَ من نافذةِ البرجِ:
- تماسَكْ يا رجلْ.. واستعِدْ حقَّكَ في عشقِ الحياة.
ملكٌ أنت هنا في الطابقِ الستينَ، روحٌ مفردٌ لا نِدَّ لك
والمدى مملكةٌ فيحاءُ كالغوطةِ ، بحرٌ من رؤىً يمتدُّ
من حريةِ الصوتِ.. إلى راعيةِ الميزانِ في صدرِ الفلك
.. رشفةٌ ثانيةٌ..
يبتردُ الحلمُ ويخبو...
أنت منبوذٌ هنا في رهبة الإعصارِ تهذي.. دون مأوى أو كساء
وضيوفُ الحانةِ انفضُّوا مع الفجرِ سكارى.. وانتهوا كالغرباء
فلماذا يخلطون النفطَ..
والإسلامَ..
والإرهابَ..
في بوتقةٍ واحدةٍ دون غطاء؟
ولماذا سلخوا جلدَكَ مرَّاتٍ..  وخاطوه مع الليلِ سراويلَ نساء:
"زوجةٌ واحدةٌ عندكَ.. أم أربعُ؟
  هل ترغبُ في خامسةٍ تغنيك عن جوعِ البريد؟"
شهقت عرَّافةُ الحانةِ:
"باركْ جسدي، قبل صياحِ الدِّيكِ، يا مولاي هارون الرشيد!"
ـــــــــــ

من "غربة صوفي آخر" - طوكيو / 1995